العراق في مخاض انه يشبه الى حد بعيد، مخاض انفلاق
الفجر من كبد الظلام، وولادة الانسان من ظلمات بطن
أمه الثلاث الى نور
الحياة.
فالعراقيون يريدون ان يتخلصوا من آثار الماضي
ليبنوا عراقا جديدا قائما
على أساس الشراكة الحقيقية بين مختلف مكونات
المجتمع العراقي، خال من الاستبداد
والتمييز بكل أشكاله، ومعافى من ظواهر السرقات
المسلحة للسلطة (الانقلابات
العسكرية)
عراق
يعيش فيه المواطن بحرية وكرامة ومساواة ويتمتع
بخيرات بلاده،
وتحترم فيه السلطة حقوقه، كما يقدر هو واجباته
إزاء بلده وشعبه، ليس للاستئثار فيه
من معنى.
فهم
اختاروا صندوق الاقتراع ليكون المعبر الوحيد عن
ارادة العراقيين،
كما اختاروا الى جانبه كل وسائل الديمقراطية من
التعددية السياسية وحرية التعبير عن
الراي والتداول السلمي للسلطة واحترام حقوق
الانسان، وغير ذلك.
واذا
كانت
الديمقراطية في جوهرها ثقافة اولا، وهي كذلك، لذلك
اعتقد بان ثقافة الديمقراطية
يلزم ان تقوم على اساس ثلاثة اعترافات استراتيجية،
هي في الحقيقة اضلاع المثلث الذي
يستقر عليه بناء الديمقراطية.
الأول: هو الاعتراف بالآخر.
الثاني: هو
الاعتراف بالخطأ.
الثالث: هو الاعتراف بالفضل.
في
اطار الاعتراف الاول، يجب
ان نتأكد ونتيقن من الحقائق التالية التي يجب ان
لا تغيب عن بالنا ابدا، فبمجرد
اغفالها فضلا عن غيابها، تقع المصيبة.
الحقيقة الاولى؛ هي ان الله عز وجل خلق،
بلطفه، الناس والاشياء والكون وكل شئ، مختلفة
ومتنوعة، وعلى كل الاصعدة، فالتنوع في
الخلق لطف رباني وحكمة سماوية، قال تعالى؛{ومن
آياته خلق السماوات والارض، واختلاف
السنتكم والوانكم، ان في ذلك لآيات للعالمين}
وقوله تعالى{وهو الذي انشأ جنات
معروشات والنخل والزرع مختلفا اكله، والزيتون
والرمان متشابها وغير متشابه} وقوله
عز وجل{وما ذرأ لكم في الارض مختلفا الوانه، ان في
ذلك لآية لقوم يذكرون} وقوله عز
من قائل{الم تر ان الله انزل من السماء ماء
فاخرجنا به ثمرات مختلفا الوانها، ومن
الجبال جدد بيض وحمر مختلف الوانها وغرابيب سود}
وقوله تعالى{الم تر ان الله انزل
من السماء ماء فسلكه ينابيع في الارض ثم يخرج به
زرعا مختلفا الوانه، ثم يهيج فتراه
مصفرا ثم يجعله حطاما، ان في ذلك لذكرى لاولي
الالباب}وقوله عز وجل{ان في خلق
السماوات والارض واختلاف الليل والنهار، لآيات
لأولي الالباب}وقوله{وهو الذي يحيي
ويميت وله اختلاف الليل والنهار، افلا تعقلون}
وقوله تعالى{يا ايها الناس انا
خلقناكم من ذكر وانثى، وجعلناكم شعوبا وقبائل
لتعارفوا، ان اكرمكم عند الله اتقاكم،
ان الله عليم خبير}.
هذا
يعني ان من المستحيل على بني البشر تغيير التنوع
للوصول على نوع واحد، ابدا، فلا زالت الارادة
الالهية هي التي خلقت هذا التنوع، فمن
غير الممكن اختزاله بنوع واحد، وان من يحاول
اختصار التنوع بنوع واحد، يصدم رأسه
بحجر كبير، من دون نتيجة.
كما
ان محاولات الوصول الى وحدة النوع، هو جهد يبذله
الانسان لمعاكسة الارادة الربانية، وهذا امر
مستحيل جملة وتفصيلا.
اذن
يجب علينا
جميعا ان نتعايش مع هذا التنوع، ولا نسعى لالغائه
لان ذلك أمر مستحيل.
لقد
حاول
الكثير من الطغاة والجبابرة توحيد التنوع، فباؤوا
بالفشل الذريع، الم يقل الطاغية
المتجبر فرعون مخاطبا بني اسرائيل {يا قوم لكم
الملك اليوم ظاهرين في الارض، فمن
ينصرنا من باس الله ان جاءنا، قال فرعون ما اريكم
الا ما ارى، وما اهديكم الا سبيل
الرشاد} لماذا؟ لانه كان يتصور ان بامكانه ان يوحد
التنوع وبالتالي يسهل عليه احكام
السيطرة على شعبه، ولكن، ماذا كانت النتيجة يا
ترى؟.
الحقيقة الثانية؛ هي ان
الهدف من التنوع، هو التعايش وليس التصادم، فكما
ان من الحكمة تعاقب الليل والنهار،
كما في قوله تعالى {ان في خلق السماوات والارض
واختلاف الليل والنهار لآيات لآولي
الالباب} كذلك فان من الحكمة ان يتعاقب الخلاف بين
بني البشر، ليتعايش وبالتالي
ليتكامل، لان التكاملية، كما هو معروف، تتحقق
بالتعايش وليس بالتقاطع، والى هذا
المعنى اشارت الاية القرانية المباركة{يا ايها
الناس انا خلقناكم من ذكر وانثى
وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا}.
الحقيقة الثالثة؛ هي انه ليس من بين بني البشر
اليوم من يمتلك كل الحقيقة، ولذلك لا يحق لاحد ان
يسعى لإلغاء الآخرين بدعوى ان
الحقيقة عنده وتحت جبته، كما يدعي المتصوفة.
ان
الحقيقة شيء نسبي، قد يمتلك
بعضها اي انسان في هذا الكون، ولكن ليس كل
الحقيقة، ولذلك يلزم ان يتوقع الجميع ان
من غير المستبعد ان يمتلك اي واحد منهم بعض هذه
الحقيقة، فلماذا اذن، يسعى بعضهم
لالغاء البعض الاخر؟ الامر الذي يعني سعي الجميع
لالغاء اجزاء من الحقيقة، من غير
ان يعرفوا بالضبط، اي جزء هذا الذي يسعون لالغائه،
واي جزء يمكن ان يكون هو المكمل
للحقيقة التي يبحثون عنها؟.
تاسيسا على هذه الحقيقة، يجب ان يعترف كل منا
بالآخر، على اساس القاعدة القرآنية الكريمة{وانا
او اياكم لعلى هدى او في ضلال
مبين} اي انه في الوقت الذي امتلك انا بعض
الحقيقة، قد يكون الاخر يمتلك مثلها،
فلماذا اذن لا اعترف بذلك فاكسب جزئين منها، بدل
الجزء الواحد الذي اتصور بانني
امتلكه؟.
ربما
اعتقد بانني على حق، ولكن لا بد من ان احتمل الخطا
في ذلك، كما ان
الاخر قد يكون على خطا، ولكن يجب ان احتمل عنده
الصح، وبذلك يعترف كل واحد منا
بالآخر من دون السعي لالغائه.
وفي
اطار الاعتراف الثاني (الاعتراف بالخطأ) لا
بد من التسلح بالشجاعة الكافية، التي نقدر بها ان
نعترف بالخطا، خاصة اذا كان هذا
الخطا يخص الامة، ولم يكن خطا شخصيا يرتبط بذات
الانسان.
فالاعتراف بالخطا هو
سلم المجد والنجاح والتقدم، لانه صنو الشعور
بالمسؤولية، اما الذي يعاند ولا يقبل
الاعتراف باخطائه محاولا تبرير الفشل، فذلك الذي
لا يشعر بالمسؤولية لا من قريب ولا
من بعيد.
ان
الاعتراف بالخطا فضيلة، والى هذا المعنى يشير قول
رسول الله (ص) {كل
ابن آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون} لماذا؟ لان
من لا يخطا لا يتعلم ومن لا
يتعلم لا يتقدم، بشرط الاستعداد للاعتراف بالخطا
في حال وقوعه.
كذلك،
فان
الاعتراف بالخطأ يعظم صاحبه في اعين الناس،
ويزيدهم احتراما له، كما انه يبني
مصداقيته على اساس الشجاعة وعدم الهروب من
المسؤولية، لان من تاخذه العزة بالاثم
ويصر على نفي الخطا عن نفسه دون الاخرين، يسعى
جاهدا الى رمي المسؤولية على الاخرين
الا نفسه، ما يعني بانه يوحي للناس بانه غير مستعد
لتحمل مسؤولية الخطا، في الوقت
الذي يبدي استعدادا منقطع النظير الى درجة التهالك
لتسجيل النجاحات باسمه فقط، وتلك
هي عين الانانية والهروب من المسؤولية، لان الفشل
مسؤولية تضامنية بين الجميع، لا
بد ان يتحمل مسؤوليته كل من اشترك فيه، كل بمقدار
وحجم دوره في الامر، كما ان
النجاح جائزة تضامنية هي الاخرى، من المفروض ان
تسجل باسم كل من شارك في تحقيق
النجاح، كذلك، كل حسب مسؤوليته وموقعه من النجاح،
فهذا ما يقتضيه العدل والانصاف،
اما ان تصادر النجاحات لنفسك فقط، وترمي بالفشل
على الاخرين وتنسحب من المسؤولية،
فذلك ما لا يرتضيه عقل او صاحب دين.
اذا
اردنا ان ننجح، لا بد ان نعترف بالخطا،
فلا تخوننا الشجاعة في ذلك، فمثلا، كيف يمكن ان
نتصور حكومة ناجحة وهي ترفض
الاعتراف باخطائها؟.
ان
مثل هذه الحكومة التي لا تمتلك الشجاعة لتعترف
باخطائها، هي اقرب الى الفشل منه الى النجاح، لان
النجاح لا يعرف الا بعد الاعتراف
بالخطا، وقديما قيل(تعرف الاشياء باضدادها).
لا يكفي ان نتحقق من نجاح الحكومة،
اذا لم تصارحنا باخطائها، فتتحدث بانجازاتها فقط،
فقد يكون هذا الانجاز او ذاك الذي
تتحدث عنه الحكومة، ثمرة لاخطاء متكررة، فعندها
يكون مثل هذا النجاح المزعوم، فشل
في حقيقة الامر، تحاول الحكومة تسويقه للناس
كنجاح، خاصة عندما يكون الثمن المدفوع
اضعاف الناتج المتحقق.
ان
الحكومة الناجحة، هي التي تتحدث عن الصعوبات التي
تواجهها، والاخطاء التي ترتكبها، والاخفاقات التي
تتعرض لها خططها.
ان
الاعتراف
بالخطأ يتطلب التعامل بشفافية وصراحة ووضوح، اما
الغش والخداع والتضليل، فلن يقود
الا الى المزيد من الفشل والاخفاقات، وهو السبب
المباشر الذي يوسع الفجوة بين
الحكومة والناس.
اذا
تحول الاعتراف بالخطأ الى ثقافة عند الناس وعادة
ملازمة
للمرء، فسيتحول الى رقيب ذاتي، كما انه سيكون
رقيبا شعبيا عاما له، لان الاعتراف
بالخطأ بحاجة الى استعداد نفسي أولاً.
ان
المتشبثين بالسلطة والمتهالكين عليها
هم الذين لا يعترفون بالخطأ، ولذلك، فهم خطر على
البلاد والعباد لا يجوز تركهم في
مواقع السلطة، لانهم يجرون الناس الى الهلاك،
وبسببهم تستفحل الاخطاء لتصل الى
مرحلة لا يمكن عندها تصحيح المسار العام، بالضبط
كما حصل مع الطاغية الذليل ونظامه
الشمولي البائد.
الناجحون يعتبرون الاعتراف بالخطأ فضيلة، اما
الفاشلون
المتهالكون على السلطة، فيعتبرونه رذيلة، وشتان
بين الاثنين.
ان
الناجحين من
المصلحين والزعماء الحقيقيين والقادة التاريخيين،
يبدون استعدادا منقطع النظير
للاعتراف باي خطا، لانهم مستعدون للتخلي عن السلطة
متى ما فشلوا، لان هدفهم من
السلطة ليس السطوة والاستئثار، وانما لخدمة الناس
وحماية حياتهم ومنجزاتهم
ومصالحهم، فماذا تنفع السلطة، في رايهم، اذا لم
يكونوا سببا في النجاح وعاملا في
تحقيق الاستقرار؟.
ان
الاعتراف بالخطأ دليل احترام عقول الناس وذاكرتهم،
كما انه
دليل على حرص المرء على الامانة التي يحملها
(المسؤولية).
لذلك
نرى القرآن
الكريم يزخر باعترافات العظماء، اما الطغاة
والجبابرة فلا نقرا لهم الا الاعتزاز
الوهمي بالنفس والخطا والاثم طوال حياتهم، وهو
الامر ذاته الذي نقراه في حياة
العظماء والطغاة على مر التاريخ والى يومنا هذا،
ولذلك فان حياة العظماء تزخر
بالنجاحات فيما لا تسجل صفحات الطغاة الا الشر
والسوء والفشل والهزائم.
اما
في
اطار الاعتراف الثالث (الاعتراف بالفضل) فالمقصود
به هو ان يستعد كل واحد منا
للاعتراف بفضل من له الفضل في تحقيق النجاح، وهذا
يتطلب ان نترفع عن الخلافات ونسمو
بالنفس لتكون عندنا المصلحة العامة فوق كل المصالح
الخاصة، وان الهدف هو النجاح
وليس من يحقق هذا النجاح، اما اذا ركبتنا الانانية،
فترانا نكيل بمكيالين، فاذا كنت
انا من حقق النجاح فسافرض على الجميع ان يعترفوا
بفضلي في ذلك، والا اتهمهم بالحسد
والغيرة والخيانة في احيان كثيرة، والا لماذا لم
يبرقوا لي مهنئين؟ اما اذا كان
غيري هو من حقق هذا النجاح، فالفخر للظروف التي
خدمته وليس له، ولذلك احاول ان
اتجاهل دوره مهما كان عظيما.
ان
عدم الاعتراف بالفضل للاخرين، هو احد الاسباب
المدمرة التي تمزق المجتمعات، لانه يدفع باتجاه
التباغض والتحاسد والتصادم، ولذلك
يتحول النجاح، في احيان كثيرة، الى سبب للفشل
والهزيمة، وللتباعد والتباغض حتى بين
اقرب الناس.
اما
الاعتراف بالفضل للاخرين، فهو السبب المباشر
لتحقيق المحبة
والتعاون والتكامل بين العاملين، وبالتالي فهو
السبب الاساسي لتوطيد الثقة بين
الراعي والرعية.
ان
الاعتراف بالفضل، خلق قرآني، من خلال ما نقرأه في
العشرات من
الايات الكريمة التي يعترف بها الله تعالى بالفضل،
ولذلك يفضل رب العزة بعض الناس
على بعض، بل انه عز وجل يفضل الانبياء بعضهم على
بعض، لأنه يعترف لهم بالفضل، بغض
النظر عن سبب هذا التفضيل.
لنقرأ، مثلا، باقة الايات القرآنية الكريمة: {وان
تعفوا اقرب للتقوى، ولا تنسوا الفضل بينكم، ان
الله بما تعملون بصير}{تلك الرسل
فضلنا بعضهم على بعض، منهم من كلم الله، ورفع
بعضهم درجات}{ولا تتمنوا ما فضل الله
به بعضكم على بعض}{لا يستوي القاعدون من المؤمنين
غير اولي الضرر، والمجاهدون في
سبيل الله باموالهم وانفسهم، فضل الله المجاهدين
باموالهم وانفسهم على القاعدين
درجة، وكلا وعد الله الحسنى، وفضل الله المجاهدين
على القاعدين اجرا عظيما}{ولقد
كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم
من الطيبات، وفضلناهم على كثير ممن
خلقنا تفضيلا}{ولقد آتينا بني اسرائيل الكتاب
والحكم والنبوة، ورزقناهم من الطيبات
وفضلناهم على العالمين}.
من
هنا علينا ان نتخلق بخلق القرآن الكريم، فاذا
ابدع امرء بشيء علينا ان نعترف له بذلك، واذا تميز
بدور علينا ان نعترف له
كذلك.
لنسع
دائما الى احترام وتقدير امتيازات الاخرين،
ليعترفوا بدورهم
بالامتيازات التي قد اتميز بها عن الاخرين في يوم
من الايام، فكما تحب ان يعترف لك
الاخرون بالفضل، عليك اولا ان تبادلهم هذا الحب،
لتلق منهم ما تحب.
ان
الاعتراف
بالفضل للآخرين يشجع على عمل الخير وهو أفضل الشكر
الذي يقول عنه رسول الله (ص) من
لم يشكر المخلوق لم يشكر الخالق. فالاعتراف بالفضل
أول الشكر، اليس
كذلك؟.
حق المعرفة فوق
كل الحقوق
جميع الحقوق محفوظة لموقع زيتونة
موقع
زيتونة نافذة مستقلة ليست مسؤولة عن مضمون المقالات التي
تنشر
ولا تعتبر المقالات المنشورة وجهة نظر رسمية للموقع
، بل فقط تعبرعن رأي الكاتب asfook@yahoo.com