بينما كنت أتأمل خلايا
حديقتي المتواضعة الغناء ، جذبني منظر الوردة
الزهرية الوحيدة ، يحيط بها طوق أحمر ، وقد
عانقَتها أمها الشجرة وأمسكَت بها بقوة ، متحدية
عوامل الهدم والتعرية ، وقفت مركزا مشدودا فاحصا
مفكرا ، شعرت أنها تخاطبني بلسان الحال ، ودهشت
لفصاحة خطابها ، قلت كم أنت أقوى من لسان المقال ،
تفحصت كل نبتة وزهرة في مكونات حديقتي ، ولكنها لم
تكن لتقدر من أن تؤثر على قوميتي أو جنسيتي .
لم أتردد ثانية واحدة ، فقد
رفضت قطفها بقوة وكم أسعدني كثيرا وجود مجموعة من
البراعم من حولها تستعد لميلاد جديد .
استسلمت سريعا استسلام
الطفل لثدي أمه وحنانها ، وأعترف أنها سلبت مني
الإرادة ، فرائحتها وجمالها وصفاتها أوقع في قلبي
إيقاعا خاصا ، أدى إلى أن أنجذب إليها بالكلية
جذبة من نوع خاص ، يشبه انجذاب الريح والغمام
لمنخفض جوي مندفع من مكان سحيق .
شعرت أنها تبادلني نفس
الشعور، فقد استسلمت أيضا لي ، فكنت أقربها
وأداعبها وألامس وجنتيها ، أحسست أن ثمة لغة تجمع
بيني وبينها بغير حرف ولا كلمة ولا لسان .
خاطبت روحي روحها، وخاطب
وجداني وجدانها ، وخاطب قلبي قلبها ، ولكنها
سبقتني في الخطاب ، فالفضل يرجع إليها ، لأنها
متمسكة بجذورها التي تضرب في الأرض بعيدا .
عكفت أترجم من عبير فوح
حديث عطرها ، كل لغات العالم التي توارت عن العيون
والأسماع ، إلا لغة واحدة رفضت أن تتوارى عن
الأسماع والأبصار ، إنها لغة هالتها الحمراء التي
تحيط بها وتحضنها وتطوقها بطوق الود والوفاء ،
تقسم لها قسم الديمومة والعهد الذي لا ينقطع صداه
، نموت وتحيى فلسطين نموت وتحيى فلسطين .
كانت تغازلني ، وكنت أحدق
بعيني إليها وهي تنظر مبتسمة ، يبدو على محياها
البشر والسعادة واليناعة ، انطبعت صورتها في أوتار
قلبي ، وتضاريس عقلي ، وخلجات نفسي ، جعلتني أسافر
معها بعيدا ، وأغور معها في سبر الزمان ، أسافر مع
الثوان والأيام والسنين ، أطير وبصحبتي راحلتي .
كنت أبادلها التحية ، وكانت
تنظر إليّ بوجنتيها الناعمتين ، تشير إليَّ
بإيماءةٍ جعلتني أفهم عميق مدلولاتها في ثنايا
روحي ، فوشحتني بوشاح لم أعهده من قبل ؛ لأني عشت
يتيما منذ نعومتي ، فقدت أبي وأمي ولم أكن أذكر من
حياة أبي وأمي إلا النذر اليسير: أنهما تعارفا في
البلاد النائية ..... فلم أشهد لي عما ولا خالا ،
ولا ما نزل منهما ولا ما علا من الأقرباء ، فقد
كنت مقطوعا من شجرة القربى .
جلست إلى جوارها اعزف على
آلتي الموسيقية ، بوتر خيمتي الممزقة البالية إلا
من آثار الطيف والترانيم ، رغم محاولات الرياح
العاتية لقلعها ، أطير بصحبة خيالي إلى عوالم
الأشباح ، وفي ثنايا روحي كل أختام وتواقيع العصر
.
تصفحت عينتي من جديد خلايا
حديقتي التي كانت في قلبي عشرين دونما ، وهي في
حقيقتها عشرون مترا ، كانت تسعني وتسع عيالي
الكثيرين ، كما كانت تتسع لأصدقائي ولجيراني ،
فمكان الضيق يتسع لألف صديق .
استوقفتني هذه المرة
البراعم الوردية ، والتي هي في الغد القريب ورود
يانعة في ريعان شبابها ، وقلت في نفسي : كل شيء في
وقته جميل .
فجأة وجدت نفسي في مكان
بعيد أتلحف في عباءة الصمت ، يدثرني الاستغراق ،
وكأن يدا لطيفة تلقي بي في بحر راكد اشتد ركوده ،
وإذا بطيف نور يطل مداعبا خلجاتي ، يهمس في قلبي
تارة وفي أذني تارة أخرى ، فهل أنا في شك أم يقين
أحقيقة ما يحدث أم خيال .
تطايرت عباءة صمتي التي
كانت تزملني آنفا في الأثير ، تطايرت تطاير أثير
الخمر الآخر في الوعاء المتسع .
وعلى إيقاع ونغم وترانيم
وتسبيحات ، هي في حقيقتها الشاهدة والمشهودة .
نسيت في لحظتها أو كدت أنسى
، من عظيم دهشتي وانفعالي ، أن أمسك باليد التي
أغرقتني في ذلك البحر التائه في ظلمات العصر
الجليدي ، والذي أنساني : هو ذاك البحر العملاق
الذي لا تسعه عبارة ولا تصفه إشارة ولا تحده مقالة
، فهو بحر عميق لا ساحل له ، قَطَعْته وجُلت به
يمنة ويسرة ، شرقا وغربا ، طولا وعرضا ، ذهابا
وإيابا ، سألت أحشاءه وجزيئات مائه وذرات نسيمه
فأيقنت فعلا أنه لا شاطيء له ، مع أنني لم أكن في
شك فالرائد لا يكذب أهله .
تنفست الصعداء ، فكم سمعت
عن بحار وأوحال ومستنقعات ومياه آسنة أغرقت في
أوحال طينها الكثيرين .
اعتليت البحر متحزما بحزام
النجاة ، معتليا زورقا لا يجاريه ولا يدانيه زورق
منذ فجر التاريخ ، رغم أنني كنت أجيد بامتياز
الغوص ، كنت واثقا أن شمسه لا تغيب ، وأن موجه
متقلب بتقلبات الهواء ، فشمرت عن ساعدي وأعددت
عدتي التي لا تفنى من أجل لحظة مواجهة المفاجأة .
وعلى الرغم من وحدتي في
أعماق البحر الذي يتيه في ثناياه كل بحّار لا
يمتلك البوصلة ، ويغرق به كل غواص لا يجيد فن
الغوص والسباحة ، إلا أنني اتخذت من بوصلتي هاديا
ودليلا ، فالبحر هو البحر لا تدركه الأبصار
العمياء ولا القلوب المقفلة الجوفاء .
ولا زلت أبحث عن تلك
الجزيرة في وسط البحر كي أحط عليها راحلتي ،
ولكنني لن أتيه أبدا .
حانت لحظة الوداع والبحر في
قلبي يبني له عرشا وملكا وجيشا ، وكم كنت أخشى على
الوردة وبراعمها من عوامل التعرية ، ومن عبث
العابثين ، وذنوب التائهين ، وأعاصير الريح الصرصر
العاتية .
ودعتها وقد امتقع لون وجهي
، ونحل عود جسدي ، فهي القمر في ليلة اكتماله وأنا
العليل الفقير الحزين أشكو الهوى ، وأصرخ النوى ،
وأقاتل الجوى في أوحال أدغال هزائمهم ، ومن بيني
وبينهم البحر ، من فوقه مصباح يوقد من نور شجرة
خلد السماء ، ودعتها كعروس تنتظر ليلة زفافها تخشى
على نفسها الليل ، وقد رسمنا معا من مداد لون
طوقها لوحة الخلود من تحت ومن فوق البراكين !!!.
ودعتني بحفل صامت ينتظرنا ،
وقد غير مني جمالها كل موقع في كينونتي ، جمال
يقيني ويُغثني من هجير الغد ، على أمل أن نلعب معا
على رمال بحر عكا وحيفا ويافا وسدود والمجدل وغزة
، ونقضي على حمم البراكين .
حق المعرفة فوق
كل الحقوق
جميع الحقوق محفوظة لموقع زيتونة
موقع
زيتونة نافذة مستقلة ليست مسؤولة عن مضمون المقالات التي
تنشر
ولا تعتبر المقالات المنشورة وجهة نظر رسمية للموقع
، بل فقط تعبرعن رأي الكاتب asfook@yahoo.com