الطبيعة
الإنسانية والحرية وعلاقتها بالقيادة العالمية
عالم النيلي
"مبحث اجتماعي"
هناك جملة من الاعتراضات
المبثوثة في الكتب المتفرقة التي تحاول تسفيه
الحلم الإنساني بالقيادة العالمية. ومع أن هذه
الاعتراضات لا تشكل في مجموعها فكرة ذات قيمة أو
نظرة منطقية إلا أنها تفعل فعلها في أحيان كثيرة
في التشكيك بتحقيق هذا الهدف وإحباط الآمال لدى
أفراد كثيرين ممن هو في عداد المثقفين أو الواعيين
من الأمة.
إن آراء الباحث الاجتماعي
العراقي الدكتور (علي الوردي) تمثل جانباً من هذه
الاعتراضات اللامنطقية لذلك سآخذ بعض نصوصه من
كتاب (لمحات اجتماعية) وأنطلق منها لإظهار التناقض
في هذه الردود تحت العناوين الفرعية المختصرة فيما
يأتي:
أ. هل للحقيقة
أوجه متعددة؟
حينما لاحق المؤلف عشرات
الحوادث التاريخية لمجتمعات ودول المنطقة ورصد
علاقاتها وحروبها وصراعاتها على الحكم خلص إلى
نتيجة مفادها أن هناك طبيعة متناقضة في الإنسان
وأنها من صميم تكوينه فهو يرى أن الإنسان ذو طبيعة
(شريرة) حيث يؤكد هذه النتيجة عند ملاحظة سلوك
الإنسان خلال الطفولة كما سيأتي لاحقاً. وحينما
أراد تفسير هذا الأمر عزاه إلى (نسبية) الحقيقة،
فكل إنسان يرى أن الحق في جانبه وينكر أن يكون
هناك حق في جانب الآخرين أو (خصومه) تحديداً،
ولذلك فإن موضوع الحق والباطل هو أمر نسبي.
ومن هنا وحسب رأيه فإنه لا
فائدة من المواعظ والحكم فلا أحد يأخذ بها
فالحكماء الذين تخيلوا دولة عالمية يسودها العدل
هم أناس غارقين في الخيالات وأن المثل التي جاءوا
بها قد أخفقت كلها كما سنلاحظ عبارته.
يظهر هنا التناقض بين
التحليل وبين سرده الحوادث فقد ألقي باللائمة على
الكثير من حكام الجور والسلاطين الظالمين والمفروض
ألا يفعل ذلك مادامت تلك طبيعة الإنسان ومادام كل
إنسان يحق له الاعتقاد بأن الحق معه لا مع خصومه
لأن الحق والباطل (نسبي) وبالتالي فلا مسوغ لإلقاء
اللوم على شخص دون الآخر.
ليس هذا وحسب بل أن نسبية
الحق والباطل توجب ترك تسجيل التاريخ وإجراء البحث
الاجتماعي من الأصل وهو أمر لم يفعله المؤلف بل
أستمر في تسجيل حوادث التاريخ وإجراء البحث!.
وضرب مثلاً على نسبية الحق
والباطل حيث افترض وجود تمثال بلونيين أسود وأبيض
كل لون من جهة. وتخاصم رجلان بشأن التمثال حيث أكد
كل منهما اللون الذي يراه مواجهاً له.
وخلص المؤلف من هذا المثل
إلا أن للحقيقة وجهين أو أكثر بحسب الأشخاص!
والناتج ان كل منهما محق فيما يراه عن التمثال.
إن صدور مثل هذا المثل من
باحث اجتماعي هو مسخرة فعلاً. فإني أقول أن كل
منهما على باطل وليس كل منهما على حق. ذلك لأن
حقيقة التمثال أنه بلونين وهي حقيقة واحدة لا
تتجزأ- وليست الحقيقة نفسها بوجهين متناقضين. كل
منهما لو دار على التمثال دورة كاملة لوجد أنه
بلونين وبالتالي فهو مخطئ حينما يقول أنه أسود أو
أبيض، وليس في الرجلين شخص محق لأن التمثال ليس
أسود ولا أبيض، حقيقته أنه (أسود وأبيض).
وهذا المثال قديم جداً، أنه
مثل سفسطائي على نسبية الحقيقة وقد حاول الماديون
الإتيان بمثل هذه النسبية فعجزوا وإني أتحداهم أن
يأتوا بمثل واحد من الطبيعة يصلح لهذه الفكرة
اللافكرة وقد حاول ماركس وانجلز القيام بأمثلة من
هذا النوع فلما عجزوا قاموا بتزوير حقائق علمية
مستغلين سذاجة البعض وعدم معرفتهم بالعلاقات
الكمية والحجمية والأوزان فادعى (انجلز) أن الواحد
مضافاً للواحد لا ينتج منه أثنين دوماً مثل إضافة
متر مكعب الماء إلى متر مكعب تراب فالناتج لا يكون
مترين مكعبين من الطين!!.
ومعلوم أننا لو حسبنا
الأوزان فإن وزن الماء مضافاً إلى وزن التراب ينتج
منه مجموع الوزنين رغم انف انجلز فالفارق الحجمي
ضاع بسبب تداخل الماء وهو سائل في جزيئات التراب-
لأن الحجوم هنا متغيرة ولو أخذ نفس الحجوم (مكعب
تراب + مكعب تراب) أو (مكعب ماء + مكعب ماء) لكان
الناتج مكعبين دوماً رغم أنفه.
ولو صح مثل هذا الاستنتاج
اللامنطقي لما كان هناك أي شيء منطقي يقاس مطلقاً
ولما قدر الإنسان على صنع أية آلات أو أدوات بل
لعجز عن إجراء أية معاملات في حياته من بيع وشراء
وإبرام اتفاقيات.
ب. هل الإنسان
شرير بالطبع؟
بعدما أكد أن الإنسان شرير
بطبعه من خلال ما لاحظه من صراعات بين الحكام على
السلطة- غفل عن هذه النتيجة مرتين: الأولى أنه
أثنى على بعض الحكام العادلين الذين رفضوا الجور
بل وتخلى بعضهم عن المناصب حينما عجزوا عن الجمع
بين تحقيق العدل والاحتفاظ بالسلطة بالرغم من
شخصيتهم القوية.
ومعلوم أن مثل هؤلاء ليسوا
أشراراً وهو أمر يخالف ما زعمه من وجود هذه النزعة
عند الإنسان منذ الطفولة. والثانية أنه خلص بهذه
النتائج من خلال سلوك الحكام وهذا خطأ فاحش
فالحكام معدودين دوماً بالنسبة إلى مجموع الناس
وقد تناسى أن الأفراد الواصلين إلى السلطة من خلال
استعمال القوة والقهر والغلبة هم أشخاص قد تدربوا
منذ وقت مبكر على خلط الأمور وتبرير الأخطاء
وإظهار رحمة مفتعلة لكسب تأييد الجماهير وأنهم
طبقة معينة لا تصلح لاستخراج قانون عام عن الطبيعة
الإنسانية فهناك من هو أكثر كفاءة منهم ترك الخوض
في هذه الصراعات رغبة منه في عدم المشاركة بالظلم
والتعسف فلماذا لا تكون هذه الطبقة مثلاً هي
النموذج المأخوذ للدراسة عن الطبيعة البشرية؟
وثم حاول إثبات هذا الشر
المتأصل في الإنسان من خلال ظاهرتين هما سلوك
الطفل وسلوك المجنون.
الأول: ما يلاحظ على الطفل
من حب للشرور، قال:
"يلاحظ عل الطفل أنه يميل
إلى التعاون والتنازع معاً من أول أيامه".
واستدل منه على بقاء هذه
الطبيعة في سلوكه إلى سن البلوغ وقال: "والفارق أن
البالغ يمنعه عقله من إظهار التنازع لذا يقال أنه
(عاقل) وعند حصول التنازع يتحول إلى شرير".
الثاني: أن المجنون لا
يمتنع عن إظهار التنازع لأن سمته الثابتة هي
التنازع.
والناتج أن الرغبة في
التنازع عند العاقل والمجنون واحدة لكنها لا تظهر
إلا عند المجنون.
ولكن مثل هذه الأحكام هي
عامة جداً فنحن نلاحظ خلافها أحياناً كثيرة، وقد
فاته أن المجنون يحاول إظهار التخاصم لحماية نفسه
فقط، وملاحظاته غير دقيقة عن سلوك المجانين،
فالمجنون عرضة بصورة مستمرة للسخرية والضرب
والإهانة في مجتمع الرعاع خصوصاً فيقوم (بتمثيل)
هذا الدور دفعاً للمخاطر ولذلك نراه يذعن لمن
اعتاد مسالمته ويستسلم لمن يعطف عليه وينقاد لمن
يعلم أنه لا يؤذيه ودائماً تلاحظ ان مجموعة الرعاع
الساخرة من المجنون تستنجد بأشخاص معينين يطيعهم
المجنون بعد أن يفشلوا في إقناعه بترك التنازع وهو
إقناع يتسم بالخشونة والإهانة والضرب فيبقى
المجنون يتحداهم حتى يأتيه الرجل الذي يحترمه
بطريقة ما.
وقد ينسحب المجنون من
المعركة حينما يجد في الانسحاب سلامته، ذلك لأن
الأمراض النفسية لا تقضي على الغرائز مثل حب
الطعام والشراب والخوف.. بل غالباً ما تتركز
الغرائز عند المجانين وهو عكس ما ذكره المؤلف.
أما الطفل فيظهر بطلان قوله
عن سلوك الطفل إذا لاحظنا أن الأمر يتعلق بقدرة
المربي أو المشرف على الطفل فهناك أطفال في عائلات
كثيرة جداً يرتفع حب التعاون والاحترام عندهم على
نزعة الخصام.. إن نماذج المؤلف هي نماذج خاصة من
مناطق معينة فقيرة في كل شيء فقراً فكرياً ومادياً
وهي لا تصلح مطلقاً لإصدار أحكام عامة عن السلوك
الإنساني.
لقد قلب المعادلة كلها
فالعاقل يحب التنازع لكنه لا يظهره والمجنون يظهر
التنازع والناتج أن العاقل صار مجنوناً والمجنون
صار هو العاقل!!.
ومن جهة أخرى لو صحت أقواله
بشأن سلوك الأطفال لبطلت المؤسسات التربوية
والإصلاحية ولكان القائمون بذلك- بما فيهم أرباب
الأسر والأمهات وهيئات التعليم مجانين فعلاً لأنهم
يعملون أعمالاً لا جدوى منها!.
هل تحسب أن مثل هذه
(الأفكار) تصلح لتكون بحثاً اجتماعياً؟
ج. فكرة ملائمة
للطبيعة لا العكس !!
بعدما برهن –حسب رأيه
السابق- على الطبيعة المتناقضة للإنسان أقترح
صياغة نظرية ملائمة للطبيعة الإنسانية بدلاً من
إجبار الإنسان على تعديل طبيعته وفق فكرة نصنعها
مسبقاً قال:
"ونحن يجب أن نجعل الفكرة
ملائمة للطبيعة البشرية بدلاً من أن نجعل الطبيعة
ملائمة للفكرة".
السؤال هو: إذا كانت طبيعة
الإنسان متناقضة فهل يقترح صياغة (فكرة متناقضة)
لتلائمها؟ وكيف تكون الفكرة (فكرة) إذا كانت
متناقضة؟ لأنها في هذه الحالة لا تكون فكرة وإنما
أي شيء عبارة عن عبث في عبث.
وإذا كانت الفكرة المتناقضة
ملائمة للطبيعة المتناقضة والإنسان شرير بطبعة فهل
يعني ذلك أنه يريد استمرار الشرور بدلاً من أن
نفكر بإنهائها؟
إذا كان الجواب نعم لأنه لا
فائدة من الإصلاح فما الداعي للفكرة إذن فالشرور
مستمرة بفضل الطبيعة الشريرة للإنسان!.ربما هو
حريص على البعض الذين يهدرون جهودهم في البحث عن
فكرة ما فهو ينصحهم أن يصوغوا الفكرة بما يلائم
الطبيعة- فكرة متناقضة ليكونوا مؤمنين بحتمية
الشرور!.
لكن هذا معناه أنهم (أخيار)
لا أشرار والناتج أن هناك أفراد يحبون الخير وهو
يعادل دفعهم للشر فكيف يقول أن الجميع أشرار
بطبعهم؟
لقد لاحظت الآن أخي القارئ
هذه التناقضات المتداخلة في عرض المؤلف ونستعرض
الآن على وجه السرعة بعض العبارات الأخرى قال:
"إن النصيحة والخطابة
والموعظة غير مجدية في التأثير على البشر إذ لم
يذعن لها أحد".
هذا حكم عام آخر إذ ليس
لديه أية معطيات عددية عن المتأثرين بالحكمة
والمواعظ خلال حقب التاريخ.. فما أدراه انه لولا
ذلك لكان الجنس البشري قد فني فناءً تاماُ بسبب
الشرور وأن المواعظ قد زادت عدد الخيار والمصلحين؟
وقال أيضاً: "أخطأ المفكرون
القدامى حين تصوروا الطبيعة الإنسانية كأنها نتاج
العقل.. وظنوا أن في وسعهم إصلاح البشر عن طريق
الموعظة".
لم يقل أحد أن السلوك هو
نتاج العقل، بل السلوك مزيج من النزاعات والأهواء
ووظيفة العقل هي تحديد المفيد وغير المفيد من هذه
النزاعات وتهذيبها بالفكر والتربية. وكان قد قال
أن الإنسان يختلف عن بقية الكائنات بعقله فإذا لم
تكن للعقل قدرة على تهذيب النوازع الحيوانية في
الإنسان والارتقاء به فما فائدة ذكره لهذا الفرق
بين الإنسان والحيوان؟
والواقع أن الموعظة لا
تخاطب العقل وحده إنما تخاطب القلب والوجدان ليقوم
العقل بإجراء الحسابات الصحيحة وقد ذكرنا العلاقة
بين القلب والعقل في القرآن في مباحث أخرى.
حق المعرفة فوق
كل الحقوق
جميع الحقوق محفوظة لموقع زيتونة
موقع
زيتونة نافذة مستقلة ليست مسؤولة عن مضمون المقالات التي
تنشر
ولا تعتبر المقالات المنشورة وجهة نظر رسمية للموقع
، بل فقط تعبرعن رأي الكاتب asfook@yahoo.com