إنّ الإسلاميّينالذين يعتقدون
أنّ"الدّيمقراطيّة" ما هي إلاّ آليّة وصول إلى
الحكم أوتداول عليها ما هم إلاّ
"دّراويش" خادعهم الدّيمقراطيّونليلحقوهمبهمحضاريّا، ومن ثمّتراهم يتعمّدون إغفال
أنّها منظومة غربيّة فكريّة وإيديولوجيّة متكاملة،
أوصلت الغربنفسه إلى طريق مسدود
على كافّة الأصعدة، هذا الغرب المتمرّّد على القيم
الدّينيّةوالمستسلم أمام
الحرّيّات المطلقة المبيحة لكلّ شيء طالما يحقّق
مصلحة سياسيّة، هذاالغرب المتّفق على منع
الإسلاميّين من الاستفادة من هذه "الدّيمقراطيّة"
أبدا إلاّ أن يكونوا
أداة في يد الأمريكي، ولاعبا ضمن مخطّطات إسرائيل
كما هو حالحزب العدالة والتّنمية
في تركيا.
لقد استدرجالإسلاميّون
الدّيمقراطيّون في خطّة الاحتواء و التّلهية وراء
الوهم والسّرابالخادع بإفساح المجال
لهم بالمشاركة في الحياة السّياسيّة، لأنّهم ما
عادوا يقبلونبتجربة الجزائر التي
تحالف فيها كلّ الدّيمقراطيّون على "الدّيمقراطيّة"
التي جاءت بالجبهة
الإسلاميّة للإنقاذ إلى الحكم، بل عاقبت الفائزين
بالاستئصال ولمتذرف دمعة ديمقراطيّة
غربية واحدة على اغتصاب إرادة الشّعب الجزائريّ
المسلم.
إنّ المسلم لهمرجعيّة كاملة ومشرّفة
تفرض عليه الشّهادة على النّاس ولا يكون ملحقا
أبدا في كلّالأحوال،ولست هنا ـ من خلال هذه
المقدّمة ـ لأبيّن بطلان شرعيّة الدّيمقراطيّةأو أنّها سبيلا يوصل
الإسلاميّين إلىالحكم، ولكنّي سأناقش
"الدّيمقراطيّين" الإسلاميّين المخدوعين بها
"مجاراة" لهم عملا بقول الله
تعالى:"قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ
فَأَنَاأَوَّلُ الْعَابِدِينَ"
الزخرف 81
قواعد
ديمقراطيّة لا يجوز أن ينساها "الدّيمقراطيّون":
بحسب ثوابت
"الدّيمقراطيّة"
وقواعدها، لا يمكن أن نصف جماعة بشريّة ما أنّها
"ديمقراطيّة" إلاّ أن تحتكم فيها للأكثريّة
في ظروف طبيعيّة عبر تداول سلميّ للسّلطة ويتمتّعفيها أفرادها بكافّة
حقوقهم الأساسيّة. هذا فضلا عن ممارسة حرّيّاتهم
كاملة وأنتتساوى فيها الفرص داخل
تلك المجموعة وأن تحاسب المخالفين لتلك الأسس، هذا
زيادةعلى شفافيّة كشف تملّك تلك
المجموعة المال ومصادر حوزته وصرفه.
فهل هذه المبادئيجدها الباحث في حركة
النّهضة التّونسيّة التي لا يزال رئيسها الأستاذ
الغنّوشي فيكلّ مناسبة يصرّ على
صفة حركته السّياسيّة ويحرص على الظّهور بأنّها
"ديمقراطيّة"، ويقصر
استدلاله على ذلك بترأّس حركته ستّة أفراد تناوبواعلى رئاستها طيلة 40
سنة.
وكان آخر تلكالتّصريحات ما جاء على
لسانه في برنامج "الصّميم" الذي بثّته قناة ب، ب،س، العربيّة مساء يوم
الاثنين 23 مارس (آذار) 2009، استضافه الإعلامي
المتميّز حسنمعوض.
وممّا جاء فيقوله:"... ألا تعلم أنّ
النّهضة مرّ عليها ستّ رؤساء الجبالي، اللّوز،
كركر،العكروت، والبنّاني وبن سالم
وشورو ...."ودونذكره ـ بالطّبع ـ لكلّ
الأسماء فضلا عن الظّروف التي أحاطت بتلك
الرّئاسات بدقّة،ومعلوم أنّ التّعميم
المقصود في الكلام يوقع في المغالطةوالتّشويش،والقائد الجادّ
والمسؤول الحريص على جلب الاحتراموالتّقدير له، لا بدّ
أن يسلك في خطابه منهجالوضوح والشّفافيّةوأن يخلّصهمن التّكلّف الغامض
والإجمال الملبس الَّذَيْنِ يوقعان النّاس في
الحيرة والتّخبّطوالاشتباك والتّضليل.
إنّ هذه التّصريحاتتفرض عليّ كرافع للواء
الإصلاح في بلدي، أن أكشف عن الحقيقة كاملة وأصارح
الرّأيالعام ولا أخدعهم
بالسّكوت عن هذه "المغالطات" وأن أبيّن عمق أزمة
خطابالقوم في ازدواجيّته1ومواربته الحقّ و
مجانبتهالصّواب، لأنّ السّكوت
عن تلك الدّعاوى وغيرها يبخس قيمتنا الإنسانيّة
ويطعن فيرجولتنا.
حركة
نهضة المهجر وتشبّعها ب"الدّيمقراطيّة"
الأصل فيتصوّر أمير النّهضة
ومزاجه، أن يترأّسحركته ولا يزاحمه فيها
أحد، ولعلّ أهمّ أسباب ذلك، ودون طعن في النّوايا:
1
تخبّط بين ما هوسرّيّ ـ علنيّ، ولقد
عبّر عن ذلك في أكثر من مناسبة بقوله:" إنّ قيادةالإخوان ما إن تخرج من
السّجن حتّى تعود إلى مواقعها" أو كقوله يوم أن
استقالأحد الإخوة في المهجر:"
إنّ هذه الحركة لا تتأثّر باستقالة أيّ قائد، إلاّواحدا وهو يشير إلى
نفسه"..... وغير ذلك كثير لا يحصى ولا يعدّ.
2
أنّ البيعة أخذهاهو ـ أو من نوّبه ـ عن
كلّ أفراد الحركة، فكيف يمكن في تصوّره أن يكون
الرّئيس غيرالأمير المُبايَع وبصفة
مؤبّدة؟ وهذه هي المعضلة الكبرى التي تعاني منها
الحركاتالسّرّية ـ العلنيّة.
3
ارتباطه العضويّببيعة التّنظيم الدّولي
للإخوان المسلمين الذي يحتّم عليه أن يكون ممثّل
تونسالدّائم.
ومن ثمّ رأينا حرصالرّجل عليها و تمسّكه
بها ومزاحمته عليها، والغريب أنّه يتولاّها وهو
ليس له حقّدستوريّ فيها، والأغرب
من هذا أنّه ـ وهو محاط به في السّجن سنة 1981 ـ
لمّا بلغهأنّ الحركة لم تعيّن
رئيسا وإنّما أمينا عاما، أرسل إلينا يستوضح عن
وضعيّته، هللا يزال الرّئيس ـ
الأمير ـ أم لا؟ هذا في حين أنّه لم تعرف الحركة
طول رئاستهإلاّ الكوارث التي كانت
الأسباب المباشرة للمواجهات المفتوحة المتكرّرة
ضدّالسّلطة والتي منها الانكشافان
التّنظيمان القاتلان: 5 ديسمبر 1980 و 6جويلية1986.
2
إنّ الحزبيّين عادةما يستخدمون كلمات
استخداما غير صحيح ودون وصف
دقيق، فلماذاتتعمّد هذه التّصريحات
طمسوتغييب بعض الأسماء التي
ترأّست الحركة في مراحل معيّنةو بصفة مؤقّتة كسعيد
المكرازي وعبدالرّؤوف بولعّابي
والفاضل البلدي الذي ترأس الحركة ثلاثة أشهر من
تاريخ المحاكمةالأولى في جويلية 1981،
إلى حين اختيار حمّادي الجبالي.
أليست
هذه حقائق تاريخية لا يمكن لأيّ شخص أنينكرها، ومن أنكرها فقد
أوقع نفسه في شبهة.
فهل لأنّ الفاضلالبلدي ـ مثلا ـ استقال
من الحركة ينتزع منه حقّ تاريخي في فترة تاريخيّة
معيّنة. فهل الدّيمقراطيّ يسلب النّاس
أشياءهم ويتنكّر للحقائق التّاريخيّة؟
ثمّ ما هذه
"الحنّيّة" على صالح
كركر، وقد فصل من نهضة المهجر، في إجراء لا
"ديمقراطيّ" و في بادرة
غير مسبوقة ولا أخلاقيّة ولا سياسيّة بالمرّة؟
تواريخ
تسلّم الإخوة رئاسة الحركة:
ـ تراّسها الغنّوشيمنذ أفريل1972 بتقطّع
يسير عندما انتقل إلى القيروان فتسلّمها الأخ سعيد
المكرازي.
ـ راشد الغنّوشي فيالمؤتمر التّأسيسي سنة
1979إلى جويلية 1981.
ـ عبد الرّؤوفبولعّابي بعد الانكشاف
الأمني الذي حدث في 5 ديسمبر 1980
إلى شهر جويلية
1981
ـ الفاضل البلدي منجويلية 1981 إلى أكتوبر
1981. عيّن من طرف مجلس الشّورى.
ـ حمّادي الجباليمن أكتوبر 1981 إلى
فاتح شهر أوت 1984. عيّن من مجلس الشّورى.
ـ الغنّوشي مننوفمبر1984 إلى 1987
اختير من مؤتمر استثنائي انتخابي.
ـ صالح كركر منصيف1987 إلى أكتوبر
1988نظريّا، لأنّه خرجمن تونس.
ـ لجنة تنسيق يشرفعليها آخر عضو تبقّى من
المكتب التّنفيذي هو الأخ جمال العوّى من أكتوبر
1988 إلىأفريل 1988: بتفويض من
صالح كركر.
ـ الصّادق شورو منأفريل 1988 إلى تاريخ
إيقافه مارس 1991. وقع اختياره من مؤتمر استثنائي،
وهذاالاختيار هو الاستثناء الوحيد
الذي اختير فيه شخص من مؤتمر إلى جانب الأستاذالغنّوشي.
ـ تولّى التّنسيق بعداعتقال شورو الأخ محمّد
القلوي، حتّى خروج محمّد العكروت من السّجن في
أواخر شهرمارس وعيّن من ما يسمّى
مجلس الشورى3وبقي أسبوعاكاملا ثمّ أحيط به من
جديد.
ـ محمّد بن سالم منأفريل 1991 عيّنه ما
يسمّى مجلس الشّورى، ولم يبق إلاّ شهرا واحدا، ثمّ
تسلّل إلىالخارج بقرار.
ـ الحبيباللّوز من جويلية 1991
إلى سبتمبر 1991 تاريخإيقافه. عيّن من طرف ما
يسمّى مجلس الشّورى.
ـ نورالدينالعرباوي تحمّل أسبوعين
وقبض عليه في أكتوبر1991
ـ وليد البنّانيوقع تعيينه في الخارج
باعتباره رئيس ما يسمّى مجلس الشّورى.
ـ الغنّوشي: منتاريخ تسلّل الوليد إلى
الخارج نوفمبر 1991 إلى تاريخ كتابة هذه الشّهادة.
هذه تفاصيل مهمّة وأرجوأن لا تكون مملّة،
تبيّن حقيقة تداول ما يسمّى"الرّئاسة" التي جاءت
لترمّمتنظيما مخترقا، لم
تشتغل قيادته إلاّ لملاحقة يوميّة لوضع أمنيّ
أعاصيريّ متسارع.
البيانات
الصّادرة عن الحركة حجّة لي وعليهم
ومتابعة لبياناتالحركة في الفترات
العصيبة ـ 1987 و1990، يتبيّن لك ـ أيّها القارئ ـ
الكريم دقّةما أقول، فالصّادق شورو
ـ المنتخب الوحيدفي غياب الغنّوشي من
مؤتمر، اختير كأمير للجماعة السّرّية، وليس رئيسا
لحركةسياسيّة، والدّليل أنّه لم يمض
بيانا واحدا بصفة رئيس! بل كان الأستاذ راشد نفسه
ـفي تلك الفترة ـ هو الذي يمضي
باسمها منذ خروجه من السّجن فهو الذي أمضى ـ مثلا
ـبيان 7 نوفمبر 1988 يمدح فيه
تغيير السّابع من نوفمبر ورجله وانجازاته، كما
أمضىبيان 28 مارس 1989 تحت عنوان
"دعوة إلى الرّشد" وبيان 6 أفريل 1989المتعلّق بالانتخابات
التّشريعيّة.
وبعد خروجه منالبلد، اضطرّت الحركة
أن تمضي بياناتها بعبارة "عن حركة النّهضة" أو عنالمكتب التّنفيذي عبد
الفتّاح مورو أو علي العريض"، قطعا للطّريق أمام
الأستاذ الذي غادر البلاد غاضبا حسيرا، ورغمذلك فقد كان يصدر
البيانات ويتحرّك بصفته"الرّئيس" كالبيان المتعلّق
بتهنئةالشّيخ عبّاسي مدني
بتاريخ 13 جوان 1990، بمناسبة فوز حزبه
بالانتخابات البلديّةوالولائيّة في الجزائر.
فالحاصل أنّه لميمض من تلك الأسماء
التي ذكرها الأستاذ أيّ أحد منهم ممّا يدلّل أنّهم
ليسوارؤساء، بل ما هم إلاّ رجال
مسكوا الجهاز من الوقوع في فراغ " دستوري"،والأخ الوحيد الذي أمضى
بيانات في فترته وبدون صفة رئيس هو الحبيب اللّوز
، ولمتتجاوز الأربعة في دورته التي
لم تتجاوز السّتّة أشهر، جاء البيان الأوّل بتاريخ
24 ماي 1991 تحت عنوان
"مؤامرة من ضدّ من؟" والثّاني"بيان الشّهيدعامر الدّقّاشي" بتاريخ
14 جويلية 1991، والثالث في صيغة "بلاغ تحتعنوان استشهاد فتحي
الخياري" بتاريخ 08 أوت 1991، والأخير هو "فلسطينأمانة في أعناقنا"
بتاريخ 28 أوت1991.
ومنذ شهر مارس 1991والأستاذ راشد يمضي على
بيانات الحركة بصفة رئيس دون أمر دستوريّ إلاّ ما
تعيشهالحركة من فوضى السرّية ـ
العلنيّة، الأمير ـ الرئيس، ففي 27 جوان1991 أمضى
بياناباللّغة الفرنسيّة إلى رئيس
مفوّضيّة حقوق الإنسان بهيئة الأمم بجنيف.
إنّ كلّ تلك "الرّئاسات"
التي طرأت على الحركة
في سنوات الصّدام مع السّلطة ـ 1981 ـ 1987 ـ،
1991 ما هي فيالحقيقة إلاّ تعيينات
لسدّ شغورات لمراحل استثنائيّة مؤقّتة في ظروف
قاهرة وصعبة وقاسيةودقيقة وحاسمة، لم
تقرّر فيها "ثوابت الدّيمقراطيّة"، ولم تشارك فيها
القاعدةالعريضة أو مؤسّسات
مكتملة في ظروف طبيعيّة.
إلاّ أنّه لا بدّ أننقرّر أنّ أطول فترة
لتلك الشّغورات كانتللأخ حمّادي الجبالي
الذي تحمّلها من أكتوبر 1981 إلى فاتح شهر أوت1984
تاريخ قرارعفو رئاسيّ قدّم على
إثرها استقالته تاركا المجال"لعودة" الغنّوشيلرئاسة الحركة رغم
النّداءات المتكرّرة والعديدة من الكثير من
القيادات لنزعالثّقة من الأخير لعدم
كفاءته وأهليّته لإعادة تحميله أمانة رئاسة الحركة
وعدمتسليمها له.
لقد
ضيّعت الأوقات الثّمينة وصرفت الأموالالضّخمة من أجل أن يرجع
"الأمير" إلى موقعه، وانعقدت مؤتمرات المناطق منأجل مؤتمر عام استثنائي
انتخابي فحسب، في نوفمبر1984.
وحيث لم يفعل"الصّادقشورو" ما فعله حمّادي
الجبالي، لأنّ الأوّل اختير من مؤتمر فقد أوقعه
الأستاذ "الغنّوشي"
في حرج ـ لمّا رفعت الإحاطة به سنة 1988 ـ، حيث
طالبه بها سنة 1989 دون موجب و مبرّر. ولمّا لم
يستجب لرغبته في العودة إلى رئاسة الحركة خرج منالبلاد ـ دون إذن من
أحد ـ ، وأرسل إلينا نصّا غريبا في نصف ورقة يتّهم
فيهاالمؤسّسات بالضّعف، وأنّ من
الخيانة أن يولّى على النّاس أحداً وفيهم من هو
خيرمنه." وهو يقصد نفسه بالطّبع
!!! ومارس في الخارج صلوحيّات
"الرّئيس" وفرض على
الحركة أسلوب عمله واختياراته، ممّا جلب علينا في
الدّاخل ارتباكات ضخمة وكوارثعظمى، ليس الآن مجال
ذكرها.
أمّا الباقون ممّنيسمّونهم رؤساء فلم
يكونوا رؤساء لحركة مكتملة لكلّ هياكلها المعروفة،
حتّى يمكنأن يقال فعلا هم رؤساء
حقيقيّون لهم صلوحيّة رئيس، هذا فضلا على أنّهم لم
يبقوا فيموقعهم ذلك إلاّ أسابيع
معدودة كما حصل مع كركر وبن سالم والبنّاني أو
أسبوعاواحدا كما هو الحال مع
العكروت، أمّا الحبيب اللّوز فقد استمرّت دورته
ستّة أشهر، فكيفيحكم عليهم بأنّهم
رؤساء؟ وكيف يصفون أنفسهم بأنّهم "ديمقراطيّون"؟...
لقد تولى كلّ هؤلاءالإخوة "سدّ الشّغور"
في ظروف غير طبيعيّة و في مراحل لا استقرار: ـ ظرفانكشاف وصراع وخوف ـ
فهم بالتّالي لم يأتوا لقيادة حركة، بل
لحفاظ ما يمكنالحفاظ عليه من تنظيم
مستهدف، في ظروف أمنيّة حرجة. إذ كيف يكون الواحد
منهم رئيسافي حركة "ديمقراطيّة"
وهو سرّيّ لا يعرفه النّاس، بل لا يعرفه أعضاءالحركة الذين شرّدوا أو
سجنوا؟ كيف يكون رئيسا من يعمل في الخفاء وهو لا
يمتلكسلطة إلاّ بالاسم؟ كيف يكون
رئيسا وهو لا يستطيع أن يحمي نفسه وهو مهدّد في
كلّلحظة بالاعتقال؟ ثم دعوى أنّ
هذه هي ديمقراطية فكم عدد الأفراد الذين اختارواهؤلاء الرّؤساء؟
إلاّ أن يكون للقومتعريف خاصّ
للدّيمقراطيّة! فهل "الدّيمقراطيّة"تقبل
بالتّعيين؟
من العيب أن يخلّط علىالنّاس لأنّ الأسماء
المذكورة ما ترأّسوا إلاّ تنظيما سرّيّا ولا حزبا
سياسيّا؟ وكيفيتشبّع قوم
بالديمقراطيّة وليس لهم مؤسّسة قضائيّة قويّة
مستقلّة تمنع الفوضى؟
وهاهي تلك الحركةفي المهجر منذ 20 سنة
ولم تستثمر تواجدها في المهجر "الدّيمقراطيّ"؟ بل
اتّسمتهذه المرحلة بحالة من
الصّدام الدّاخلي المرير والتّصدّع الأخلاقي
المريع؟ فلم تقرّللفرد حقّ التّعبير ولم
توفّر الكرامة للمعارض داخل الجهاز ، بل شيّد
منتفعو الحزبوأدواته أسوارا منيعة
لمنع الإصلاح و النّصح والمعارضة المسئولة؟ فمن
الذي قاد كلّ هذه الفترة؟ أليس هو رئيسواحد؟ وهذا الرّئيس ـ
الأمير، صار له اليوم منذ 1972 ما يقارب 30 سنة،
حكمها فيكلّ مراحلها: السّرّ ـ
العلن ما قبل النّشأة ـ النّشأة ـ مرحلة الدّعوة ـ
التوسّعوالانتشار ـ الإعداد
للثّورة ـ الانقلاب ـالفشل ما بعد الفشل ـ
المهجر؟ فهل من المعقول أن تقاد حركة"ديمقراطيّة"
من رجل خلال كلّ هذه
المراحل وبمثل هذا العدد من السّنين؟ كيف تكون
ديمقراطيّة وقد استفرد الأمير فيها
بمواردها الماليّة، ولا يحاسب فيها ولا يعرف
أتباعه ثروتهوهو المتفرّغ منذ أواخر
السّبعينات، ومعاشه من تلك الحركة؟ كيف تكون
النّهضةديمقراطية وليس لرئيسها
حدّ في دورات الرّئاسة؟ وهل الحكم بديمقراطيّة
الحركةلمجرّد سدّ شغور في
ظروف صعبة وحادّة؟ كيف تكون حركة ديمقراطيّة وليس
فيها تعايش،ولا تجد بين قياداتها
إلاّ الحذر وتمشية الحال والتّوتّرات السّائدة و
قد تفشّى التّناجيبين قياداتها عجزا عن
ممارسة "الدّيمقراطيّة" تفاديا للاحتكاك بالزّعيم
ـالمحصّن بحاشية ضعيفة ـ خوفا
من ردود فعل بائسة؟ كيف تكون "ديمقراطيّة"
وقد فارقها الآلاف من
أبنائها الذين يشتكون من دكتاتوريّة متوحّشة؟ كيف
تكونديمقراطيّة وقد صارت "حزبا"
تنكّب "التّكفير" و"
التّخوين" للنّاصحين
فلم يقبل شراكة من أيّ أحد، و تلبّسه الغرور
والعناد فلميقبل نصحا من رفاق
الأمس؟
لا
زالت
حركة النّهضة تدفع ثمن "الزّعيم" النّزّاع عن
الرّئاسة
لقد ظلّ الغنّوشيالرّئيس القهري يمارس
فيها سلطة مطلقة على الحركة منذ 1972 إلاّ في ظروف
قطّعتها الإحاطةبه، ومنذ 1988 يمارسها
بدون حقّ دستوري،
و لمّا انتقل إلىالخارج مارس كلّ
صلوحيّات الرّئيس إلى لحظات كتابة هذه الشّهادة،
ووالله إنّهليقدّم نفسه في المهجر
على أنّه الرّئيس حتّى بحضور الأخ الصّادق شورو
الرّئيس "الشّرعيّ" المنتخب من مؤتمر.
لقد جرّ الأستاذ علينافي الدّاخل الويلات
بسبب اندفاعاته وحماساته ومغامراته وهو يتجوّل في
الخارج بينصدّام حسين وإيران
والسّودان والجزائر وغيرها من بلاد الغرب كلّه،
مستخدما أدوات إكراهمتعدّدة لفرض نفسه،
أهمّها سلطة "البيعة" ومصادر المال و إبعاد
الكفاءاتوأسلوبه الثّوري الذي
يغري به العواطف ويلهب بها حماسة الشّباب الجامعي
والتّلمذيالمغامر.
إنّ الحركة
"الدّيمقراطيّة" هي
التي تستفيد من أخطائها و تعمّق مراجعات تصحيحيّة
لها،و تتّخذ مواقف صريحة وواضحة
تعالج فيها أهمّ إخلالاتها دون تردّد أو مجاملة أوخوف؟
وإنّ أهمّ ما يعانيمنه ذلك الجهاز أنّه
صار "حزبا"، تتنازع فيه الأهواء إلى الزّعامة
بالهيمنةفلم يشهد عمليّة
"ديمقراطية" داخليّة ولم يتوفّر فيه جوّ عام من
الحرّيّاتيسمح بالمنافسة
السّياسيّة بين أفرادها، بل لم يوطّنمناخه ولم يستنبت نباته
ولم تهيّئ تربته الصّالحة فلم تتخلّص الأنفس فيها
من العاطفة ولم يتعرّف فيها كلّ أفراد الحركة علىبعضهم وعلى أطروحاتهم
وعلى مناهجهم.
فالحاصل أنّ كلامالأستاذ ـ ردّه الله
إلى الحقّ والعمل به ـ يندرج ضمن التّضليل،
والشّعارات السّياسيّةالاستهلاكيّة، وإن كان
ينطلي على العدد القليل من المفتونين به من النّاس
فإنّه لاينطلي على العقلاء وعلى
الحقّ والتّاريخ.
إنّ
تلك المقولةالتي رددنا عليها
وفنّدّاها لا يصدّقها أحد، فما هي ـ في الحقيقة ـ
إلاّ دعوى حزبيّة تندرج ضمنازدواجيةخطاب القوم، عبر تهريج
إعلامي وسياسي هروبا من الحقيقة و استماتة في
التّعامل معالتّمنّيّات و
الاستجابة لضغوط مرحلة السّراب الخادع، هدفها
الوحيد هو إكساءالصّبغة السّياسيّة
لحركته لعلّها تقبل طرفا في صفقة اللّعبة
السّياسيّة.
على كلّ حال أدعوالغنّوشي أن يتّقي الله
تعالى، وأن لا يلبّس الحقّ بالباطل، ولا
يضلّل الخلق، وأنيسلك سبيل الوضوح
والصّدق، فهما الموجبتان للاحترام والتّقدير!!!
وليذكر قولالرّسول صلّى الله عليه
وآله وصحبه وسلّم:" المتشبع بما لم يعط كلابس ثوبي
زور"4،
وأن لا يحرّف بالإسلام نحو أهدافه الحزبيّة
ورغباته الشّخصيّة وأنيكفّ عن الاستجابة
لظروف المرحلة فيلوّن خطابه الحامل للتّناقض، فلقد
فعل أمثالهمن قبل فلم يفلحوا،
لمّا لوّنوا الإسلام في زمن سيطرة الاشتراكيّة
بأنّ الإسلاماشتراكيّ، وفي زمن
سيطرة الثّوريّة بأنّ الإسلام ثوريّ، واليوم يدندن
"المتلوّنون" بأنّ الإسلام ديمقراطيّ، بل
إنّالدّيمقراطيّة هي بضاعتنا التي
ردّت إلينا، حتّىيقبل من طرف العدوان
أنّه معتدل ووسطيّ، ويوظّف في اللّعبة السّياسيّة
لمقاتلةإخوانه الذين يخالفونه.
إنّي أؤكّد على دعوةالإخوة في حركة النّهضة
الغير الحزبيّين ـ وخاصّة رجالها في الدّاخل ـ أن
يتحمّلوامسؤوليّتهم الكاملة في
البيان والعمل مساهمة منهم في حلّ أعظم أزمات تلك
الحركة،وهي:
1 أنّها
صارت "حزبا" لا تجد فيه إلاّالعواطف والولاء للشّخص
الذي لم تتوفّر فيه شروط "القائد".
2
حزب يفتقر إلىالعقل الإستراتيجيّ
المتجاوز لضيق المراحل والمستجيب إلى ردود الأفعال
المتشنّجة.
3
حزب يفتقر إلىسيادة المؤسّسة القويّة
التي تمنع الفوضى وتحدّ منها.
4
حزب خلا من الفردالعلميّ الذي يزن
الأشياء والأشخاص على ميزان العلم والرّشد
الحاميين من الزّيغوالضّلال.
إنّ العاقل والمريدللخير، لا يضيق من
تعقّبنا لحقائق تاريخيّة، ومن معالجات أخطاء
تجربتنا، ومصارحةتحصي السّلبيّة دلالة
على صحّة تفكيرنا طالما نستهدف تلافي ضيق الماضي
وتجاوزه،وكلمات مكتوبات تبني
خير من همسات في الظّلام تهدم.
إنّي
لا أزعم أنّي أمتلك الحقيقة ولكنّ هذهشهادة صدق، سردت فيها
حقائق قد تثقل علىبعض ضيّقي العقول الذين
يقلقهم قولنا ولا يجزعون لواقعهم. إنّه إذا أردنا
أن نصنعغدا أفضل فلا بدّ من أن
نتحرّر من الولاء للأشخاص وللعواطف.
إنّ هذه الشّهادةيمكن أن تعدّ وثيقة
يرجع إليها كلّ محايد منصف ونزيه يتتبّع الحقّ
بدليله معتمداعلى البحث العلمي
الموثّق بالحجّة المحكمة.
وما
هذا إلاّ قول حقّ يندرج ضمن اجتهاد أؤجر عليهولو أخطأت، بغيتي أن
تعالج تجاربنا بجدّ وحزم، ولا نترك مجالا لسيادة
الفوضىوالعواطف والمجاملات
الدّائمة وتجاوز عقدة الزّعامة التي لا تحترم
المؤسّسات، وإناستمات قوم على أنّهم
ديمقراطيّون فإنّما بإخضاعها على أمزجتهم
الشّخصيّة المتماهيةفي "ديمقراطية" عالم
ثالث متخلّف، وصدق الله تعالى إذ يقول:" أَفَمَنْزُيِّنَ لَهُ سُوءُ
عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا"5..
2لقد كانت الحركة تعمل
في كنف الأمنوالهدوء والاستقرار،
ولم تتّخذ السّلطة منذ السّبعينات والثّمانينات
أيّ إجراءردعيّ تجاهها
لمحاصرتها، بل كانت تغضّ الطّرف عنها وتعينها في
بعض الأحيان فقدكانت الحركة تطبع مجلّة
"المعرفة" ـ التّابعة للحركة ـ بالشّركةالتّونسيّة للطّباعة
وفنون الرّسم التّابعة للحزب الحاكم. وبعد انكشاف
ديسمبر 1980 تغيّر الحال لأنّ السّلطة اكتشفت
تنظيمدولة.
3
لأنّ هذا المجلس لم يكن
"دستوريّا" لأنّ ثلثي أعضائه لم يقع
اختيارهم من مؤتمر.
4رواه : أحمد ، والبخاري
، ومسلم ، وأبو داودعن أسماء بنت أبى بكر .
ومسلم عن عائشة . والطبراني عن سفيان بن عبد الله
الثقفيعن أبيه . العسكري في
الأمثال عن أبى هريرة)حديث أسماء بنت أبى بكر :
أخرجه أحمد (6/345
، رقم 26966) ، والبخاري (5/2001 ، رقم 4921) ،
ومسلم (3/1681 ، رقم 2130)
، وأبو داود (4/299 ،
رقم 4997) . وأخرجه أيضًا : الحميدى (1/152 ، رقم
319) ،وإسحاق بن راهويه
(1/132 ، رقم 28) ، والنسائي في الكبرى (5/292 ،
رقم 8921) ،وابن حبان (13/48 ، رقم
5738) ، والقضاعى (1/204 ، رقم 309) ، والطبراني
(24/121 ،رقم 324) ، والبيهقى
(7/307 ، رقم 14571) .حديث عائشة : أخرجه مسلم
(3/1681 ، رقم 2129) .
وأخرجه أيضًا : أحمد
(6/167 ، رقم 25379) ، والنسائي في الكبرى (5/292
،رقم 8920) ، والطبراني في
الصغير (2/222 ، رقم 1064)
.
حق المعرفة فوق
كل الحقوق
جميع الحقوق محفوظة لموقع زيتونة
موقع
زيتونة نافذة مستقلة ليست مسؤولة عن مضمون المقالات التي
تنشر
ولا تعتبر المقالات المنشورة وجهة نظر رسمية للموقع
، بل فقط تعبرعن رأي الكاتب asfook@yahoo.com