قسم
اللغة العربية – كلية التربية للبنات ـ
جامعة
بغداد
هل تصلح أطروحات علم اللغة
الحديث ونظرياته من حداثة وما بعد الحداثةوالأسلوبية الحديثة
والمناهج النقدية الحديثة درساً وتحليلاً وتطبيقاً
على النصّالقرآني كما هي من غير
اعتبار لخصوصية اللغة العربية والنصّ القرآني
ونظامها الذيينأى عن أنظمة اللغات
الغربية ولاسيما الإنجليزية والفرنسية وغيرهما مما
كانتميداناً ومرتكزاً وتطبيقا
ًللنظريات اللسانية.
إن مناهج الدراسات
اللسانية والنقدية والأسلوبية الحديثةكثيرة ومتشعبة لا يمكن
الإحاطة الكاملة بها وبتفاصيلها ودقائقها(1) أو
تطبيقها كماهي تطبيقا تقليدياً على
النصوص الإبداعية العربية والنص القرآني ، وليس
من وكدناذلك بقدر الإطلاع عليها
وفهمها والاستفادة مما يصلح منها لدراسة النصّ
العربي ولاسيما النص القرآني ،
وانتخاب ما يلائمه من نظريات الأسلوبية العامة
ومناهجهالكونها تطبيقاً ألسنياً على
الأدب او اللغة الإبداعية. والنص القرآني أعلى نص
عربي.
إذن ثمة مشكل فيالتناول الأسلوبي
ومحاذير ينبغي الوقوف عليها. فضلاً عن علمانية
الأسلوبيةوارتباطها بالفكر
الغربي المادي او الديني على وفق العقيدة المسيحية
او العلمانية ،التي تتقاطع مع الجانب
الروحي للنصّ القرآني والنظرة القدسية له وللغةالعربية.
والنقد العربيالحديث متأثر بالنقد
الغربي ومتابع له ومتطفل عليه ولاسيما بالفلسفات
المادية، علىالرغم من تراثه الغني
المبني على النصّ القرآني خاصة. والنقد الغربي
الحديث مبنيعلى نصوص الأدب العالمي
كجان جاك روسو وغيره وعلى إحياء أساطير تبناها
الأدبالمعاصر فإذا كان التقاؤهم في
الأدب الإنساني والتجربة الإبداعية للأديب ، لكنهم
لايلتقون بالرؤية الى النص
القرآني وخصوصيته وارتباطه باللغة العربية ونظامها
المحكمالذي يختلف عن أنظمة
اللغات الأخرى. النصّ المرتبط بالخالق عزّ وجل
(المرسل) وبالجانب الروحي لدى (المتلقي)
و(الرسالة) المنقولة منالغيب.
"ورغبة
من النقد العربيالمعاصر في مواكبة
الاتجاهات النقدية العالمية الحديثة ، حاول ترجمة
هذه الدراساتالنظرية ، وقليلاً ما
قام بتطبيقها بالصورة السليمة والموضوعية على
النصّ العربي ،ومن هنا برزت مشكلة
التنافر وعدم التآلف – في اغلب الأحيان- بين
المادة المترجمةوالإبداع العربي ، بين
المنهج الغربي وأدبنا في مختلف البلدان
العربية(2). ويبدو أنجل الدارسين العرب
ينظرون للفكر الغربي في اللغة والنقد نظرة إعجاب
وإكبار لما شهدهالغرب من تطور في
الميادين العلمية المختلفة. وهذا قد لا ينطبق على
علوم اللغةفالموروث اللغوي
والبلاغي والنقدي العربي لا يقل أهمية عما يقدمه
الغربيونالمعاصرون.
ينبغي
التركيزمن النظريات والمناهج
الألسنية الحديثة على ما له صلة بالمنهج الذي
يستنبط الدلالةمن كل مكونات النص ،
وهذا هو مفهومنا للأسلوبية هنا في الأقل. وهو أقرب
الى مفهومالأسلوبية العربية
الإسلامية ، او الدراسات التي تناولت أسلوب القرآن
الكريممستفيدين من الموروث
البلاغي والدراسات الأسلوبيةالمعاصرة.
يرى كثير من الدارسينالعرب أن للأسلوبية
الغربية جذوراً وأصولاً في الموروث العربي:
البلاغي والنحويوالأدبي والنقدي وفي
كتب الإعجاز التي تناولت النصّ القرآني وإعجازه(3)
وكتب اللغةوالبيان والبلاغة.
قال باحث
: "نظرت في البلاغة
العربية عند القدماء ، فوجدت أن قضايا كثيرة عرضوا
لها بأسماءمختلفة عن قواعد
الأسلوبية الحديثة ونظرية السياق في العصر
الحاضر"(4) وقال آخر "علم
الاسلوب ليس غريباً عن البيئة العربية ولاسيما في
القرنين الثالث والرابعالهجريين(5).
ويرون أنالأسلوبية وريثة
البلاغة وعلم لغة النص ، وهو قول الغربيين أيضا(6)
ولا اعرف كيفيوفقون بين معيارية
البلاغة القديمة وعلمية الأسلوبية وتفلتها من
المعيارية فضلاًعن أنهم ينسبون لكل
ناقد قديم او بلاغي فهماً خاصاً للاسلوب
والأسلوبية فابن طباطباربط مفهوم الاسلوب بصفة
مناسبة الكلام بعضه لبعض وعبد القاهر بتوخي معاني
النحووابن خلدون يجعل "الاسلوب صورة
ذهنية مهمتها مطابقة التراكيب المنتظمة على
التركيبالخاص لأن الصناعة
الشعرية هي بمعنى الاسلوب ترجع الى صورة ذهنية
للتراكيب المنتظمةكلية باعتبار انطباقها
على تركيب خاص"(7).
وجلّهم يعد النظم الذي قال
به عبد القاهر هو الأسلوب ، لذا رأى بعضهم أن عبد
القاهرمؤسس الأسلوبية العربية
، وتناولوا البلاغة القديمة بأسماء جديدة ، من
خلال مشابهةشكلية وتناول تقليدي ،
أو خلط بين المصطلحات القديمة والحديثة(8).
وقارنوا بين عبدالقاهر وسو سير وتشو
مسكي وبالي وكروتشة وغيرهم وعدّوه السبّاقعليهم(9).
ورأى د. لطفيعبد البديع ذلك تلفيقاً
، قال ساخراً: "يضع قبعة هذا على رأس ذاك ويثبت
عمامة ذاكعلى رأس هذا ، ويقول
للأول كن كروتشة ، وللثاني وأنت عبدالقاهر"(10).
ومهما
يكن منأمر فأن خير أنموذج في
تراثنا ينبغي الأخذ به في دراسة النصّ الإبداعي
العربيوالقرآني ، هو ما قدمه
الزمخشري (538هـ) الذي ابتكر طريقة جديدة في تفسير
النصالقرآني لم يسبق اليها(11)
أسسها على علمي المعاني والبيان وتبعه مفسرون
كثيرونومايزال المعاصرون
يحذون حذوها في الدراسات الأسلوبيةالقرآنية(12).
هي أسلوبيةقائمة على النصّ
الإسلامي ، القرآن والأدب الإسلامي المتأسس على
العقيدة الإسلاميةوما تتضمنه من تصور
للوجود(13). تقابل الأسلوبية الغربية المستقاة من
أدبهمومعتقداتهم وفلسفاتهم
وثقافاتهم ولغاتهم الغربية.فالأدب الإسلامي "نابع
من بيئةثقافية مغايرة بل
معادية لأسس الصياغة الثقافية الغربية المعاصرة
التي ترفض الأديانأساساً او تكرس لأخرى.
فهو أدب يقوم على مواجهة آداب عبثية او وجودية او
آدابمسيحية او يهودية صهيونية ،
وكل المذاهب الأدبية تصدر عن بيئات ثقافية
وأيدلوجيةمحددة"(14).
ويصاحب
هذاالأدب الإسلامي نقد إسلامي
ينطلق من الأسس نفسها: (العقيدة الإسلامية وتصورهاللوجود) وترسيخها
وإشاعتها وتعد ما يخالف تلك التصورات(15). وقد
أخذوا على الأدبالمعاصر اتخاذ الغموض
غاية ، ودعوا الى الالتزام الإسلامي والعقيدة
الإسلامية التيتستند الى الوضوح لا
الغموض المضلل والعبث او اللهو والزينة والتفاخر
كما وصفواالأدب المعاصر(16).
إن
الأسلوبيةالعربية الإسلامية خاصة
بتحليل النصّ القرآني ذوقياً وتدبره ومعالجته
فنياًواستنباط المعاني العالية
والبليغة الإيحائية وظلال المعاني او القيم
التعبيرية اواللمسات الفنية
والأسرار البيانية في النصّ الإسلامي تستنبط من كل
أجزاء النصّ: تركيبه وترتيبه ، أصواته
وحركاته وسكونا ته ومباني كلماته وفواصله ،
التذكيروالتأنيث ، التعريف
والتنكير وغيرها.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1
ـعلم
الاسلوب ، فضل 7.
2
ـ
مفهوماتفي
بنية النص 3-4 ، والنقد البنيوي الحديث بين لبنان
وأوربا 383 ومابعدها ،
والمصطلحات الادبية الحديثة 31 وما بعدها.
3
ـ
ينظر:
الأسلوبية والبيان العربي 27، واللغة والاسلوب
15-18 والبلاغة في ضوء الأسلوبية 8-9،
وجدلية الافراد والتركيب 153 ، في المصطلح النقدي
125.
4
ـ
البلاغة في ضوء الأسلوبية ونظرية السياق
7.
5
ـ
اللغة والاسلوب 15.
6
ـ
علم لغة
النص 20-21، 43 والأسلوبية ، جيرو 27-30 وجدلية
الافراد
والتركيب5.
7
ـ
الاسلوببين
التراث البلاغي العربي والأسلوبية الحداثية4،
وجدلية الافراد والتركيب 83
.
8
ـ
الأسلوبية والبيان العربي 5،8،27، والبلاغة في
ضوء
الأسلوبية 5-7 ومحاضرات في تاريخ النقد عند العرب
285-351.
9
ـ
قضايا الحداثة عند عبد القاهر 2 ، 7 ، والابعاد
الابداعية في منهج عبد القاهر 11.
10
ـالتركيب
اللغوي للادب ص (د).
11
ـ
مقدمة
الكشاف 23.
12
ـ
ينظر:
منهج الزمخشري في تفسير القرآن، الجويني 77.
13
ـ
دليل
الناقد الادبي 19.
14
ـ
المصدر
نفسه 21.
15
ـ
المصدر نفسه 19.
16
ـ
مدخل الى الأدب الإسلامي ، د. نجيب الكيلاني 7.
حق المعرفة فوق
كل الحقوق
جميع الحقوق محفوظة لموقع زيتونة
موقع
زيتونة نافذة مستقلة ليست مسؤولة عن مضمون المقالات التي
تنشر
ولا تعتبر المقالات المنشورة وجهة نظر رسمية للموقع
، بل فقط تعبرعن رأي الكاتب asfook@yahoo.com