كنا نقرأ نوادر حذاء
الطنبوري في كتب القراءة ونضحك في أعماقنا على
تاريخ يتذكر حذاء بكل هذه التفاصيل المملة, ولم
يخطر ببالنا أننا سنشهد قصة حذاء آخر شغل الدنيا
في موقعة تختصر كل معاني المأزق العراقي المعاصر
وتختزل في مضمونها العديد من المفارقات.
المفارقة الاولى :
هي أن هذا الصحفي لم يكن
ليدخل المكان الرسمي الذي رمى فيه الحذاء على جورج
بوش لولا جورج بوش نفسه.
فهل يتخيل الزيدي نفسه
مراسلا صحفيا لقناة فضائية عراقية في زمن صدام و
هذه القناة تبث من الخارج وأخبارها بالمجمل مناهضة
للحكومة العراقية وهو يمثلها ويبث لها تقاريره
بكامل الحرية ثم يدعى الى مقر رئاسة الوزراء ليحضر
مؤتمرا صحفيا بهذه الاهمية؟
يعرف الجميع أن ذلك من سابع
المستحيلات في زمن قطعت فيه الالسن لمجرد كلمة
عابرة قد تمس الحزب القائد أو القائد الضرورة
يقولها شخص في احدى زوايا العراق. دليلي على ما
أقول هم ضحايا النظام الصدامي ممن قطعت السنتهم
وهم مازالوا أحياء يرزقون وقد نقلت الكثير من
الفضائيات قصصهم منذ 9 نيسان 2003 وحتى اليوم.
المفارقة الثانية :
هو حجم التهليل الاعلامي
الذي أحاط بهذه الحادثة وخصوصا من الاعلام العربي
الذي يبحث عن الانتصارات الوهمية الفارغة. هذا
الاعلام وهذه المشاعر لم تتحرك لسيول من دماء
العراقيين سالت على يد الارهابيين منذ خمسة أعوام
ومازالت.
الاعلام العربي لم يستشعر
معاني صمود العراق كدولة في ظل هذا الزخم المتلاطم
من التدخلات والمؤامرات الخارجية والداخلية التي
كان يمكن أن تؤدي الى انهيار أقوى دول العالم. هذا
هو الانتصار الذي يجب أن يفرح به الاعلام العربي
الحر وهو يرى العراق يتماسك من جديد وينهض كدولة
حرة تبنى على أسس المساواة والعدالة .
الاعلام العربي كان عليه أن
يفخر ببغداد التي أريد لها أن تدمر من جديد وإذا
بها تنهض من جديد وهي تداوي جراحها بيد وتقاتل
الارهاب باليد الاخرى.
الاعلام العربي كان له أن
ينظر بزهو وافتخار لجسر الجادرية الذي بني في أقسى
الظروف والى شارع المتنبي الذي عاد أجمل من الاول.
الاعلام العربي كان عليه أن
يفخر بالقائد العراقي الواقف بجانب الرئيس
الامريكي وهو يوقع معه وثيقة انسحاب الجيوش
الاجنبية من العراق , لا أن يفخر بمن باع العراق
في خيمة صفوان .
المفارقة الثالثة:
هو حجم التطبيل الاعلامي
المطالب باطلاق سراح الزيدي وهو نفس الاعلام الذي
لم يذكر بكلمة واحدة خيرة مثقفي ومفكري العراق
الذين ذبحهم صدام . هو نفس الاعلام الذي يتجاهل
بشتى الطرق اخبار استهداف الارهاب للجامعات
والمستشفيات ولرجال العلم والفكر في العراق , وإن
ذكرها فليجيرها باسلوب دعائي ضد هذا الطرف أو ذاك
وفقا لأهواء هذا القناة الفضائية أو تلك .
فلو كان هذا موقفكم ايام
الطاغية الذي كان يزج بالاحرار في غياهب السجون
لما جاءت أمريكا.
المفارقة الرابعة :
هي أنه ورغم كل ما تكشف من
عمق المعاناة الانسانية التي كان يعيشها العراقيون
في زمن الطاغية فمازالت العديد من الاوساط الشعبية
والاعلامية والرسمية العربية تكن له نوعا من
الاعجاب الممزوج بالسادية المرضية وباسلوب جارح
لكرامة العراقيين وعزتهم بأنفسهم حتى صرنا لانذكر
صدام بسوء أمامهم حتى لانجرح احساسهم بعد أن كنا
نتوقع منهم أن يتفهموا لماذا كان العراقي يتطلع
لجيوش خارجية لانقاذه من أيدي الجلاد , فيا لها
من مفارقة مضحكة مبكية.
المفارقة الخامسة :
هي أن أكثر الدول تشكيكا
بالوضع العراقي الجديد هي الدول التي حاربت جيوشها
جيش العراق إبان حرب الكويت وكانت أكثر الدول
تطبيقا للحصار على مدى اثنى عشر سنة كاملة ومنذ
1991 وحتى 2003 . ومن هذه الدول تنطلق الفضائيات
التي تمجد المقاومة وكل أعمال التخريب لمقومات
الدولة العراقية. فهل انتهت حرب تحرير الكويت أم
نحن نشهد فصلا جديدا منها؟
المفارقة السادسة والاخيرة:
هي أنه لو قام أحدهم
بأهانة صدام بوجهه بهذه الطريقة لما أحتجنا
لأمريكا وجيوشها . فاين كان هذا البطل يومذاك؟ أم
تراه كان يخاف على حياة أمه وأبيه وأخوانه وأخواته
وخالاته وخواله وعمامه وعماته ومحلته ومدينته
وجميع اصدقائه وشاهدي على ذلك مدينة الدجيل .
فيا له من زمان عجيب مليء
بالغرائب والمفارقات. ولكن شعبا تاريخه الاف
السنين , تعاقبت عليه شتى محن التاريخ والجغرافيا
, ويسكن أرضا اسمها العراق , لن يموت , وسيشهد
التاريخ على ذلك.
حق المعرفة فوق
كل الحقوق
جميع الحقوق محفوظة لموقع زيتونة
موقع
زيتونة نافذة مستقلة ليست مسؤولة عن مضمون المقالات التي
تنشر
ولا تعتبر المقالات المنشورة وجهة نظر رسمية للموقع
، بل فقط تعبرعن رأي الكاتب asfook@yahoo.com