كثيرا
ما تحتدم المناقشات بيني وبين بعض الزملاء
عن اهمية اثارنا وتراثنا والمنجزات الابداعية التي
قدمتها شعوب بلاد وادي الرافدين
اي العراق القديم للانسانية وتاثير ذلك المفترض
على افكارنا وارائنا وتكويننا
الاجتماعي
والنفسي وخصوصية حضارتنا عن باقي حضارات العالم
الاخرى.وتبدأ
المعركة بالقول: نحن ابناء اليوم وترجمتها بالمصري
(إحنا اولاد النهارده) وان
الماضي لايفيدنا بشيء ولنفكر فقط في يومنا الحالي
وكفانا تخلف في ذكر اننا لدينا
تاريخ عمره ستة الاف سنة او اكثر ويريدون ان نرمي
هذا الارث الحضاري في المزبلة
وربما يؤججون الصراع بين الماضي والحاضر ويبتغون
القطيعة بينهما مسترشدين بما قاله
الشاعر:
ليس الفتى من قال ذاك ابي
ان الفتى من قال هانذا
المشكلة التي
اراها واضحة وضوح الشمس في رابعة النهار هي الهوة
التي تفصل بين ماضي قوي زاهر
مهيمن في فتراته السومرية والاكدية والاشورية
والبابلية وحتى في فتراتها الاسلامية
الذهبية في بغداد وسامراء وبين حاضر ضعيف متخلف
متلق غير مبدع. يريدون من تراثهم ان
يأتي الى حاضرهم ليخلصهم مما هم فيه من محن ومصائب
ومشاكل بدون ان يتعبوا ويجاهدوا
ويثابروا وبدون تضحيات وبدون جرأة ومغامرة في
الحياة قد يكون الموت ثمنا
لها.
السومريون عاشوا زمانهم وابدعوا فيه وكذلك بابل
(ام الدنيا) كما يقول
المصريون على مصر والاشوريون كذلك وثيرانهم
المجنحة والاكديون بنوا اول امبراطورية في
التاريخ، هؤلاء كانوا اقوياء
ازمانهم وكانوا هم الافضل، ليس في المجال العسكري
فقط وهو ما يعتقده الكثير من
الزملاء، بل ان الفكر والعلم والفن الانساني
الراقي هو الذي تم ابداعه لدى تلك
الشعوب القديمة.
ويغفل
الكثير من المثقفين وانصاف المثقفين باننا ان لم
ننسب
منجزات العراق القديم الى اجدادنا الذين سكنوا
بلادنا، فهناك العديد من الشعوب
والدول المجاورة والبعيدة، ستسرق منا هذه المنجزات
وتنسبها لشعبها مفتخرة
بها!!.
وبسبب
جهلنا وتخلفنا اخذنا ننسب بعض المنجزات الحضارية
الى اليونان
والرومان والفرس ولكن الحقيقة انهم اخذوها من
بلادنا وربما طوروها قليلا ونسبوها
لانفسهم، وصيغنا إرثنا، فالمشكلة ليست في التراث
الماضي بل في الحاضر المزري الذي
يجب مجابهته بحب الحقيقة.. حب المغامرة.. حب
الوصول الى الافضل.. حب الابداع.. حب
كل شيء جديد.. حب المخاطرة التاريخية.. الاختيار
الصعب.. انتهاز اللحظة الحاسمة..
استشراف المستقبل.
فالعلة كامنة فينا وليس في تراثنا المجيد.. نحن
غير واثقين من
انفسنا ومن قدراتنا.. الاحساس بالضعف ازاء قوة
الشخصية التاريخية لدى
الاخرين.
قال
الله سبحانه وتعالى: ( ان الله لايغير ما بقوم حتى
يغيروا ما
بانفسهم).
ترى
متى سنغير ما بانفسنا؟ ومتى سنغير حاضرنا
وما حولنا؟؟
الاجنبي.. يحترمك كلما كنت تعبر عن خصوصيتك عن
تراثك عن تاريخك وحتى
عن فولكلورك.. عندما ترقص مثل (مايكل جاكسن)
فستكون حتى موتك رقم(2) والاصل رقم(1)
اما اذا رقصت (الجوبية) فستكون دائما الرقم (1)
ومن يقلدك رقم(2) لاننا سنكون الاصل
وليس الاستنساخ وهذا لايأتي الابوعي (تفاصيل
المحلية) التي طبقها الكاتب العالمي
المصري نجيب محفوظ، فحصل على الجوائز والشهرة
العالمية لانه كتب عن تاريخ بلده مصر
وخصوصيات مصر وحارات مصر وتراث مصر فهل يعي
اللاواعون مغزى ذلك؟!.
واولئك
الزملاء والاصدقاء يستشهدون بالولايات المتحدة
الاميركية وكيف انها لاتملك تاريخا
عظيما وطويلا غير حضارة خيم الهنود الحمر ولكنها
الان هي ارقى واقوى دولة في العالم
وانها لم تعتمد على ارثها الحضاري التليد.. هؤلاء
يقارنون بين تاريخنا وتاريخ
اميركا بصورة غير محقة وغير عادلة والاصح هو ان
يقارنوا بين ما قدمناه وبين ما
قدمته اجيال الولايات المتحدة الاميركية من تضحيات
وحروب اهلية بين الشمال والجنوب
وما بذله السود الافارقة لنيل حقوقهم في القوانين
الاميركية وما بذلته المرأة
الاميركية لمساواتها مع الرجل قانونيا. كانت
الولايات المتحدة الاميركية حتى الحرب
العالمية الاولى بعيدة عن مشاكل العالم كله
استنادا الى مبدأ مونرو ولكن انهيار
العالم في الحرب العالمية الثانية اعطى الفرصة
التاريخية لاميركا والاتحاد السوفيتي
لكي يتسيدا العالم، وهكذا فقد دفعت اميركا الكثير
من التضحيات حتى وصلت الى ما وصلت
اليه الان، انه التحدي والاستجابة على المستوى
العالمي والتاريخي. ولازلنا نحن في
العراق نبحث عن الشخصية التاريخية العراقية
والجدال مايزال محتدما حول (الاسلام..
المسيحية.. العرب.. الاكراد.. التركمان.. العراق..
الامة العربية.. الانسانية..
الحرية والعدالة.. الديمقراطية والقوانين..
العشائر.. مؤسسات الدولة).
نحن
الان
أشبه بالولايات المتحدة الاميركية عند فترة
التأسيس في القرن التاسع عشر الميلادي،
ولاشك بأني أؤمن ان كل شيء ياتي ثانيا ولكن الاساس
يجب ان يكون العراق والعراقيون
اولا.. عندها نستطيع ان نضع النقاط على الحروف
ونبدأ المشوار!!.
حق المعرفة فوق
كل الحقوق
جميع الحقوق محفوظة لموقع زيتونة
موقع
زيتونة نافذة مستقلة ليست مسؤولة عن مضمون المقالات التي
تنشر
ولا تعتبر المقالات المنشورة وجهة نظر رسمية للموقع
، بل فقط تعبرعن رأي الكاتب asfook@yahoo.com