المثل الفلسطيني يقول : ( عنزة ولو طارت ) ولهذا
المثل حكاية طريفة ، وهي أن رجلا محكوما لزوجته (
وقانا الله وإياكم حكم النساء ، وإن كان في بعض
الأحيان نعمة كبرى ! ) ذهب هذا الرجل إلى السوق
ليبيع بطة بأمر عسكري من زوجته الميمونة ، وأوصته
أن البطة التي يجب بيعها في وسط السوق هي عنزة حتى
لو طارت تلك البطة أمام أعين الجميع ، ذهب الرجل
المحكوم لزوجته حاملا البطة إلى السوق من اجل
بيعها ، وكلما جاء إليه من يشتري البطة سأله : كم
سعر هذه البطة ؟ كانت تثور ثورة الرجل المحكوم
قائلا بأنها ليست بطة إنها عنزة .....
تكرر المشهد السابق مرات كثيرة وسط السوق ، واجتمع
الناس من حول الرجل المحكوم لعلهم يقنعوه بأن الذي
في يده بطة وليست عنزة ، لكنه كان مصرا على موقفه
بأن البطة عنزة .....
وأخيرا جاء إليه رجل حكيم وقال له : أنت تقول عن
البطة عنزة فانظر ماذا أنا فاعل الآن بها .... مسك
الحكيم البطة وألقاها في الهواء ، فطارت البطة
أمام الجميع ، وقال له الحكيم : انظر إلى البطة
كيف تطير ... ولو كانت عنزة لا تطير .... قال له
الرجل المحكوم : إنها عنزة ولو طارت.... عنزة ولو
طارت ..... عنزة ولو طارت.... .
ربما بات عند الكثيرين أن الخط السياسي لتيار ما ،
هو أغلى من الشعب والوطن والقضية ، وصار عندهم
الوطن شركة أو بقرة حلوب أو مركزا من مراكز
الاستثمار الكبرى ، فكل شيء لا قيمة له أمام
الامتيازات والمصالح والأموال ، وصار التاريخ
النضالي الحافل بالتضحيات والدماء والجراح
والمعاناة حتى اللحظة ، مثله مثل قصص ألف ليلة
وليلة وأبي نواس ، وأن مكانه الطبيعي الآن هو متحف
التاريخ والتراث ، تحت ذريعة الواقعية والمصلحة
القومية العليا ، بحيث أصبح التراجع عن خطا نهج
هذا التيار السياسي أو ذاك يهدد تاريخ مسيرته
الحركية وإرثه النضالي ، الذي أصبح خبر كان منصوبا
بالفتح ، وهو يصر بعناد ويحارب بقوة على كساد طرحه
وفساد بضاعته ، حتى لو قدمت له كل الأدلة
والمعطيات والبراهين بالحقائق والأرقام إلا أنه في
النهاية عنزة ولو طارت .... فلقد تعايش مع
ذاته وبرمج عقله وإدراكه ووعيه وأوهم نفسه ، بأن
هذا هو الطريق الأقرب لتحقيق مصالح شعبه .... حتى
لو قال له الجميع غير ذلك .....ففي ذاكرة وعيه
المبرمجة عنزة ولو طارت . لأن التراجع
بالنسبة له هو إعلان فشل ذريع لخطة السياسي أمام
خصومه السياسيين الذين يتربصون به الدوائر ، مما
يعني انتحارا لقادة نهج هذا الخط السياسي أو ذاك ،
وضربا لمصالحهم وتحطيما لامتيازاتهم ، وهم بذلك
مستعدون للتضحية بكل شيء يتعلق في الشعب والوطن من
أجل خدمة أغراضهم وكراسيهم ومكتسباتهم ، حتى لو
هلك الحرث والنسل ، وقُضي على الأخضر واليابس ،
والأمثلة على ذلك أكثر من أن تحصى لدى الفطن
اللبيب .
يذكرني ذلك بحكاية التاجر المُفلس الذي بدأ يفتش
في دفاتر دَينه المنسية منذ زمن بعيد لعله يحظى
بدَين قديم له على هذا الرجل أو ذاك ؛ فيجمع منها
بعض الفتات المنسي من ذاكرته .....فما أكثر
المفلسين اليوم من تُجار السياسة ودكاكين النصب
بالفتح .
فمتى ندرك أيها الإخوة الكرام والأخوات الكريمات ،
بأن شلال الدماء الذي لم يتوقف هو أغلى من تفاهات
الكثيرين ، والمثل الشعبي الفلسطيني يقول (( إن
الله لا يقبل من ساكت )) فإن لم تجمعهم تلك
الشلالات من الدماء فستجمعهم حتما أعواد المشانق ،
والغلبة لإرادة الشعوب .
حق المعرفة فوق
كل الحقوق
جميع الحقوق محفوظة لموقع زيتونة
موقع
زيتونة نافذة مستقلة ليست مسؤولة عن مضمون المقالات التي
تنشر
ولا تعتبر المقالات المنشورة وجهة نظر رسمية للموقع
، بل فقط تعبرعن رأي الكاتب asfook@yahoo.com