مؤتمر حركة فتح الذي
انعقد في بيت لحم يثير منعلامات الدهشة والإحباط
أكثر مما يثير من أسباب الثقة والتفاؤل، ذلك أنهمن عجائب عالم السياسة
أن تعقد حركة تحرير مؤتمرها تحت مظلة الاحتلال،وبموافقة العدو، بل
وتذهب إلى أبعد، فتنتخب مجلسا «ثوريا» وتتحدث فيبيانها عن حق الشعب
الفلسطيني في مقاومة الاحتلال بكل الأشكال.
وهو كلامكبير، إذا أخذ على محمل
الجد، فإنه يعني إطلاق شرارة المقاومة فور انتهاءجلسات المؤتمر، خصوصا
أن الظرف مهيأ تماما لذلك. فلا المفاوضات أوصلت
إلىشيء. ولا الاستيطان توقف. ثم
إن عملية تهويد القدس مستمرة يوما بعد يوم،أما الحكومة
الإسرائيلية الراهنة، فقد أغلقت الأبواب أمام أي
احتمالللتفاهم حول أي عنوان
من عناوين القضية، وتلك ملابسات توفر للمجلس
«الثوري» فرصة نموذجية
لكي يؤدي واجبه ويثبت جديته وشرعيته، لأنه إذا
تشكلثم سكت فمن حق أي مواطن أن
يسأل: إذا لم يثر أعضاؤه في هذه الظروف، فمتىيثورون إذن؟
لست أبالغ. فمثل هذه
التوقعات تُعد ترجمة عادية جدا للكلام الذي صدر عنالمؤتمر، يخطر على بال
المرء إذا أحسن الظن به، وتصور أنه يعني حقا مايقول، لكن هذا الأمل لا
يلبث أن يتراجع حين يفتح المرء عينيه على حقيقةالرعاية الإسرائيلية
للمؤتمر، والجهد الحثيث الذي تبذله أجهزه السلطة
«الوطنية» لملاحقة
المقاومين واعتقالهم وتعذيبهم، إضافة إلى التنسيقالأمني مع
الإسرائيليين، لإحكام عملية الملاحقة والاعتقال،
فضلا عن إجهاضأي عمليات فدائية، وهو
ما يدعونا إلى القول إن حكاية مقاومة الاحتلال بكلالأشكال كانت تعبيرا
إنشائيا وليست موقفا حقيقيا، وأن المجلس الثوري لايراد له أن يفعل أكثر
مما يفعله مجلس الأمومة والطفولة في مصر!
من العجائب أيضا أن يعقد
مؤتمر حركة فتح للمرة الأولى منذ عشرين عاما،دون أن تعرض عليها أي
وثائق أو تقارير عن الأنشطة المختلفة خلال الفترةالسابقة، وهذا تقليد
معمول به في جميع التنظيمات السياسية والمؤسساتالأهلية، من الأحزاب
السياسية إلى التعاونيات والاتحادات الطلابية، وقدقرأت أن خمسة أو ستة
تقارير أعدت بالفعل، ولكنها استبعدت جميعا،
واعتبرتكلمة رئيس السلطة في
افتتاح المؤتمر هي الوثيقة التي يتعيّن على
المشاركينأن يهتدوا بها في
مناقشاتهم وتحديد مواقفهم. وهو ما ذكرنا بالتقليد
المتبعفي أنظمتنا الذي
بمقتضاه يتحول كلام أي رئيس إلى خطاب تاريخي وخطة
عمل،وفي غيبة تقرير سياسي حقيقي
يقدم إلى المؤتمر، فإن اللقاء فقد عمودهالفقري، وتحول مؤتمر
الحركة إلى شيء أقرب إلى مجرد كلمة موسمية.
من العجائب كذلك أن الأعضاء
الذين حضروا مؤتمر الحركة، جرى حشد أعدادكبيرة منهم بواسطة
الأجهزة الأمنية، التي تخيرت أناسا بذاتهم للوصول
إلىنتائج محددة سلفا، في مسلك هو
صورة طبق الأصل لمؤتمرات الاتحاد الاشتراكيفي مصر ومؤتمرات اللجان
الثورية في ليبيا، وفيما علمت، فإن لجنة تحضيريةللمؤتمر تشكلت في عمان،
كان يفترض أن تتولى مسائل العضوية والتقارير التيستعرض على «كوادر»
الحركة، ولكن السيد أبومازن ألغى اللجنة بعدما
بدأتأعمالها بالعاصمة الأردنية،
واستبدلها باجتماع عقد برئاسته في رام اللهلطبخ مسألة العضوية
وفتح الباب لتحضيرها. وكانت النتيجة أن المؤتمر
الذيكان يفترض أن يشارك فيه ما بين
1200 و1600 عضو، حضره أكثر من 2250 عضوا،لم يعرف أحد من أين
جاءوا ولا من الذي رشحهم للعضوية، وإزاء ذلك لم
يكنمستغربا أن ترتفع أصوات شككت
في هوية أعداد كبيرة من الحاضرين، كما شككتفي دوافع اختيارهم.
العجيبة الرابعة أن المؤتمر
الذي يفترض أن يضم كوادر «فتح»، كان طوالالوقت تحت مراقبة صارمة
من الأجهزة الأمنية، التي لم تتردد في قمع أي عضويشك في تجاوبه مع
المخطط المرسوم، وكلمة «قمع» هذه لا مبالغة فيها،
لأنالأخبار تحدثت عن قيام عناصر
الأجهزة البوليسية بالاعتداء بالضرب علىشخصيات مهمة محسوبة على
خط أبومازن. ومن هؤلاء اللواء توفيق الطيراوي رئيسالمخابرات السابق
والعميد أبوحسن الشيوخي (75 سنة) والعميد ماجد
حيمورالذي قدم من الأردن، وقد نقل
الثلاثة إلى المستشفى لتلقي العلاج من آثارالضرب المبرح، الذي ما
كان يخطر على بال أحد.
في ظل استمرار هذا الوضع
أخشى أن يعاني الفلسطينيون مما عانيناه فيأغلب الأقطار العربية،
حين ذهب الاستعمار الأجنبي وحلت محله نخبة «وطنية»
كانت أسوأ منه، ما جعل
كثيرين يتحسّرون على زمن الاحتلال، وها هي سلطة
رامالله التي مازالت تتمسح في
التحرر الوطني، تبشرنا بما تمارسه من «قمعوتدليس» بأنها بصدد
تكرار السيناريو البائس الذي خبرناه.
إن أحلامنا لمتعد تؤجَّل فحسب، وإنما
أصبحت تُجهَض واحدا تلو الآخر.
حق المعرفة فوق
كل الحقوق
جميع الحقوق محفوظة لموقع زيتونة
موقع
زيتونة نافذة مستقلة ليست مسؤولة عن مضمون المقالات التي
تنشر
ولا تعتبر المقالات المنشورة وجهة نظر رسمية للموقع
، بل فقط تعبرعن رأي الكاتب asfook@yahoo.com