لا أحد ينكر الشوط الذي
قطعته الرواية العربية في بناء نفسها على من حيث
المنجز الكمي وتطور المفهوم والوظيفة والتقنية
وإنتاج الأسئلة وطرق الكتابة وتعدد مستويات
المعالجة للواقع ، ولا ننكر أيضا اتساع فضاء
التخييل واستدعاء الميثولوجيا والمورفولوجيا بوصف
المنجز الروائي جزءا لا يتجزأ من المنجز المعرفي ،
وحجم الأثر الذي أحدثته الرواية في المشهد الثقافي
العربي، ولا أحد يتجاهل تسارع الروائيين في اقتحام
التابوهات وإعادة قراءة التاريخ العام بمختلف
أبعاده الإنسانية من خلال ربطه بالتاريخ الفردي
والسيرة الذاتية بوصفها صورة من صور تجليات
الرواية العربية، ذلك أن التقليل من شأن المنجز
الروائي الضخم والمتشعب والمثير أمر غير وارد،
وإنما لا بد من لفت الانتباه في زمن العولمة الذي
وهب صوتا لكل فرد ، وتعززت قيم الاستهلاك والربح
السريع والتفتت مقابل الوحدة التي كانت صورة
مجتمعية ،إلى التحديات التي تواجه الرواية العربية
وخاصة إذا عرفنا أن هذا الواقع الجديد أدى إلى
انشغالها برصد تحولات المجتمع العربي وتصوير هشاشة
هذا المجتمع أمام حركة الآخر المتسارعة والإفراط
في التجديد الشكلي والجري وراء المدارس الحديثة
على حساب جمالية اللغة المستندة إلى وموروث بنائي
خاص.
وبما أن الكثيرين جودوا في
القول بأنه لم يعد الغبار يغلف طبيعة الصراع
العالمي الجديد الذي أثاره باحثون أمثال صاموئيل
هانتنغتون وتناوله في كتابه صراع الحضارات مبينا
مستقبل الغرب وحضارات العالم ومؤكدا أن ما يحكم
العلاقة بين الحضارات هو الصدام وأساسه الثقافة أو
الهوية التي تحكم كل حضارة، فالصراعات العنيفة
التي شهدها العالم بعد الحرب الباردة، من وجهة
نظره، لن تكون بين الدول القومية بل ستنجم عن
الخلافات الثقافية والدينية بين الحضارات الكبرى.
ولا أريد أن أصرف حديثي في ماهية هذا المفهوم
وبيان سر الفكرة المصدرة لنا من الغرب المتناسي
فكرة أن الحضارة الإنسانية الواحدة هي التي أوصلت
الشعوب والأمم إلى ما وصلوا إليه في مجالات الحياة
القائمة على التطور الصناعي والتقدم التقني وغيره
.فقد قادني ما سبق إلى العجب من سرعة ما ورد علينا
من ترجمة لتلك المفاهيم بصورة هجمات تنطلق من
مشروع صريح وبين يستهدف الدين والثقافة والأدب،
فترجم مرة بصورة أفلام سينمائية تتناول شخص السيد
المسيح عليه السلام، وغيرها بصورة رسوم
كاريكاتيرية تتعرض للرسول الكريم صلى الله عليه
وسلم بالتشويه .
لقد أدركت الكاتبة
الأمريكية شيري جونز على سبيل المثال( بعد أحداث
سبتمبر التي وضعت الإسلام على طاولة المساءلة
الأيديولوجية للباحثين عن الحقيقة من جهة، أو
للطائشين الذين فكروا بالانتقام من هذا الدين
اعتقادا منهم بحكاية الإرهاب التي روجت لها
السياسة الأمريكية من جهة ثانية) أدركت أهمية
الخوض في حقيقة هذا الدين وبدأت رحلة بحثها، بوازع
شخصي، في سيرة النبي الأعظم صلى الله عليه وسلم،
ومما لفت انتباهها في سيرته ذلك الجزء الخاص
بعلاقته بزوجاته، فتقرر إعادة تشكيل دور الزوجات
في بيت النبوة بدعوى إنصافهن في عمل روائي تاريخي
بعنوان "جوهرة المدينة" يحكي قصة السيدة عائشة رضي
الله عنها فتتناول الكاتبة من خلاله أدق تفاصيل
حياتها التي تجمعها بالنبي صلى الله عليه وسلم
وتصورها امرأة غيورة ومندفعة ، وتتعرض لحادثة
الإفك وما ترتب عليها من تشويه . لقد وجد هذا
الدافع الشخصي عند الكاتبة من يتلقفه ما دام يثير
مشاعر المسلمين(الآخر)، فاندفعت إثر ذلك بعض دور
النشر لطباعة الرواية كونها صيدا ثمينا سيجلب
ملايين الدولارات ويدق إسفينا آخر في الجبين .
أعتقد أن شيري جونز تعد
بعملها هذا نموذجا لبعض مثقفي الغرب الأمريكي
وأدبائه الذين سعوا إلى قراءتنا (قراءة الآخر) و
(كل من هو خارج الذات القومية) قراءة فاحصة تنبش
في أدق التفاصيل وتكشف مواطن الضعف وتعري الثغرات
ونقاط الاختلاف من أجل صناعة عمل روائي شهير يضع
صاحبه على القمة مباشرة دون قاع ويثير حفيظتنا
فنسهر الليل جراها ونختصم.
وفي سياق لعبة الغالب
والمغلوب يفكر الآخر في صناعة المجابهة ودحر الخطر
الذي يهدد وجوده وفكره ومعتقده بكل الوسائل
النبيلة وغير النبيلة، المشروعة وغير المشروعة
المحرمة وغير المحرمة على قاعدة نقل المعركة إلى
أرض العدو. مقابل ذلك كله كيف نقرأ الآخر؟ وهل قدم
منجزنا الروائي صورة الآخر في ضوء هذه اللعبة التي
تقتحم على الآخر داره (لا كاقتحام "مصطفى سعيد"
الطيب صالح للغرب في رواية موسم الهجرة إلى
الشمال)، هل فتشنا في الحقيقة التي تقوم عليها
حضارته؟ وهل يمكن أن نقرأ رواية عربية ترصد انهيار
الرأسمالية الغربية وتكشف فضائحها المالية
والأخلاقية والعنصرية والاستعلائية الكولونيالية
فنحدث بذلك ضجة عالمية تعيد طرح الأسئلة الكبرى
التي شكلت كيان الآخر ووجوده؟ وهل سيجد الروائي
العربي الجريء ممولا عربيا جريئا يدعم مشروعه
بعشرات الآلاف لتباع بالملايين ؟؟
إن صورة الآخر التي جادت
بها بعض الروايات العربية، في حدود اطلاعي، تتجسد
في بعدين: العداء المتمثل بصورة العدو الغاصب،
والانبهار المتمثل بصورة الأجنبي المتحضر والمتقدم
والمتحرر بالمطلق من المتعقد وقيود الجسد، وكلا
البعدين لا أظنهما يندرجان في باب المجابهة،
فالمجابهة صناعة كما أن الوجود إرادة، وصناعة
المواجهة تبدأ لحظة الشعور بالكينونة الخاصة بنا
والمميزة لنا صوتا وأدبا وشكلا وهوية، فقد آن
الأوان لإعادة النظر بمقولة ابن خلدون "والمغلوب
مولع بتقليد الغالب" إذ لم يعد العالم يتسع لمغلوب
وغالب بقدر ما ينطوي على جريء باحث عن القوة في
ضعف الآخر، وجبنان لا يفتأ يندب حظه العاثر الذي
يعتقد أنه لم يورثه سوى الضعف، فيسعى جاهدا
لمداراة عجزه بالحديث عن قوة الآخر .
حق المعرفة فوق
كل الحقوق
جميع الحقوق محفوظة لموقع زيتونة
موقع
زيتونة نافذة مستقلة ليست مسؤولة عن مضمون المقالات التي
تنشر
ولا تعتبر المقالات المنشورة وجهة نظر رسمية للموقع
، بل فقط تعبرعن رأي الكاتب asfook@yahoo.com