مما لاشك فيه إن المناهج
الدراسية هي اللبنة الاولى والاساسية والتي تستقي
منها البنية العقلية محتواها، فالمناهج الدراسية
بالسبة للطفل كثدي أمه الذي يتغذى عليه منذ
الولادة ، فهو البناء المتكامل للمحور التعليمي،
البيئة هي أحد اهم العوامل التي ترتكز عليها
مناهجنا الدراسية، لكن للاسف الشديد هل البيئة
متغيرة، لنؤسس مناهجنا وفق ما تقتضيه أسس بيئية
محيطة بنا؟ أم إننا نحن من يجري هذا التغيير الذي
يؤثر سلباً على أولويات المناهج ، فالمنهج مرتبط
بسياسات دول، الدولة أوبالاخص من يعتلي منصة الحكم
يؤسس لافكاره وذلك من خلال زج بعض الافكار
والمفاهيم والمفردات في مناهج التعليم لتكون جزءاً
لايتجزء من الأفكار التي يحملها الفرد أو المتعلم
، وهذه نظرة ضيقة بالنسبة الى مبادئ التعليم.
النظام السابق حاول بل سعى
جاهداً في تشكيل منهج يحمل ايدلوجيات البعث ، وهذا
مالمحناه منذ الصف الأول الابتدائي وحتى المراحل
المتقدمة من الدراسة، ولن تمتلك شهادات عليا ما لم
تحمل فكراً بعثياً ، ظاهراً كان أو باطناً ، وهذا
ما ظهر جلياً وواضحاً للعيان ، وما نجنيه اليوم ما
هو الا تفاهات المناهج السابقة التي زجها النظام
حاملاً بها أفكاره وهذه أجيالنا قد تربت على
مهرجانات الرصاص والصور المأساوية إبان الحكم
السابق وحتى يومنا هذا .
العبءُ الكبير يقع على
عاتق وزارة التربية ، تلك الوزارة التي تقف مكتوفة
الأيدي حيال مناهجنا التي مازالت تعاني الكثير،
الطفل أمانة في أعناقنا ، ونحن بحاجة الى أن نضمن
له مستقبل أفضل ، ويتحقق ذلك من خلال المنهج
الدراسي الذي ينهل منه الطالب علومه.
كنت في عام 1981 أحد
الطلبة الذين درسوا المرحلة الابتدائية في دولة
عربية، فمناهجهم الدراسية تختلف اختلافاً جذرياً
عن مناهجنا اليتيمة ، فدرس الموسيقى من اهم الدروس
التي ندرسها منذ الصف الأول الابتدائي من خلال
التعلم على السُلم الموسيقي والنوتات الموسيقية
بالاضافة الى كيفية عزف بعض المقطوعات الموسيقية
والتي كانت معلمتنا الجميلة تعزف لنا مقطوعات
سمعية تشدُ أذهان الطلبة بها، اما طالبنا اليوم
فيجهل تماماً معنى السُلم الموسيقي ولا يُجيدُ
العزف على أبسط الآلات الموسيقية، درس الرسم الذي
تعلمته دروسٌ تطبيقية ، الرسم بمختلف الألوان ،
لكن للأسف الشديد درس الفنية في مدارسنا يعدُ
درساً شاغراً ، وحتى إن وجد امتحان في مادة الفنية
فأنت مخير بين موضوعين إما أن ترسم العلم العراقي
أو أن تختار منظراً طبيعياً .
في ذلك البلد تنظم سفرات
الى المتاحف الرسمية وبرفقتنا شخص يشرح لنا أهم
المعالم الحضارية وما تحويه تلك المتاحف، أما هنا
لاتنظم سفرة تغذي عقول الطلبة بل وتُعرف الطلبة
بحضارة وادي الرافدين ، العراق بلد الحضارات ، لكن
طلبتنا يقرؤون في كتب التاريخ عن الزقورة والرُقمُ
الطينية وجنائن بابل المعلقة التي هي إحدى عجائب
الدنيا السبع ونهري دجلة والفرات ، ولكن لايشاهدون
ذلك بأعينهم ، فإذا أردتُ المقارنة فلن يكفيني
القرطاس والقلم بأن أُحصي أوجه الاختلاف الكبير
بين ما درستهُ مبتدأً تعليمي في تلك الدولة
العربية وما أُشاهدهُ اليوم من وضعٍ مأساوي كبير
يحوم حول مناهجنا وطرق التدريس في أغلب مدارسنا.
اعتقد أن ساسة
اليوم هم من يكملون السياسة السابقة بعدم تبنيهم
تغيير المناهج الدراسية واضافة دروس جديدة مثل درس
الموسيقى ومشاغل الرسم والسفرات المجانية للطلبة
للتعريف بحضارة العراق وعدم توفير المناخ المناسب
لاطفالنا الاعزاء، كما اعتقد بأن إرجاع قسم من
ميزانية الوزارة الى وزارة المالية ليمتاز المشرف
العام على الوزراة بالعفة والنزاهة ، بينما تحمل
مدارسنا في طياتها الكثير من المآسي والآلام ،
وعدم صرفها من اجل ترميمها او توسيعها، ماهي إلا
مكمل للشعارات السابقة (يا حوم اتبع لوجرينا)
ولكن بوجه جديد ، ويبقى المتضرر الوحيد هم
اطفالنا المساكين ، دعوة لايجاد مناهج جديدة وفق
اسس تتبنى النمو العقلي للطفل منذ الولادة وحتى
المراحل المتقدمة ونحن بحاجة أيضاً الى كادر
تدريسي يفقه الطرق الحديثة ، ويحمل بين جنباته
قسماً من الثقافة التي هي أساس البناء التكويني
لشخصية الفرد.
حق المعرفة فوق
كل الحقوق
جميع الحقوق محفوظة لموقع زيتونة
موقع
زيتونة نافذة مستقلة ليست مسؤولة عن مضمون المقالات التي
تنشر
ولا تعتبر المقالات المنشورة وجهة نظر رسمية للموقع
، بل فقط تعبرعن رأي الكاتب asfook@yahoo.com