حين
تحدّثتُ مرةً عن الطريقة التلفيقية التي حصل
بها ، و يحصل اليوم أيضاً ، بعض " أساتذة "
الجامعات على شهاداتهم العليا ، لم يكن
الباعث لذلك الحديث " حسد عيشة
"
لا
لأني لم أجد موضوعاً آخر أكتب فيه ! و إنما لأن ما
يُبنى على
باطل هو باطل ، و لا بد من التنبيه عليه . فأنت
إذا تعرَّفتَ على طبيعة كفاءات و
طرق و أخلاقيات بعض هؤلاء " الأساتذة " في إطار
عملهم التعليمي ، سترثي معي لحال
الأجيال الناشئة التي " تتعلم " على أيديهم و
سترثي لحال البلد الذي ستكون فيه هذه
الأجيال مستقبلاً الكادر الوظيفي و السياسي و
الفكري الذي يسيِّر أمور الدولة
!
و قد
عرفتُ ، بحكم عملي في الصحافة أحياناً ، عيَّنات
من القدرة الكتابية و
الإنشائية لعددٍ من " الدكاترة " ، تتراوح بين سوء
الخط إلى حد الإبهام ، و الجهل
الفاضح بأوليات النحو و مبادئ اللغة العربية ، و
عدم القدرة على إيصال الفكرة
بطريقة واضحة و سليمة . غير أن هناك ما هو أسوأ
على الصعيد الميداني ، حيث يعمل
مثلل هؤلاء " الأساتذة " من دون رقيب أو غيور على
سلامة العملية التعليمية ، لقلَّة
الخيل ، كما يبدو ، أو جرياً على مقولة : " دعه
يعش ، دعه يمرّ " الماشية
.. اليومين
دوْل ! فهناك من هؤلاء " الأساتذة " مَن يغطي على
ضعف إمكاناته التعليمية و
العلمية بالتحدث طول وقت المحاضرة عن شخصه العظيم
و كيف أنه فعل و فعل من أمور لا
علاقة لها بالعلم و المعرفة المكلف بإيصالها إلى
الطلبة المساكين الذين وقعوا بين
يديه ، و لو كان شيئاً مما يقول حقاً لما احتاج
إلى تكرار ذلك في كل محاضرة و في كل
صف ، و لَحرِصَ على كل دقيقة من وقتهم لتعلم شيءٍ
جديد و مفيد ! و هناك مَن تراه
يترك الأستاذية و يتحول إلى دون جوان لا يُشق له
غبار حالما تقع عيناه على طالبة في
مثل سن ابنته ، و لاتجد هذه لديها الجرأة الكافية
، أو المبرر الأخلاقي أحياناً ،
لتقول له : عيب يا .. والدي ! فيظن أنها تضحك له ،
حين تضحك ، بينما هي تضحك عليه!
بل إن هناك من هؤلاء " الأساتذة " مَن لا يجد
حرَجاً أو حياءً في أن " يمرّر
" إجابات
أسئلة الامتحانات التي يضعها للطلبة و الطالبات
إلى مَن يتوسَّم فيه منفعةً
شخصية ، فينجح هذا من دون استحقاق و يكون مستقبلاً
طبيباً يُخطئ في معالجة المرضى ،
أو مهندساً يتقبل الغش في مواصفات البناء ، أو
موظفاً يختلس المال العام ! دعكَ من
عدم الالتزام بالحضور المطلوب ، و إهمال المظهر ،
و استغلال طباعة المحاضرات
التلفيقية لأغراضٍ نفعية ، وتصيِّد إمكانات
الاستفادة من امتيازات العمل الجامعي
من دون استحقاق و إلى أقصى حد ، و ضعف الشخصية
التعليمية ، و عشوائية تقويم أداء
الطلبة و الطالبات ... إلى آخره
.
و
بقدر ما تسبب ظاهرة هؤلاء " الأساتذة
" الواسعة
الانتشار من إرباك و أضرار للعملية التعليمية و
للوطن عموماً ، بقدر ما
تصعب معالجتها بمرور الوقت لارتباطها بطبيعة
النظام الحاكم و تشكيلته و الحالة
الاجتماعية السائدة . فلقد ظلَّ هؤلاء محتمين بـ "
فكر القائد " ، الذي حصل كثيرٌ
منهم في العهد المباد على شهاداتهم العليا من خلال
أطروحاتهم المفبركة فيه أو
بدرجاتهم الحزبية آنذاك ، أما في عهدنا هذا ، فمن
خلال الاحتماء بالطائفية و
العشائرية و " الولاء " لأحد الأحزاب أو القوى
المتنفّذة ، كما هو معروف . و إني
لأخشى فقط على العملة النادرة المتبقية من أساتذة
الجامعة المحترمين شكلاً و
مضموناً من الانقراض بطريقةٍ أو بأخرى مثلما
انقرضت أعرافٌ و أصول و حالات إيجابية
أخرى.
حق المعرفة فوق
كل الحقوق
جميع الحقوق محفوظة لموقع زيتونة
موقع
زيتونة نافذة مستقلة ليست مسؤولة عن مضمون المقالات التي
تنشر
ولا تعتبر المقالات المنشورة وجهة نظر رسمية للموقع
، بل فقط تعبرعن رأي الكاتب asfook@yahoo.com