جيري كامر : زيارة اوباما
الأخيرة للعراق جاءت لتذكير الأميركيين بان العراق ما يزال محط اهتمام
أميركي
لقاء خاص مع الصحفي الامريكي
جيري كامر يتحدث عن الصحافة الاستقصائية في العراق
ارسلت بواسطة - بلاد نيوز
في أواخر شهر آذار/مارس
الماضي، دعا مرصد الحريات الصحفية (منظمة عراقية
غير حكومية)، الصحفي
الأمريكي جيري كامر* لعقد ورشتي عمل في كل من بابل
وبغداد. الغرض من الدعوة هو
تدريب 40 صحفي عراقي من مختلف وسائل الإعلام
العراقية، على أصول الصحافة
الاستقصائية.
وان جيري كامر هو مراسل
لوكالةCopley New Service
منذ عام 2002 حائز على جائزة
Pulitzer عام 2006، وقد
أدت تحقيقاته الاستقصائية إلى كشف العديد من حالات الفساد العالية
المستوى أبرزها جهوده في تقصي فضيحة رشاوى تتعلق بالنائب عن ولاية
كاليفورنيا، راندي ديوك كوننغهام وقد كشفت
تحقيقاته في هذه القصة عن تورط كوننغهام
في منح عقود دفاع مجزية مقابل الملايين من
الدولارات وغيرها من الهدايا
الثمينة. قدم كوننغهام استقالته من منصبه في نهاية
الأمر وأقر بالذنب وتم الحكم
عليه بالسجن لثمانية سنوات. نال كامر جوائز أخرى
لجهوده في هذه القصة منها جائزة
National Headliner
Award للصحافة
الاستقصائية، جائزة Gerald
Loeb لصحافة الأعمال
والاقتصاد، وجائزة
Don Bolles للصحافة
الاستقصائية من نادي أريزونا للصحافة.
وقد أجرى الصحفي سعد
سلوم" مراسل نقاش" حوار مع كامر الحائز على جائزة
"البولتزر"، إحدى أرفع
الجوائز الصحفية في العالم، خلال زيارته الأولى
إلى بغداد، للحديث عن دور
الإعلام المستقل في كشف حالات الفساد الإداري.
س)هل هي صدفة أن تترافق
دعوتك لزيارة بغداد مع الجو العام لمحاربة الفساد وتحريك بعض ملفاته في
الوزارات العراقية؟
كامر: مرصد الحريات
الصحفية كان مهتما باستضافة وجهة النظرالاميركية
حول كيفية التحقيق الصحفي
في قضايا الفساد الاداري، لاسيما وانه كان لي نشاط
صحفي ادى الى سجن أحد اعضاء
الكونغرس الاميركي لتقاضيه رشاوى، ونلت عنه جائزة البوليتزر الشهيرة، هذه
كانت الفكرة العامة من وراء دعوتي وزيارتي الى العراق.
س)هل انت مع ميل ادارة
اوباما للضغط على الحكومة العراقية لمحاربة
الفساد؟
كامر: لست هنا كممثل
للحكومة الاميركية وليس من مهامي دعم السياسة
الاميركية، لكني هنا كمحقق صحفي
مستقل اتعامل مع صحفيين عراقيين مستقلين، لست هنا
لدعم ادارة الرئيس اوباما
ونقد ادارة الرئيس بوش، انا هنا من اجل دعم جهود
الصحافة الاستقصائية في هذا
البلد، وكلما ازور بلدانا مختلفة وازور صحفيين في
هذا المجال اشعر اننا ضمن
مجموعة اخوية واحدة.
س)هل تعتقد ان الولايات
المتحدة تضرب مثالا جيدا في محاربة الفساد في
الوقت الذي أهدر فيه
البنتاغون مائة مليار دولار في منح عقود اعادة
اعمار العراق؟
كامر: اعتقد ان لدينا
تاريخا مختلطا في محاربة الفساد، فمن جهة العقود
التي منحتها وزارة الدفاع تم
الحصول على البعض منها من خلال تقديم الرشاوى الى اعضاء الكونغرس، ومن
الصحيح ان هناك مجالات فساد في هذه العقود ولكننا
كدولة ملتزمون بتحديدها
ومحاسبة المقصرين، واعتقد ان عملي من خلال حضوري
الى هنا او من خلال كشف هكذا حالات
في الولايات المتحدة يأتي كمثال حول كيفية معالجة
هذه الحالات في الولايات
المتحدة، واحدى النقاط التي ركزت عليها خلال لقائي
مع الصحفيين العراقيين هي
ان الفساد ظاهرة عالمية موجودة في جميع المجتمعات، والبيئة الديمقراطية
الصحية توفر القنوات اللازمة لكشف حالات الفساد
وعدم ابقائها طي الكتمان،
والشيء الاخر الذي ذكرته ان الامر الذي مكنني من
عملي في الولايات المتحدة هو
الحماية المتوفرة من خلال حرية الوصول للمعلومات
وما يعرف بقوانين اشعة
الشمس (sun shine laws)
وفقا لنظرية تقول
بتمكين اشعة الشمس من الوصول الى
نشاطات الحكومة بحيث لا تبقى مثل هذه النشاطات في
الظل
[حاول استخدام النت
ليرينا مواقع تتوفر فيها معلومات عن نشاطات
الحكومة يمكن للصحفيين الولوج اليها
وجمع المعلومات لكتابة تقاريرهم الاستقصائية]. العمل الذي قمت به لم
يدن عضو الكونغرس فحسب، بل ايضا المتعاقدين، وقبل
شهرين تقريبا ادين ثالث ارفع
شخص في وكالة المخابرات المركزية وهو كايل فوكو
kyl
foggo المدير التنفيذي
للـ CIA (executive
director) وفوكو كان
صديق احد المتعاقدين الذين ادينا
في هذه القضية وفوكو حاول مساعدة المتعاقد في
الحصول على عقود وزارة الدفاع
من خلال موقعه في وكالة المخابرات المركزية
س)هل هناك عقود تتعلق
بالجيش الاميركي في العراق؟
كامر: لا اعلم بشكل
محدد، ولكن على الاقل احدى العقود تتعلق بتوريد
المياه للجيش الاميركي في
الشرق الاوسط، ومن العقود الاخرى خدمات النقل
الجوي لوكالة المخابرات المركزية
لنقل الافراد المفقودين بين منطقة واخرى. لا اود القول انني
وفريقي كشفنا هذه القضية بشكل كامل، ولكننا كشفنا
معلومات مهمة قدمناها الى
المدعي العام، وهو من جهته قام بمتابعة القضية،
وهذا مثال ممتاز حول كيفية عمل
النظام حين تقوم الجهات الاعلامية بدورها وتقوم
الجهات القضائية بدورها ايضا.
وهو الامر الذي ذكرته للصحفيين العراقيين،
فالصحافة الاستقصائية تعمل بشكل
افضل عندما تكون جزءا من منظومة متكاملة تشمل: الصحافة، اجهزة الادعاء
العام، هيئات التحقيق، المحاكم، ورقابة البرلمان، فعندما تعمل جميع هذه
الجهات مع بعضها تظهر بيئة مثالية لمحاربة الفساد.
س)هل تعتقد بعد لقاءك
بالصحفيين العراقيين انهم مؤهلون للعب مثل هذا
الدور؟
كامر: من خلال لقاءاتي
مع الصحفيين العراقيين لم تتوفر لدي قاعدة معلومات كافية، واعتقد ان لديهم
الرغبة والمهارة لقيادة البلاد في هذا الاتجاه،
لكنهم بحاجة للدعم المؤسساتي،
للحماية وللوصول الى المعلومات وقوانين اشعة
الشمس، التواصل مع الجهات
الحكومية، فهم لايستطيعون العمل من دون دعم
القوانين، والتعاون مع الجهات
القضائية، لكي يكونوا جزءا من مؤسسة اكبر. وحسب معلوماتي،
الصحفيون العراقيون يعملون في بيئة لا تتوفر فيها
الحماية او حرية الوصول للمعلومات،
وهذه الامور تطورت تدريجيا في الولايات المتحدة
خلال عقود من الزمن، لا سيما
قوانين حرية المعلومات التي نمت كثيرا خلال
الثلاثين سنة الماضية، وانا على
ثقة بان العراقيين سوف يطورون امكانياتهم خلال
السنوات القادمة. كذلك يعمل
الصحفيون العراقيون في ظروف امنية خطيرة، وفي
لقائي مع الصحفيين في الحلة
اهديت الورشة الى روح الصحفية "أطوار بهجت" التي
التي فقدت حياتها اثناء اداء
واجبها الصحفي.
س)هل يمكن المراهنة على
دور الاعلام المستقل في عملية التحول الديمقراطي
في العراق؟
كامر: اعتقد ان وجود
بيئة ديمقراطية صحية يعتمد على وجود اعلام صحي،
ولا اعلم كيف يمكن بناء
ديمقراطية دون بناء اعلام حر ومستقل لديه امكانية
محاسبة الحكومة على افعالها،
في الولايات المتحدة نَصفُ الصحافة بكلب حراسة
watch
dog فلا يمكن للصحافة
الاستقصائية ان تأخذ جانب احدى الجهات السياسية،
بل عليها ان تراقب كافة
السياسيين والاحزاب وتحاسبهم. احد اساتذتي في
الصحافة اخبرني ان الغرض الرئيس
من الصحافة في ظل الديمقراطية هو ان تخبر الناس عن القوى التي تستخدم
باسمهم، لان الحكومة انتخبت لخدمة الشعب، وعملنا
هو ان نخبر الناس كيف تستخدم
الحكومة السلطات الممنوحة لها.
س)ما هي الكيفية
باعتقادكم لتفاعل الصحفيين العراقيين مع هذه
الافكار وتوظيفها لدعم عملهم؟
كامر: لقد اخبرت
الصحفيين العراقيين خلال ورشتي العمل التي عقدت في
بغداد والحلة، عن اهم رئيس
اميركي وهو ابراهام لنكولن، الذي ترأس الولايات
المتحدة في اصعب مرحلة من
تاريخها خلال الحرب الاهلية الاميركية، وهو بطل
قومي بنظري لحفاظه على وحدة البلاد
حين تعرضت لاخطر تهديد لوجودها حيث قال في العام
1863 في خطبة من اعظم الخطب
في التاريخ الاميركي بعد معركة
Gettysburg عند وقوفه على مقبرة لضحايا
المعركة، وكانت العادة ان تلقى الخطب لمدة ساعات
لكنه اوجز خطبته في 300 كلمة وهي
تساوي ما يقوله اي سياسي في 3 ملايين كلمة، قال:
هؤلاء الناس لم يموتوا هباءً،
وان هذه الامة ستشهد بمعونة الله ولادة حرية
جديدة، انها حكومة الشعب ومن
الشعب ومن اجل الشعب
government of the people by the
people for the people
وهذه الحكومة لن تموت على الارض، وقد ذكرت هذه
الخطبة امام الصحفيين
العراقيين للتذكير بان نقارن بين ما نقوله وما
نفعله، وكيف نصل الى تحقيق ما نقوله على
ارض الواقع، وعمل الصحافة الاستقصائية في هذا
المجال يسد الثغرة بين المثال
او الفكرة والواقع، وفي الولايات المتحدة حتى وان
لم نستطع تحقيق المثل فان
لدينا نظاما يساعدنا على تحديد الاخطاء وكشفها،
فكشف فضيحة امام الشعب على
سبيل المثال يؤدي الى غضب الجماهير التي ستطالب بالاصلاح.
س)ما رأيك بدور وتأثير
وسائل الاعلام الاخرى، عن طريق استخدام الانترنت
مثلا؟
كامر: العراقيون سريعو
التعلم، وانا اعتقد بأنه سوف يكون هناك انفجار
كبير في استخدام الانترنت.
واعتقد بأن الانترنت هو سلاح ذو حدين، فهو يمكن ان
يخدم العملية الديمقراطية،
وفي الوقت نفسه يمكن ان يكون قوة سالبة او هدامة
لأنه قد يصعب من الحصول على
نقاش موحد، ولكني متأكد من ايجابية استخدام
الانترنت.
س)هل هناك صورة نمطية
عن العراق تتناقلها وسائل الاعلام الاميركية؟
كامر: لست متأكدا من
الصورة النمطية عن العراق، لكن بشكل عام الفكرة
العامة في اميركا عن العراق هي
انه بلد يصارع من اجل الحفاظ على وحدته بناء على
اسس ديمقراطية، انتم تمرون
بفترة عصيبة جدا من تاريخ بلدكم، ما يجعلني اتذكر الفترة العصيبة التي
كانت تواجهها الولايات المتحدة في فترة رئاسة
ابراهام لنكولن خلال فترة الحرب
الاهلية، ولكن الامل كبير في بناء عراق قوي وقادر للاجيال القادمة.
س)كيف تتعامل الصحافة
الاميركية مع العراق بعد مرور ست سنوات وكشف
العديد من الحقائق المستورة؟
كامر: أستطيع التحدث
كأميركي عن الحرب وفترة الرئيس بوش، بالنسبة لي لم
أصوت للرئيس بوش في ترشحه
للولايتين الانتخابيتين، والعديد من الصحفيين
الأميركيين يشعرون بالحرج لانهم لم
يقوموا بمزيد من الجهد لاستجواب الرئيس بوش حول الاسباب التي دفعته
لغزو العراق، العديد من الاميركيين ايضا يلومون
الصحافة لتقصيرها بين ما تقول
وما تفعل او بين الفكرة والواقع. وأحد الصحفيين الاستقصائيين يعمل
لصحيفة نيويورك تايمز انتقد لانه كان يظهر كناطق
باسم الحكومة الاميركية،
واتحدث هنا بشكل محدد عن الصحفية جوديث ميلر
Judth Miller وقد اعتذرت النيويورك
تايمز عن التقارير التي نشرتها لجوديث ميلر، اذ
اشارت الى مصادر تتمثل
بمسؤولين اميركيين في الادارة الاميركية او
مسؤولين استخباريين دون ذكر
اسماءهم والذين اخبروها ان صدام حسين كان مصرا على
امتلاك اسلحة دمار شامل، وتم
استخدام تقاريرها من قبل ادارة الرئيس بوش لتبرير
شن الحرب بناء على معلومات
اعطوها هم لها، فاصبح الامر اشبه بدائرة من
التفاهات
nonsense ، تلك كانت
لحظة محرجة للصحافة الاميركية.
س)هل هناك تراجع
بالاهتمام بعراق 2009 في الاعلام الاميركي؟
كامر: التغطية الان
بمعدلات اقل، لاسباب منها : التحسن في الوضع
الامني داخل العراق من جهة وتدهور
الاوضاع في افغانستان من جهة ثانية، ولكن السبب
الاهم هو تركيز الاعلام على
المشاكل المالية التي تعاني منها الولايات
المتحدة، واعتقد ان زيارة الرئيس
اوباما الاخيرة للعراق جاءت لتذكير الامييركين بان العراق ما يزال محط
اهتمام اميركي.
س)هل تعتقد انه يمكن
للتواصل عن طريق القوة الناعمة
soft power كالاعلام والثقافة معالجة آثار
فشل القوة الصلبة hard
power المتمثلة
بالوسائل العسكرية؟
كامر: انا اؤمن باهمية
برامج تبادل الزيارات، حيث تقوم مجموعات من
الافراد بزيارات متبادلة بين
بلدين، ما يؤدي الى تطوير الجانبين مهنيا وزيادة معرفتهما ببعضهما،
وللاسف هناك قلة من الاميركين يتحدثون العربية،
انا على سبيل المثال اتحدث
لغتين اجنبيتين هما الاسبانية والالمانية ولكن
تعلم العربية امر صعب يحتاج
الى التزام مدى الحياة، ومن الامور المهمة ان الانكليزية اصبحت اللغة
العالمية، وبالامكان اذا اصبح كثير من العراقيين يتكلمون الانكليزية ان
يسهل كثيرا فهم بعضنا. حين انظر للتلفزيون
واشاهد برامج التلفزيون المعروضة في العراق اتساءل
اي صورة غير صحيحة سيكونها
الناس عن الولايات المتحدة، ولا الوم العراقيين
اذا اعتقدوا ان الاميركيين
كائنات من كوكب اخر، سوف يكون من المهم التواصل
على المستوى الشخصي لتصحيح
كثير من الصور والافتراضات الخاطئة.
س)سألني جندي اميركي
مستغربا: "العراقيون يقودون سيارة كاديلاك ومع ذلك يطلقون النار علينا"،
أليس هذا مثالا على نوع من السطحية في تقدير تأثير اشكال الثقافة التي
تؤثر ببعضنا البعض؟
كامر:
(يضحك) هذا صحيح تماما،
نحن نحتاج الى تجاوز هذه السطحية وبناء علاقات اعمق، وتجاوز
الافتراضات الخاطئة، واتمنى ان يحضر المزيد من
الطلاب العراقيين الى الجامعات الاميركية
وبالمقابل وفي السنوات المقبلة يقوم الطلاب الاميركيون بالحضور الى
الجامعات العراقية، لان العراق بلد فيه حضارة
عمرها سبعة الاف عام غنية في
مجالات الثقافة والعلوم وسوف يكون من الرائع ان
يتمكن الاميركيون من الاطلاع
على هذه الحضارة. كما اتمنى ان يقوم العراق بتطوير مؤسساته وتشريعاته
بصورة تسمح لطاقات العراقيين بالنمو.
س)هذه نقطة مهمة
فالعراق شهد نمو ثقافة ليبرالية خلال الخمسينيات
من خلال نخبه المتعلمة في
الجامعات الاميركية؟
كامر: لقد التقيت
بالعديد من العراقيين الذي غادروا بلدهم و حصلوا
على اقامة في الولايات المتحدة،
وقد فكرت ان مثل هؤلاء الاشخاص سوف يشكلون اضافة
عظيمة للولايات المتحدة
ولكنهم في الوقت نفسه يعدون خسارة لا يستهان بها
بالنسبة للعراق، لكن من جهة
اخرى مثل هؤلاء الاشخاص سيعملون، بمحاولتهم الحصول
على الاقامة في الولايات
المتحدة، كجسور تواصل بين البلدين بوصفهم مواطنين
لكلا البلدين.
حق المعرفة فوق
كل الحقوق
جميع الحقوق محفوظة لموقع زيتونة
موقع
زيتونة نافذة مستقلة ليست مسؤولة عن مضمون المقالات التي
تنشر
ولا تعتبر المقالات المنشورة وجهة نظر رسمية للموقع
، بل فقط تعبرعن رأي الكاتب asfook@yahoo.com