المتابع والمراقب للمشهد العراقي بتفاصيله الدقيقة
والمستحضر لكافة أجزائه يلاحظ اختلافا كبيرا
وتباينا ملحوظا بين نسبة المنجزات المتحققة
والإخفاقات المتراكمة ، فمن الناحية السياسية
استطاع العراق ان يخطو خطوات كبيرة وثقيلة في مجال
تدعيم حكومته الشرعية المنتخبة وإسناد مسيرته
الديمقراطية الجديدة وان يحظى بتأييد سياسي
وجماهيري واسع من قبل دول الجوار والمنطقة والعالم
، كالواقع
الجديد الذي يعيشه العراق اليوم المتمثل بالنجاح
الأمني الكبير المتحقق عقب القضاء على معظم الجيوب
الإرهابية والتكفيرية في مدن ومحافظات متعددة في
البلاد وإفشال مخططاتها الرامية الى تفريق وحدة
الصف العراقي وتمزيق نسيجه المتآلف ، ومع التطور
الهائل في نوعية العلاقات وإعادة تفعيلها مع الدول
العربية والإقليمية وإقامة عقود واتفاقيات سياسية
واقتصادية وأمنية تعزز من طبيعة هذه العلاقات.
ورغم هذه النجاحات الضخمة فأن هناك إخفاقات عديدة
لا يمكن إنكارها أو غض النظر عنها كالضعف الواضح
في الخدمات المقدمة للمواطن من قبل بعض الوزارات
والدوائر الخدمية فالمواطن
العراقي أصبح بحاجة شديدة اليوم الى رؤية نتائج
اختياراته الديمقراطية والسياسية وعلى شكل أفعال
على أرض الواقع تساعده على تجاوز محن العيش
القاسية والظروف الصعبة التي يعيشها من خلال تحفيز
الدولة للوزارات لتقوم بواجباتها المعنية بها وجعل
المصلحة العامة فوق جميع الاعتبارات وإنهاء مظاهر
الاشتراطات والضغوط التي تتم على الحكومة مقابل
تحقيق مصالح ضيقة وفئوية ونسيان مصلحة المواطن،
كما في معظم
دول العالم التي
تقوم
وزاراتها الخدمية بتقديم خدماتها للمواطنين بكفاءة
عالية ونزاهة كبيرة وبأسعار رمزية وتعاونية مدعومة
من قبل الحكومة، فتسعى لهذه الخدمة دونما ان تسبب
أي عناء لهم أو تجعلهم يشعرون بتقصير في مستوى
الخدمات أو خلل ونقص فيها وهي تتسارع فيما بينها
لعرض إمكانياتها وقدراتها وفق ما يتاح لها من
مساحات تستطيع الوزارة أو المؤسسة المعنية ان
تتحرك خلالها وتقدم الترجمة الفعلية لواجباتها
التي يفترض ان تكون في أطار خدمة المواطن فقط
وتتحرك على ضوء ذلك لتصبح أسمى غاياتها وأهدافها
، غير ان وزاراتنا
الخدمية
العديدة
في عراقنا الديمقراطي الجديد قد أجلت
تطبيق شعار
خدمة ورفاهية المواطن أولا وأخيرا وقبل كل شيء
بعد ان
رفعته
طويلا حيث
ان معظم هذه الوزارات والمؤسسات لم تقدم المنجز
الذي تستحق من أجله ان تكون جهات استطاعت توفير
جزءا مناسبا وملائما لتضحيات وصبر الشعب وكفاحه ولم
تتمكن
ان تؤدي واجبها الذي وجدت من أجله على أكمل وجه.
الفترة الماضية من العهود الصدامية البائدة التي
جلبت المعاناة والإهمال المتعمد والخراب الى أبناء
الشعب قد ولت بغير رجعة وانقضت أيامها السوداء
ولذا فلم يعد الإهمال الصدامي السبب الذي يمنع
دوائرنا الخدمية من القيام بواجباتها ولم تعد
للطائفية المهنية والمناطقية من وجود فالكل الآن
هم تحت خيمة العراق الجديد الذي قلب المعادلة
السابقة وجعل حب الوطن معادلته الجديدة والوحيدة ،
ورغم ذلك فأننا مازلنا نشهد ارتفاعا متواصلا
بأسعار وحدات الماء الصالح للشرب الذي يعتبر أقل
خدمة ممكن تقديمها للمواطن في أي دولة حتى وان
كانت لا تحتوي أراضيها على نهيرات مائية صغيرة
اضافة
الى الخلل الكبير في أداء وزارة
الكهرباء التي
فشلت فشلا ذريعا في تقديم خدماتها بشكل مناسب
وملائم لمستوى الميزانية المعدة لها والاعتماد
الجماهيري عليها ، فضلا عن العجز الكبير في عمل
وأداء وزارة التجارة وعدم قدرتها على توفير المواد
التموينية ، وإذا
ما أضفنا اليها نقص الأدوية وعدم توفر سكن ملائم
وغلاء أسعار المواد الغذائية وغيرها فأن المواطن
سيكون أمام موجات متراكمة من الأزمات الإنسانية
والخدمات المعطلة ، هذه المعاناة تركت ثقلا كبيرا
على الحياة اليومية للمواطن وأضافت له عبئا ليس
هينا لدرجة أصبح المواطن معها غير قادر على مواجهة
جميع هذه الصعاب لوحده دون مساعدة وإعانة الحكومة
والجهات ذات العلاقة لأنه في كل الأحوال لن يتمكن
من السيطرة على نقص كل هذه الخدمات مع الارتفاع
الشديد في أسعارها وعدم دعمها من قبل الدولة مثلما
يحدث في معظم الدول الأخرى.
هذه
الأزمات والمشاكل الخدمية لم تستطع الميزانية
الضخمة التي هيأتها الدولة ووعدت في
أكثر من مناسبة ان يكون العام الحالي عاما البناء
والاعمار يكمل بعض ما تم انجازه العام الماضي فبقيت
الآمال الجماهيرية في ان تشمل عمليات البناء
أنابيب المجاري واعمار شبكات الماء لتزودنا بما
نستطيع شربه
وان نرى إنارة كهربائية تنير حياتنا وأمالنا وان
لا نجد معاناة وهموم تذكرنا بالزمن البائد .
اما
الوزارة الاخرى وهي وزارة الكهرباء فقد شمرت أخيرا
عن ساعديها وأوضحت عن خطتها المتكاملة لتوفير
الكهرباء للمواطنين التي أسمتها (خطة عمل لتحقيق
الاكتفاء الذاتي من الطاقة الكهربائية) عندما
أعلنت المباشرة بها خلال الأعوام الثلاثة المقبلة
وبشكل تصاعدي ، هذه الخطة (البعيدة المدى) التي
قامت بوضعها الوزارة مشكورة في محاولة منها لإنهاء
معاناة المواطن الصيفية والشتائية المتجددة غير
القابلة للانتهاء وهي تأتي ضمن مشاريع الوزارة
الحالية والمستقبلية لمراحل تطوير المنظومة
الكهربائية حسب ما تعلن وتؤكد وببرودة أعصاب ناتجة
عن تيار كهربائي وزاري مستمر لا يمر باستمرار على
منازل الغالبية من البسطاء ولا يغنيهم من جوع أو
حر!.
خطط
الوزارة التي تعلن عنها بين فترة وأخرى تشبه الى
حد كبير مسرحية (كهربائية) بفصولها المأساوية
المتنوعة حسب تنوع أمزجة القائمين عليها لأنه لا
يمكن لأي مسؤول يتحسس معاناة وهموم أبناء الشعب
وتطلعاتهم بموسم صيفي بارد ان يبادر الى تصريحات
تشبه الأحلام الى حد كبير وليستمر في إخضاع
المواطنين الى تزمت وجشع أصحاب المولدات التجارية
ورفع أسعار أو قطع التيار البديل.
كذلك فأن الجميع من مسؤولين ومختصين وأناس عاديين
أصبح الآن مقتنعا بوجود ظاهرة جفاف كبرى لم تشهدها
البلاد منذ سنوات عدة ألقت
ظلالها على المحاصيل الزراعية بشكل كبير وأدت الى
تلف المزروعات وتقليص مساحات زراعية متعددة من
الحبوب والخضراوات وتوقف مساحات اخرى عن الإنتاج
وطبعا كل ذلك كان اضطراريا بسبب شحة المياه مما
يهدد بكارثة كبرى وفشل القطاع الزراعي في البلاد
وزيادة مساحات التصحر وحتى أعلاف الثروة الحيوانية
لم تنجو منها ، فقلة الخزين المائي وهطول الامطار
والثلوج من أهم الأسباب التي تقف وراء هذه
التهديدات والتي جعلت القطاع الزراعي في حيرة من
أمره وفي مأزق قد تكون أقل نتائجه نصف الكلام
السابق وأضراره البالغة ويبدو ان الحيرة قد أخذت
من الوزارة مأخذا ودخلت في متاهة ليس سهلا الخروج
منها وقد يكون بعضا من المسؤولية ملقاة على عاتقها
مع وزارة الموارد المائية نتيجة عدم اخذ
الاحتياطات الكافية كخزن الماء والتهيؤ للموسم
الصيفي والزراعي، وبدلا من السعي لتطوير القطاع
وزيادة المساحات المزروعة ودعم السوق بمحاصيل
وطنية من الفاكهة والخضروات لتسد حاجة المواطن
الذي صار يعتمد على المستورد منها ، نجد انها تعمل
الآن على تقليص هذه المساحات كنوع من التدابير
الاحتياطية لمواجهة أزمة شحة المياه وخطر الجفاف
الذي قد يمتد مداه الى أبعد من ان يكون مجرد خطرا
وليصبح كارثة حقيقية خاصة وان الإنتاج في المناطق
الديمية المعتمد على مياه الأمطار بصورة رئيسية لا
يسد الحاجة الفعلية للمواطن ولا يفي بالغرض .
حق المعرفة فوق
كل الحقوق
جميع الحقوق محفوظة لموقع زيتونة
موقع
زيتونة نافذة مستقلة ليست مسؤولة عن مضمون المقالات التي
تنشر
ولا تعتبر المقالات المنشورة وجهة نظر رسمية للموقع
، بل فقط تعبرعن رأي الكاتب asfook@yahoo.com