لا
تزال المصالح الضيقة والفصائلية في بلادنا تتحكم
بمصير الحوار والمصالحة التي يحلم بها الشعب
سبيلاً لاستعادة وحدته على أسس وقواعد وطنية
عمادها الأساس ثوابت الشعب العليا ومصالحه، وطالما
ان التقدم ما زال عصياً على حل الأزمة الدائرة
رحاها منذ ما يقارب العامين واكثر، فهذا يعني أن
الطرف الحاسم والمكون للخلاف ما زال متشبثاً يعتصم
بحبال مصالحه الخاصة اولاً ويضعها فوق كل اعتبار.
ولعلي
لا اجافي حقيقة الأمور اذا قلت بأن المواقف
المعلنة على لسان الناطقين المتزاحمين على شاشات
التلفزة لم تخرج في كثير من الأحيان إن لم نقل في
غالبها عن سقوف المزايدات والاستهبال السياسي
الهادفة للتعمية من جهة ولكسب الوقت من جهة أخرى،
وهذا ما اثبتته الشواهد والأدلة الدامغة على الأرض
حتى الآن. فحركة حماس التي ازهقت ارواحاً وسفحت
دماءً في معمعان الانقلاب على السلطة الشرعية
ذهاباً واياباً لتثبت على ما يبدو موطئ قدم سياسي
خارج السياج الفلسطيني الذي تمثله منظمة التحرير
الفلسطينية بكل ما تعنيه الكلمة من مساحات سياسية
وتنظيمية ومؤسسية بكافة المعاني الواسعة والضيقة،
وكذلك في أتون الحرب الاسرائيلية الأخيرة على
شعبنا في غزة التي تكبّد الشعب فيها وحده كامل
فاتورتها وتداعياتها بكل ما أحدثته من خسائر فادحة
ونقصٍ في الأرواح والاموال والثمرات، لتصنع لنفسها
نصراً تثمره سياسياً وتنظيمياً وفصائلياً وحتى
اقليمياً إن استطاعت لذلك سبيلاً لصالح مشروعها
الخاص المنافس والمجافي للمشروع الوطني وحاملة
لوائه الشرعي منظمة التحرير، الأمر الذي يؤكد بما
لا يدع مجالاً للشك ان آفاق هذا الحوار الوطني
مسدودة ومحكوم عليها بالفشل. ولا اظن ان حركة حماس
خصوصاً بعدما برد الجرح ومضى عليه حين من الدهر
دون علاج بوارد التنازل عما حققته لنفسها على أرض
غزة بصرف النظر عن الثمن الباهظ ومن دفع. فأية
مصالحة مهما كانت سقوفها دانية أو عالية، لا يمكن
ان تقوم لها قائمة طالما ان شروط النجاح من عدمه
باتت محكومة بتراجح حماس عن انقلابها وعن
التداعيات والتبعات اللاحقة له وان كانت حماس
تعتبرها انجازات وانتصارات وطنية من منظورها
الخاص، وبتخليها عن اجواء الانتصارات الوهمية
واللاواقعية التي خلفتها جسامة العدوان على غزة،
بل ولعل ما يعقد امكانية قبول حماس بالتراجع عن
منجزاتها الآنفة، هو أنها لا زالت تعتقد ومن
ورائها بعض القوى والحركات الاسلامية ان بسط
سلطتها على غزة يعني عملياً بالنسبة لهم تحقيق حلم
قيام الإمارة الاسلامية الذي لن تفرط حماس بشرف
حمل لوائها والانتماء إليها، وبعكس هذا ستكون
نهاية حماس ومشروعها نهاية لا تحمد عقباها، وهذه
ربما تكون العقبة الكأ داءالعصية التي تواجه
منظمة التحرير ومن معها، وقد وصل الأمر هذه الأيام
حد الحديث عن سيناريوهات من شأنها ان تفضي لتشريع
الكيان الحمساوي في غزة الى جانب كيان في الضفة،
وبذلك نكون كمن تقاسموا جلد الدب قبل اصطياده، وفي
هذا من الخطايا والآثام ما يكفي لدخول جهنم وتعرية
كل مروّج وداع، ذلك لأنه يحقق استجابة مجانية
لرؤية شارون في الدعوة لإقامة الدولة الفلسطينية
على أرض غزة سواء كانت مؤقتة او دائمة، وما أقرب
واسهل من تأبيد المؤقت وادامته ليصبح هو الدائم
واولنا وآخرنا الذي لا ينتهي، وهو ما سبق وان روجت
له (حركة حماس) بالأمس القريب باعتبار أن غزة اراض
محررة!! ناهيك ان تقسيم الجغرافيا والديمغرافيا
الفلسطينية على هذا النحو سيضع النهاية المؤلمة
للمشروع الوطني الواحد الموحد شعباً وارضا ويضعفنا
في مواجهة المشروع الصهيوني المتطرف وحملة لوائة
الذين يتربعون اليوم على سدة الحكم في تل ابيب
وعلى رأسهم نتنياهو وليبرمان.
من
هنا فإنني وبعيداً عن العواطف والأوهام وأضغاث
الاحلام والإرادوية بت اكثر قناعة بأن الحوار
الفلسطيني بات محكوماً بالفشل الأكيد، وكل ما
نسمعه بين الفينة والفينة من تصريحات تفاؤلية على
لسان اي كان انما يأتي في اطار التكتيك السلبي
والمزاودة وكسب الوقت والتخويث السياسي ليس إلاّ.
اما
على الجبهة الثانية للصراع الدائر ما بين الشعب
الفلسطيني والاحتلال الاسرائيلي ومن يمثله، فهي
على ما يبدو تحاكي ذات الصورة والسيناريوهات
المزايدة الدائرة مابين طرفي الحوار الفلسطيني
الفلسطيني، حيث ما تزال منظمة التحرير تسعى جاهدةً
للتأسيس على مشروع السلام المعلن بين الفلسطينيين
والاسرائيليين منذ اوسلو، في حوار تفاوضي اشبه
بحوار الطرشان إن لم نقل الخرسان العميان، اذ لم
يجهز الطرف الاسرائيلي بعد ولم يثبت جاهزية لإقامة
هذا السلام الموعود مع الفلسطينيين، وبالتالي نجد
ان للأحزاب الاسرائيلية مصالحها الخاصة والمزايدة
في كثير من الأحيان تماماً مثلما الأمر لدى
الفصائل الفلسطينية مع ان جامعها واحد في وجه
الفلسطينيين، وهو ما يجعلنا نرى التصريحات النارية
المتطرفة على لسان كل من نتنياهو وليبرمان تتسابق
على رفض حل الدولتين مع الفلسطينيين. ومثلما ان
حماس لا ترى لها مصلحة في أية مصالحة حالية مع
السلطة والمنظمة فإن نتنياهو وليبرمان لا مصلحة
لهما في أية مرونة او استجابة سياسية مع
الفلسطينيين مع فارق هو ان اليمين الاسرائيلي يمكن
ان يحدث انعطافه حادة وغير متوقعة في مواقفه اذا
وجد أن في ذلك ما يمكن ان يخدم المصالح العليا
لإسرائيل والسوابق شاهدة على ذلك. على كل حال يعني
في كل الأحوال، فإن أية صيغة حل ستخرج عن الحوار
الفلسطيني الفلسطيني سواء ما يشاع عن تشكيل حكومة
بلا برنامج ام لجنة مشتركة للإعمار أم... الخ فلن
تكون الا تغبيراً فاضحاً واعلاناً عن اتفاقهم على
عدم الاتفاق مشرعناً بتمسكهم بثوابتهم واجنداتهم
الخاصة. صحيح اننا امام حالة مستعصية، واننا
تقبلنا مبدأ توازن المصالح في التعامل بواقعية مع
صيغ الحل المطروحة مع الاسرائيليين والتمسك بها
مهما تعثرت وذابت حبالها، لكن الأمر لا يستوفي في
التعامل تجاه مصالح الأطراف المتحاورة بشأن
المصالحة وانهاء الانقلاب طالما ان مصالحهم الخاصة
والضيقة تقوم وتتقدم على المصالح العليا للشعب
الفلسطيني وتمس بها عنوةً وعلى رؤوس الاشهاد، بل
إن مصالح بعضهم واجنداتهم ما زالت خارج الصحن
الفلسطيني وتخدم مشاريع مناهضة للمشروع الوطني
ومنظمة التحرير التي هي صاحبة عصمته وهويته
الوطنية الحقة. صحيح ان واشنطن رئيساً وادارة
ومبعوثاً للسلام في الشرق الأوسط، ما زالوا يعربون
صباح مساء عن تشبثهم بحل الدولتين ما بين
الاسرائيلين والفلسطينيين، الا ان عوامل الضغط
وامكاناته ما زالت برهن نجاحها في المهمة بمدى
الزام الاطراف المتعنتة وامكانات تدوير الزوايا في
موقفها بحيث يصبح حل الدولتين مصلحة مشتركة
للجميع. لكن هذا المشروع سيظل قائماً على التصادم
مع مصالح كل من اليمين المتطرف في اسرائيل
والمشروع الحمساوي. فالخلاف على بنود في الاجندات
مسألة فيها نظر وقابلة للحل والتوافق، اما اذا كان
الخلاف يجسد تصادم اجندات على نحو تعارضي كما هو
الحال في الوضع الفلسطيني فسيظل الحل عصياً وآفاق
عودة الابن الضال والشفاء من مرض عضال مسألة صعبة
المنال.
من
هنا ورغم كل هذه المساحة من القتامة، فإن على جميع
الأطراف المعنية بالحل سواء على الجبهة الفلسطينية
الفلسطينية ام على الجبهة الاسرائيلية الفلسطينية
ان ينطلقوا في سعيهم من على قاعدة ضرورية باتت
ملحة وهي البحث عن القواسم المشتركة والمصالح
المتبادلة التي يمكن ان تقرب وجهات النظر او تؤسس
لقيام حل متوازن مع الآخر على اساس حل الدولتين
بين الاسرائيليين والفلسطينيين وليس حل الدولتين
ما بين الشعب الفلسطيني وحركة حماس، ذلك لأن
الثاني يقسم الشعب الفلسطيني فيخدم الخصم ويتعارض
مع الأول، مدمراً في طريقه المشروع الوطني وحلم
الدولة المستقلة الموحدة، ومبدداً الكيانية
الفلسطينية بهويتها منظمة التحرير خيمتنا جميعاً.
حق المعرفة فوق
كل الحقوق
جميع الحقوق محفوظة لموقع زيتونة
موقع
زيتونة نافذة مستقلة ليست مسؤولة عن مضمون المقالات التي
تنشر
ولا تعتبر المقالات المنشورة وجهة نظر رسمية للموقع
، بل فقط تعبرعن رأي الكاتب asfook@yahoo.com