كان
نظام الحكم في فترة ما يعرف بدويلات
المدن في بلاد الرافدين في الظروف الاعتيادية
نظاماً ديمقراطياً ، حيث كانت السلطة
العامة تتكون من الملك ومجلسين ، احدهما مجلس
الشيوخ الذي يتكون من كبار السن،
والثاني مجلس
المحاربين الذي يضم الرجال القادرين على حمل
السلاح . وكان لهذه
المجالس سلطة اتخاذ القرارات المهمة والخطيرة
كإعلان الحرب وفرض الضرائب ومنح صفة
المواطن او نزعها ، وكان لبعض المجالس صلاحية
انتخاب الملك كما ان لها صلاحية خلعه،
فقد انتخب الملك افوركيش ليتولى عرش لكش بناء على
اختيار هيئة اعيان المدينة،
وعزل حاكم كيش لوكالاندا بقرار من الهيئة ذاتها ،
كما ان كلكامش عندما ترك اور
للحرب اناط سلطاته الى مجلس شيوخ المدينة. اما في
حالة الطوارئ ، كتوقع هجوم معاد
او وقوع فيضان ، التي تتطلب اتخاذ قرارات سريعة
لمواجهة الخطر دون الرجوع الى
المجالس العامة فانها كانت تنتخب شخصية قوية تملك
القدرة على مواجهة الخطر ، عرف
باسم لوكال ، أي الرجل العظيم.
سقوط بابل
وبمرور الزمن عمل هذا الشخص المنتخب
،وخاصة في الاحوال التي يحقق فيها انتصارات كبيرة
، على تقليص نفوذ المجالس العامة
ورجال الدين الى ان تركزت السلطة بين يديه
تدريجياً ،ومن ثم لم يعد باستطاعة رجال
الدين او اعيان المجالس محاسبته او لومه على
افعاله ، وهكذا تحول نظام الانتخاب
الديمقراطي الى ملكية وراثية مطلقة. ويبدو ان
دكتاتورية الحاكم وميله الى الحروب
ادى في النهاية الى سقوط بابل.
وتشير
وقائع التاريخ التي مرت على بلاد الرافدين
إلى عمق المآسي التي تحملها اجدادنا منذ سقوط
الدولة البابلية مروراً بالعصور
الوسيطة والحديثة من تاريخ العراق ، وهم يخضعون
لحكم الاجنبي تارة ولحكم حكام قساة
قادمين من الجزيرة العربية او من سواها تارة أخرى
، حيث توالت على حكم العراق
سلسلة من الحكام الغرباء القادمين من دول وقبائل
بعيدة كان كل همهم اختلاس خيرات
العراق والعراقيين ليتركوهم وقد جردوا من جل خيرات
بلدهم وقد نال منهم الفقر والجوع
والمرض ، باستثناء خلافة الإمام علي عليه السلام
الذي تولى الخلافة بناء على انتخاب
الجماهير له، التي طوقت داره وطالبته بتولي
الخلافة فوافق بناء على اصرارها ، واتخذ
من الكوفة العراقية مقراً لخلافته ، واتسم حكمه
بتطبيق مبادئ الشريعة الإسلامية
الغراء التي تقوم على العدالة الحقة والمساواة بين
البشر فضلاً عن اجتهاده القائم
على العلم الواسع والغزير بشؤون الدين والدنيا
وذلك فيما يستجد من شؤون ووقائع
الحياة ، مما دفع خصومه الذين أقلقهم التفاف أشراف
الناس وبسطائهم وفقرائهم حوله ،
للسعي الى خلق فتن ومؤامرات مستمرة فانتهت خلافته
باستشهاده عليه السلام ، وبقيت
تقاليد حكمه تجربة فريدة وراسخة في عقول العراقيين
لا يمحوها الزمن.
العراق
الحديث
ولم تؤسس الدولة العراقية الحديثة سنة 1921 ، إلا
بعد الاحتلال البريطاني
للعراق وهزيمة الدولة العثمانية ، وتمت ادارة
الدولة الحديثة من قبل ملك عربي من
الحجاز وموظفون عرب وعراقيون ، ومع ذلك فان
العراقيين لم يكونوا محظوظين حتى مع
حكامهم الوطنيين ، فقد لعبت عوامل اجتماعية
وسياسية وطائفية متنوعة في اختيار الملك
وفي نشوء ظاهرة الموظف الذي ينقل من مدينته ليحُكم
في مدينة اخرى ، ولم يكن هَم
اغلب هؤلاء الا ترتيب مصالحهم الشخصية على المصالح
العامة ، فضلاً عن ان اغلبهم لم
يكن بمعرفة بتقاليد وحاجات اهل المدينة ، بل كان
لهم مجتمعهم الخاص الذي يضم
اقرانهم من الموظفين ، وكان التكبر والتعالي
الفارغ وانعدام الثقة هو السمة الطاغية
على هذا النوع من الادارة شديدة المركزية
.
ومن
جانب اخر لم تكن الادارة
المركزية في العاصمة تهتم كثيراً بتمويل المشاريع
والخدمات في مدن العراق الا ما
كان منها ما يخدم اغراض الادارة المركزية كالحفاظ
على الامن العام وتأسيس الاتصالات
والبريد لتسهيل الاتصال مع موظفيها وعساكرها....
فالقرار بشأن اية مدينة من مدن
العراق بيد موظف في العاصمة ولربما لم يكن هذا
الموظف قد رأى هذه المدينة او تلك في
حياته ولم يلتق بأحد ابنائها . فنشأت ظاهرة
العرائض التي يرفعها اصحاب الحاجات الى
العاصمة يتوسلون فيها هذا الموظف او ذلك للحصول
على حق من حقوقهم او لرفع مظلمة
وكان مصيرها إلى سلة المهملات في اغلب الاحوال.
بينما
كانت الادارة اللامركزية
التي تقوم على انتخاب اعضائها من بين ابناء
المدينة حلماً تسعى الحكومات المركزية
المتعاقبة لاسقاطه من اذهان الناس ، ذلك ان نظام
الادارة اللامركزية لا يتوافق مع
نظام الدكتاتورية المطلقة الذي يحصر سلطة اتخاذ
القرار بيد فرد واحد أو بيد فئة
معينة من أعوانه.
وقد
بلغت الادارة المركزية ذروتها في عهد حكم الطاغية
المقبور،
حيث اتخذت الادارة المركزية صورة حكم الحزب الواحد
ابتداء لتتحول تدريجياً الى
حكومة فئوية تقتصر عضويتها على اعضاء الحزب
الموثوق بهم من ابناء مدن محددة ، وعندما
يغضب الطاغية على احد ابناء تلك المدن المحددة فان
المدينة باجمعها تدخل في قائمة
المحظورات ويسرح جميع ابنائها من الخدمة ، وفي
نهاية المطاف تحول حكم الحزب الواحد
الى حكم العائلة الواحدة ، عائلة الطاغية. هذا
باختصار ما يخلفه نظام الإدارة
المركزية ، فما الذي يتيحه نظام انتخابات مجالس
المحافظات ؟
تقدير نظام
الانتخابات المحلية
لانتخابات مجالس المحافظات ايجابيات وسلبيات ، الا
ان
الايجابيات تتفوق كثيراً على السلبيات ، التي يمكن
معالجتها ، ومن الايجابيات
:
1ـ
ان يكون للمدينة مجلس منتخب من اهلها يتولى
ادارتها وخدمة ابنائها ، وهو
الاعرف بالحاجات الحقيقية لابناء المحافظة
وتطلعاتهم وامانيهم المشروعة ، وهو
الاقدر على تحمل المسؤولية الاخلاقية والتاريخية
للقيادة أمام أبناء مدينته من
موظفي العاصمة
.
2ـ
إمكانية الرقابة والمحاسبة ،حيث يسهل على ابناء
المحافظة
محاسبة المسؤول الإداري المنتخب من قبلهم مباشرة
دون حاجة لرفع العرائض والشكاوى
للعاصمة.
3ـ من
الناحية الاقتصادية يتيح نظام انتخاب مجالس
المحافظات وضع الخطط
الملائمة مع مقتضيات الاقتصاد المحلي وإشباع
الحاجات المحلية ، كما ويتيح لأبناء
المحافظة المشاركة في التخطيط لاعمار مدينتهم
وتقديم أفضل الخدمات اليها.
ذلك
ان
ضرورات الإصلاح الإداري تقضي بأن تكون الأجهزة
الإدارية قريبة دائماً من منبع
الحاجات العامة المتنوعة وان تكون متصلة بها
اتصالاً مباشراً حتى تستوعب مقتضياتها
وتحدد سلوكها في ضوء هذه المقتضيات ذاتها لتتولى
اشباع الحاجات العامة وفقاً
للحاجات الحقيقية التي يرغب بها أبناء المحافظة لا
وفقاً لافتراضات موظفي
العاصمة.
4ـ
من الناحية السياسية يهدف هذا النظام إلى تحقيق
ديمقراطية الإدارة
لتسير جنباً إلى جنب مع الديمقراطية السياسية التي
يتبناها دستور الدولة. 5ـ ان
الانتخابات المحلية فرصة قوية لخلق قادة إداريين
وسياسيين نتيجة تجمع التجربة
والخبرة ، ليمثلوا مدينتهم مستقبلاً في مجلس
النواب أو في الحكومة الاتحادية. وعلى
هذا النحو يعتبر هذا النظام بمثابة مدرسة عامة
تقوم بتربية الناخبين وأعضاء الإدارة
المنتخبين ، تربية إدارية وسياسية ، تساعدهم على
إدارة الشؤون العامة للبلد باجمعه
بنجاح.
6 ـ يوفر
انتخاب الحكومات المحلية فرصة للقضاء على الروتين
والبطء في
الانجاز الذي تتسم به أعمال الحكومات المركزية ،
فمهما كان عدد موظفي العاصمة فانهم
لا يستطيعون انجاز كل الحاجات لكل المحافظات
والأقضية والنواحي في وقت واحد ، مما
يضطرهم إلى اللجوء لأسلوب الأفضلية في الانجاز ،
أي تقديم مشاريع معينة وتأجيل
مشاريع أخرى مما يؤخر عملية التنمية في المحافظات.
بينما توفر الحكومات المحلية
كادراً من الموظفين يتناسب وحاجاتها الفعلية مما
يساهم في القضاء على البطالة
المحلية.
7ـ
ان انتخابات مجالس المحافظات تؤدي إلى نشوء علاقات
متوازنة بين
الموظف العام والمواطن ، ويكون الاحترام المتبادل
هو الصفة المميزة لهذه العلاقة ،
فالمواطن هو الذي اختار قيادته المحلية من خلال
انتخابها ، وهو المسؤول عن حسن
اختياره ، ولاشك ان هذا الاختيار سيخلق نوعاً من
العلاقة الحميمية بينهما ، ذلك ان
القائد المحلي بحاجة الى صوت مواطنه ، والمواطن
صاحب حاجة لديه، وباتفاق المصالح
هذا لا يكون هناك سبب للتوتر والتعالي والتشنج.
بينما
تسود العلاقة بين الموظف
المركزي والمواطن المحلي عادة صفة التوتر والتشنج
والتعالي والنفور وعدم الثقة بسبب
عدم انجاز المعاملات او تأخرها لفترات طويلة جداً،
ويساهم هذا الأسلوب في تعميق
الانفصال بين المواطن والدولة ويعزز الرغبة لدى
المواطنين للتخلص من النظام السياسي
برمته.
وينبغي أن تجتمع عدة صفات في القائد المحلي،
كالحكمة والمعرفة وحسن
التدبير والشجاعة وحسن الأخلاق والعفة واتزان
الشخصية... ، ونقول ينبغي ان تجتمع
هذه الصفات ، لان واحدة منها لا تكفي ، فلا يكفي
حسن الأخلاق لوحده او الشجاعة
لوحدها لتكوين إداري ناجح .
ـ
يذهب الباحثون في العلوم الإدارية وأساتذة
القانون
الإداري إلى ان أعضاء الحكومات المحلية قد يتجهون
الى تفضيل المصالح المحلية على
المصالح الوطنية العامة ، مما يؤدي الى ضعف الدولة
، وحل هذه الإشكالية يكون من
خلال مايلي:
أ ـ
تشريع قانون يحكم العلاقة بين المحافظات والسلطة
الاتحادية يحدد
بوضوح صلاحيات السلطة الاتحادية. وقد اختلفت
الدساتير في طريقة تحديد الصلاحيات،
ومن ذلك ان دستور الولايات المتحدة الأمريكية حدد
على سبيل الحصر صلاحيات الحكومات
الاتحادية وترك ما عداها من صلاحيات لحكومات
الولايات الأمريكية.
اما
في النظام
الانكليزي ، فيحدد المشرع اختصاصات الهيئات
المحلية اللامركزية على سبيل الحصر ،
ولا يحق لها ان تمارس أي نشاط جديد إلا بتشريع
مستقل.
ومعيار
هذا التشريع
الصحيح من وجهة نظرنا ،هو أن تكون الصلاحيات التي
تتعلق بالمصالح الوطنية العليا
بيد السلطة الاتحادية ، بينما تكون المصالح
المحلية بيد الإدارات المحلية.
ب ـ
ان تكون الرقابة على مشروعية ونزاهة أداء مجالس
المحافظات من خلال هيئة او هيئات
اتحادية وليس هيئة محلية لضمان الاستقلالية
والحيادية وعدم التعرض للضغوط المحلية
. وهذا
النظام للرقابة متبع في اغلب دول العالم.
انتخابات مجالس
المحافظات:
ان
حاضر العراق ومستقبله لا يمكن ان يكون مشرقاً الا
إذا بني بسواعد
أبناء وبنات الرافدين النشامى ، تلك السواعد التي
بنت سومر وبابل وأشور، يوم كان
لتلك المدن مجالس منتخبة من بين أهلها ، كما تؤكد
الوقائع التاريخية التي جاءت بها
التنقيبات الأثرية ، وبالنظر لتفان هذه المجالس في
خدمة أبناء المدينة وبنائها
لحضارات عظيمة خلدت عبر الزمن ، لقب العراقيون
القدماء الحاكم المنتخب الذي يدير
مجلس المدينة بـ ( لوكال ) أي الرجل العظيم ،
وهكذا قاد الانتخاب قبل اكثر من أربعة
آلاف سنة الى نشوء مدن حضارية كبرى قدمت أعظم
الانجازات للبشرية ولم يكن لها مثيل
في الدنيا إلا بعد ذلك بزمن طويل. وعلى هذا النحو
فان المشاركة في انتخابات مجالس
المحافظات هي واجب وطني ومسؤولية تاريخية كبرى تقع
على عاتق أبناء جيلنا الحالي
لترسيخ وبناء مفاهيم الإدارة المحلية الديمقراطية
، وللمساهمة في إيجاد قادة محليين
على قدر عال من الكفاءة والإخلاص وقادرين بحق على
تحقيق الانجازات الكبرى وإبراز
وجه العراق الحضاري ورفع مصاف العراق إلى مصاف
الدول الكبرى وإدارة خيراته على
الوجه الأمثل لينعم بها جميع أبناء العراق بمساواة
وعدالة.
حق المعرفة فوق
كل الحقوق
جميع الحقوق محفوظة لموقع زيتونة
موقع
زيتونة نافذة مستقلة ليست مسؤولة عن مضمون المقالات التي
تنشر
ولا تعتبر المقالات المنشورة وجهة نظر رسمية للموقع
، بل فقط تعبرعن رأي الكاتب asfook@yahoo.com