((رغم أنني رئيسة برلمان الأطفال، ورغم أنني
أمتلك الحصانة البرلمانية، ويحترمني المسؤولون
الكبار في بلدي والتقي الوزراء والرئيس والسيدة
الأولى، إلا أنني أجد نفسي صغيرة أمام أساتذتي
والمشرفين على تربيتي، لأن هؤلاء هم الذين صنعوا
شخصيتي. ))
فاطمة بنت محمد بن محمود –
رئيس برلمان الطفولة الموريتاني
الإنسان كائن تبادليُّ التأثير :يؤثر ويتأثر
بمحيطات وموجهات متنوعة ترسم له خريطة سلوكه
وتعاملاته المختلفة .
الطفولة العنصر الخام الذي تتأسّس على قواعده
دعائمُ شخصية ذلك الكائن ومرتكزاتها الرئيسة ، نعم
،يمكن لبعض هذه الدعائم والمرتكزات أن تتغير في
القابل من مراحله العمرية إنْ تعرضت الذات النامية
إلى ضغوط موجّهة تفوق بقوة تأثيرها الموجهات
السابقة ،لكنها غالباً ما تكون قليلة موازنة
بموجهات التأثير في مرحلة الطفولة .
يتأتّى سبب القوة في تأثير موجهات مرحلة الطفولة
إلى ثبوت تداعياتها في مكتنزات الذات ،بالضبط
كالكتابة على الورق الأبيض بقلم عميق التأثير على
سطح الصفحة ؛إذ يترك أثره ولو بمحو ظاهر الكتابة
وألوانها ،وأكّدت حكمة تراثنا :أنّ التعلم في
الصغر كالنقش على الحجر.
على الرغم من حضور الوعي بأهمية ضبط بوصلة التربية
والمعرفة في ذات أطفالنا عند العرب ،نجد تراجعاً
في تنمية أودات ذلك الضبط موازنة بالتطور المتسارع
في مجالات الحياة الإنسانية المتنوعة ؛إذ ما زالت
المناهج التعليمية سكونية بطيئة التطوير،ومحفّزات
التحوّل في أسلوب الحياة ما زالت ضعيفة ؛لافتقاد
عنصر المشاركة والتفاعل ،فالمعلّم – على اختلاف
صوره المدرسية والأسرية والمجتمعية – هو الوحيد
المحدّد ،ولا يستطيع الطفل أن يشارك في التحديد
ولو على مستوى الاقتراح ، فقد دُرِّب على التلقي
السلبي غير المتصف بالمشاركة.
التلقي الإيجابي يعتمد على نسبة المشاركة في عملية
الاستقبال ،فالاستجابة وعدمها لا تعدّان عناصر
مشاركة ؛لأنهما ردة فعل طبيعية تجاه عملية الإرسال
تستند إلى المخزون المعرفي والثقافي في أفق انتظار
المتلقي .
عناصر المشاركة تتحدّد بمقدار تدخّل المتلقي في
عملية الاستقبال وتوجيه تفعيلها في عملية التواصل
مبنًى ومعنًى ،فضلاً عن الإقدام على طرح موضوعات
التواصل المعرفي والإبداعي والاجتماعي وغيرها ،أو
الإسهام في طرح مقترحاتها على أقلّ تقدير.
حين نعود إلى المواثيق الدولية المتعلقة بحقوق
الإنسان ،نجد تأكيد ضرورة المشاركة بوصفها سمة
طبيعية في تواصلية الإنسان اللسانية والاجتماعية
وسواهما ،وتعميقها في المواثيق يعدّ إصراراً على
الحفاظ على إنسانية الإنسان وعكائز خلقه الأولى.
التزمت بعض الدول العربية بتنفيذ بعض بنود ميثاق
الأمم المتحدة لحقوق الإنسان ،ولاسيما المتعلقة
بحقوق الطفل ،وفي مقدمتها المغرب واليمن ولبنان
والأردن من خلال تأسيس ما يسمّى بـ ( برلمان
الطفولة ) أو ( برلمان الأطفال ).
وعلى الرغم من سبق هذه الدول الأربع في تنفيذ
توصية الأمم المتحدّة المتقدّم لغيرها،كانت الدول
العربية التي أسسته بعد ذلك أكثر نضجاً في اعتقادي
؛لأنها انطلقت من شعور أصحاب البرلمان بأهميته
،ولاسيما في التجربة السعودية ،أما التجربة
العراقية والموريتانية فتحسب على المحاولات
السابقة .
وسنقف في هذه الورقة عند هذه التجارب الثلاث:
التجربة السعودية :
(( طرق باب غرفتي طفل صغير اقتربت منه وتجاذبت معه
الحكايات والروايات الجميلة، بدأ يضحك، وهمست في
أذنه وضحك أكثر، وقبلته على خديه وابتسم بخجل،
و»ضحك« من كل قلبه، والتفت يميناً، وعاد للضحك مرة
أخرى، اتجه لصندوق الألعاب واختار لوحة بيضاء وبدأ
يرسم عليها بصمت.
اقتربت من الطفل وسألته ماذا ترسم؟ ابتسم بعفوية
وقال: »أنا موهوب، ولم يساعدني أحد«، بدأت أفكر
حينها بمساعدته والوقوف إلى جانبه مع الكثير من
الأطفال مثله، فخططت وقتها لعمل صفحة في الجريدة
تهتم بمواهب الصغار.
وتنمي قدراتهم، وشعرت أن مشروع برلمان الطفولة هو
الطريق الوحيد الذي سيساعد الكثير من الأطفال
الموهوبين وينمي مواهبهم، ويجعلهم يستطيعون
التعبير عن ذاتهم من دون خوف.
في يوم الخميس 6 يناير 2005 نشرت صفحة الطفل مع
بداية انطلاقة صحفية »الحياة« وأطلقت عليها اسم
»مبدعون صغار« وطالب فيها الأطفال بوجود برلمان
للطفولة
والمساعدة على نشر ثقافة الحوار وزرع قيم
الديمقراطية في عقول الأطفال، ليناقشوا فيه
قضاياهم التي تواجههم، ويعبروا عن وجهة نظرهم من
دون أن يمنعهم أحد، أو يقاطعهم، أو يسكتهم، أو
يتذاكى عليهم، فهم المستقبل والغد الواعد)).[1]
بهذا الكلام وصفت الصحفية السعودية ( هيا عبد الله
السويد ) انبثاق مشروعها ( برلمان الطفولة ) الذي
وصف في بعض الكتابات العربية بـ ( برلمان الطفولة
الإعلامي ) ؛لتعلقه بالصحافة.
الملاحظ على هذا التنفيذ :
-
أنّ تأسيسه جاء تلبية لاستشعار الأطفال ولاسيما
المتميزون بضرورته .
-
أنّ طرحه لا يتأسس على سياسة الغرف المغلقة ،بل
تأسس على قناة من قنوات الاتصال الجماهيري
ولاسيما الصحافة .
-
أنّ منافذه التفاعلية تقوم على مرتكز التنمية
الإبداعية ؛إذ تفرّع عن هذا التجمّع الفاعل جملة
من الممارسات التنافسية ولاسيما المسابقات
والجوائز،فقد رعى مسابقتي ( فهد وفهدة للقصة
القصيرة ) و( سلطان وسلطانة للكتابة الصحفية)
ومسرحية ( نحن المبدعون) التي عرضت على تلفزيونات
وفضائيات عدّة كالتلفزيون السعودي وأوربت .
-
التجربة الموريتانية والعراقية :
نقلت فاطمة بنت محمد رئيس برلمان الطفل الموريتاني
توصيفات نشأة البرلمان بقولها :(البداية
كانت مع تعميم الجهات الرسمية لرسائل تتعلق
باختيار ممثلين أو نائبين من كل ولاية (ولد وبنت)،
قبل أن يتم اختيار 18 نائبا عن العاصمة نواكشوط..
وتم بعد ذلك اختيار 42 نائبا لتشكيل برلمان
الأطفال على عموم التراب الوطني في جمهورية
موريتانيا الإسلامية، وتمثل المشاركة الفتيات في
برلمان الأطفال 50 في المائة مناصفة من الأولاد).
برلمان الأطفال يتبع من الناحية الرسمية لوزارة
الترقية النسوية والطفولة والأسرة، ومهمته هي
الدفاع عن حقوق الطفل والمشاركة بصياغة القرارات
التي تخصه، ويرصد هموم الطفل ويساهم في تحريك
ملفات الأطفال الضحايا في دعاوى أمام القضاء، حيث
يتبنى ملفاتهم العادلة، ولديه تنسيق رسمي مع
البرلمان الوطني عن طريق نواب مكلفين ببرلمان
الطفولة وينسق معهم، ويستمعون إلى الأطفال وينقلون
قضاياهم إلى الجمعية الوطنية ومجلس الشيوخ إذا
تطلب الأمر ذلك)[2].
أما التجربة العراقية فانتمت إلى منظمات المجتمع
المدني وليس إلى إطار حكومي وهو مما يحسب لها،
ونفّذت الفكرة دار القصة في محافظة ميسان التي
يشرف عليها القاص محمد رشيد .
إذ نقلت جريدة الخليج الإماراتية أنّ ((الطفلة
سندريلا الشكرجي “16” عاما فازت بمنصب رئيس
البرلمان في الانتخابات التي جرت خلال المؤتمر
الاول لبرلمان الطفل في العراق بحضور النائبة
انعام الجوادي والنائب محمد إسماعيل.
وكانت دار القصة العراقية برعاية المنظمة العربية
لحقوق الانسان وشركة ربان السفينة بالتنسيق مع
الشبكة العراقية لثقافة حقوق الانسان والتنمية في
مدينة العمارة قد أقامت المؤتمر الذي ترأسه احمد
العاني وعضوية سعد حيدر “عضو المنظمة العربية
لحقوق الانسان في القاهرة” وعبد الهادي عبد الرضا
“ممثل وزير العمل والشؤون الاجتماعية رئيس هيئة
رعاية الطفولة في العراق” وأشرف عليها محمد رشيد
“مؤسس برلمان الطفل سفير ثقافة وحقوق الطفل”. ثم
افتتح الشاعر كريم الرسام المؤتمر مرحبا بالحضور
تلاه الطفل مهدي محمد علي بقراءة آيات من الذكر
الحكيم بعدها قدمت النائبة انعام الجواي كلمة
أشادت فيها بمحمد رشيد كونه السباق في هذه التجربة
الديمقراطية الاولى في العراق منذ عام 2004 وتمنت
للاطفال العراقيين المحبة والخير. ))[3].
وعلى الرغم من أنشطة البرلمانين العراقي
والموريتاني يبقى منبع ممارستهما وتحفيزهما من
خارج الذات المنشغلة بهذا الأمر – أي الأطفال -
،ليكون أمرهما منسحباً على التفعيل الأول في الدول
العربية الأربع السابقة .
تساؤلات قبل الختام:
يحرّك العرض السابق بعض المخاوف من خطورة إقحام
الذات الطرية في معترك الذوات الصلبة ،فالطفل لم
يبنَ بعد بنحو يؤهله أن يلج الأنظمة المعقّدة
كمنظمات المجتمع المدني ،وتشريع القوانين .
الفرضية التنموية تبعد هواجس هذه المخاوف تماماً
،بل تنظر إلى ذلك الإقحام على أنه دخول إيجابي
يسرّع من بناء الذات الطرية ويصوغها بنحو ينسجم مع
الهيكل المستقبلي للمجتمع الذي سيخوض فيه الطفل
بصفة عمرية مغايرة ،ويقوده إن تسنّم القيادة .
الهوامش :
[1]جريدة البيان
الإماراتية في 1/1/2006م،
http://www.albayan.ae/servlet/Satellite?c=Article&cid=1135664159891&pagename=Albayan%2FArticle%2FFullDetailعلى الرابط:
[2]الموقع اللكتروني (
صحراء ميديا ) نقلا عن لسان رئيس برلمان
الطفولة فاطمة بنت محمد،
http://www.saharamedia.net/new/index.php?option=com_content&task=view&id=1579&Itemid=38على الرابط:
[3]جريدة الخليج
الإماراتية نقلا عن موقع الجريدة
الألكتروني على النت،
http://www.alkhaleej.ae/portal/c2033969-a405-4b8c-ab55-ad3ba80205b8.aspx
على الرابط:
حق المعرفة فوق
كل الحقوق
جميع الحقوق محفوظة لموقع زيتونة
موقع
زيتونة نافذة مستقلة ليست مسؤولة عن مضمون المقالات التي
تنشر
ولا تعتبر المقالات المنشورة وجهة نظر رسمية للموقع
، بل فقط تعبرعن رأي الكاتب asfook@yahoo.com