تطور الحياة وتبدل أحوالها
بمرور الأزمان، كفيل بتبدل الحاجات ومطالب
المجتمعات والأفراد، كما إن السعة في المفردات
الحياتية الفردية والجمعية تتنامى طرديا مع التقدم
الحاصل في البيئة الكونية المحيطة بنا، لذا أصبح
من الضروري أن تنسجم الأحكام والقوانين في البيئة
الجزئية والفئوية من الكل المتنامي مع آليات
المعالجة المطلوبة في مثل هذه الأوصاف، وفي
العقدين الأخيرين ظهرت وبرزت مصطلحات جديدة في
شكلها، لكنها قديمة بمضمونها على الساحة القانونية
المحلية والدولية، وهذه نتيجة حتمية لتغير توازن
القوى في العالم فتكون تلك المفردات انعكاسا لهذه
التقلبات، ومن تلك المفردات مفهوم الإرهاب، الذي
أصبح اختزالا لكل فعل لا ينسجم مع توجه الآخر،
فيطلقه على خصمه مما أدى بالعنوان إلى أن ينحى
باتجاهات متعددة يصعب حصرها وعدها من اجل بيان
وصفها الحقيقي والدقيق، الذي من الواجب على المشرع
أن يتصدى له في إطار المعالجة القانونية لهذا
المطلب الحياتي والاجتماعي، وفي العراق الذي أصبح
ساحة لعمليات القتل والتدمير التي تأرجح وصفها بين
الإرهاب والمقاومة والعدوان وكل حسب معتقده الذي
يدين به فكريا وسياسيا، كما إن ما يمر به العراق
من ظروف وأحداث بعد عام 2003 وضعته في صدارة الدول
التي تعاني من الإرهاب، الذي أدمى أبناء الشعب
وبأساليب وأشكال لم تكن معروفة سابقا وبوحشية
ودموية قاسية، وهذا ما دعا المشرع العراقي إلى
التصدي للمشكلة لقصور المنظومة القانونية العراقية
عن مواكبة هذه الأحداث وتوصيفها كجرائم يعاقب
عليها القانون العراقي بإصداره قانون مكافحة
الإرهاب رقم 13 لسنة2005.
وبما إن الإرهاب لم
يقتصر على العراق وإنما شمل العديد من البلدان ولم
يكن محدد بمكان أو زمان كما انه لم يكن حديث العهد
من حيث التكوين والتأثير وإنما أصبح ظاهرة تكتسب
كل يوم أراضي جديدة وأصبحت قائمة الدول التي تأثرت
بنتائجه تطول وتكبر يوما بعد يوم بل يرى البعض إن
الإنسانية قد انحدرت شيئا فشيئاً وبطريقة لا تكاد
محسوسة نحو عصر إرهابي، كما إن خطورته لا تتجسد في
العدد الكبير للضحايا الذين يقعون من جراء الأعمال
الإرهابية وإنما أيضا خطورتها تكمن في قدرة
الأعمال الإرهابية على نشر الخطر في العالم، وليس
في البلد الذي وقع فيه العمل الإرهابي وكتب
التاريخ تنقل لنا ما يدل على إن الإرهاب كان موجود
في العصور الغابرة وضارب في القدم ومنها اخذ
الرهائن الذي كان معروف لدى قبائل (الأنكا) Incas
وذلك بصورة الاستيلاء على الأوثان (Idols)
العائدة للقبائل الأخرى لضمان عدم تمردهم وجريمة
الاغتيال التي تعتبر صورة من الأعمال الإرهابية
التي كانت معروفة في السابق بشكل واسع وكبير وكانت
تنفذ بأسلوب التآمر على الملك والذي استمر إلى
يومنا هذا مثل اغتيال كازار الكساندر Cazar Alexander
في عام1881 واغتيال إمبراطورة النمسا إليزابيث (Elizabeth)
وأخرها اغتيال (بنظير بوتو) والقائمة مفتوحة على
مصراعيها[1]، وهذه الظاهرة التي دكت كل أطراف
المعمورة لازالت محل جدل وعدم استقرار لبيان
ماهيتها وتعريفها وأصولها أو عناوينها القانونية
وإنها متأرجحة بين التعريف بتحديدها بأفعال تجرم
بموجب القوانين أو توصف بأوصاف إن أقرنت بفعل أصبح
جريمة إرهاب أو من مكونات جريمة الإرهاب. كما إن
للمظاهر الإجرامية المستحدثة والمختلفة في
الاتجاهات والأبعاد والأهداف وحتى في الايدولوجيا
التي يعاني منها العالم المعاصر دور في عدم الوصول
إلى تحديد تعريف موحد لجريمة الإرهاب آو مفهوم
الإرهاب، إلا أن الإنسانية لم تقف عاجزة عن مواجهة
هذه الظاهرة بل اجتهدت في سعيها للوصول إلى تعريف
مما أدى إلى ظهور أكثر من تعريف وفي أكثر من
اتفاقية دولية وكذلك في التشريعات الوطنية، ومنها
المنظومة القانونية العراقية، لذا وجدت من الواجب
أن أتصدى لدراسة مشكلة تحديد المصطلح من خلال
دراسة تتناوله، لان الجريمة الإرهابية لها خصوصية
تميزها عن بقية الجرائم، كونها لا تنهض كجريمة بحد
ذاتها، وإنما تدور عدما ووجودا مع اقتران الفعل
بتوصيف يتعلق بالتخويف وإثارة الرعب بين
المواطنين، ومن خلال استخدام بعض الوسائل التي
تتصف بطبيعة خاصة أحيانا لذا سأشير إلى ذلك من
خلال مطلبين الأول يتعلق ببيان عناصر الجريمة
والثاني بذاتية الجريمة وطبيعتها المطلب الأول
عناصر الجريمة ووسائل تنفيذها في هذا المطلب سأعرض
لأهم العناصر التي ذكرها القانون العراقي والوسائل
التي ذكرها قانون مكافحة الإرهاب العراقي رقم 13
لسنة 2005 وعلى وفق ما يلي: ـ
الفرع الأول عناصر
الجريمة إن الأفعال الجرمية تتكون من عدة عناصر
إذا ما توفرت توفر معها الوصف بالتجريم وفي قانون
مكافحة الإرهاب رقم 13 لسنة 2005 أوجد المشرع
العراقي عدة متطلبات تمثل أهم العناصر المراد
توفرها في الفعل حتى يندرج ضمن منطوق المواد
المشار إليها في توصيف الأفعال الإرهابية، ففي نص
المادة (4) من القانون المذكور التي تعرف الإرهاب
بأنه ((كل فعل إجرامي يقوم به فرد أو جماعة منظمة
استهدف فردا أو مجموعة أفراد او جماعات أو مؤسسات
رسمية أو غير رسمية أوقع الأضرار بالممتلكات
العامة او الخاصة بغية الإخلال بالوضع الأمني أو
الاستقرار أو الوحدة الوطنية أو إدخال الرعب
والخوف والفزع بين الناس او إثارة الفوضى تحقيقا
لغايات إرهابية)) تلاحظ انه لم يرد فيه تعريف
مباشرة لمفردة الإرهاب، وإنما جاء توصيف لجملة
أفعال تشكل بمجموعها فعل الإرهاب، لذا فان تحليل
النص يولد لنا ثلاثة اتجاهات تتمثل بما يلي:.
1. أن يكون هناك فعل إجرامي
بمعنى أن يرتكب الفرد أو المجموعة أو المنظمة أي
نشاط إنساني جرمه القانون النافذ ووضع له العقاب،
مثل جرائم القتل والتسليب والتهديد وغيرها مما نصت
على تجريمها القوانين العراقية النافذة، فإذا لم
يكن هناك ما يشكل خرقا للقانون العقابي فانه لا
يدخل ضمن منظومة الأفعال الإرهابية.
2. أن يكون قد أحدث نتيجة
جرمية للفعل، أي أن يترتب على هذا الفعل أما ضرر
مادي أو بشري، ويقع على الأفراد أو المؤسسات
الرسمية وغير الرسمية او يرتب الفوضى وعدم
الاستقرار، وان العلاقة السببية بين الفعل
والنتيجة متصلة غير منقطعة أي إن الأثر المتحقق هو
نتيجة مباشرة للفعل الذي حصل.
3. أن يكون هذا الفعل الذي
رتب الأثر المشار إليه في أعلاه يجب أن يسعى
لتحقيق غايات إرهابية، أي إن الفعل حينما يقع
بنشاط فردي أو جماعي ولم يكن الهدف منه تحقيق
غايات إرهابية فانه يقع خارج نطاق نص القانون رقم
13 لسنة 2005 ويندرج ضمن منطوق أحكام القوانين
العقابية النافذة.
حق المعرفة فوق
كل الحقوق
جميع الحقوق محفوظة لموقع زيتونة
موقع
زيتونة نافذة مستقلة ليست مسؤولة عن مضمون المقالات التي
تنشر
ولا تعتبر المقالات المنشورة وجهة نظر رسمية للموقع
، بل فقط تعبرعن رأي الكاتب asfook@yahoo.com