منذ مجيء الدولة العراقية الحديثة في بداية القرن
العشرين وفي كل الوزارات التي تعاقبت على العراق
كانت وزارة التربية أحدى أهم الوزارات التي تتعاطى
مع شريحة كبيرة من المجتمع العراقي ولعلها تكون من
اكبر الشرائح وقد أثبتت جدارة في أدائها طيلة
العقود الماضية نتيجة لرفدها مجتمعنا بالكثير من
الكوادر المثقفة والفعالة والتي كان لها أثر كبير
في حياتنا وما يهمنا من بين هذه الشرائح هو شريحة
المعلمين والمدرسين الذين يتحملون مسؤولية بناء
الأجيال بناء سليما قادرا على تحمل أعباء مسؤولية
بناء الوطن بشكل يضمن لكل الشرائح حق العيش بكل
عزة وكرامة .
إذ لا احد منا إلا وله صلة بسلك التعليم معلما كان
أو متعلما فنحن في كل الأحوال تربطنا مع هذه
المؤسسة رابطة يومية متواصلة وعادة ما تكون
الروابط بين الناس على أساس المصالح المشتركة التي
تهم الأطراف ذات العلاقة، ومن البديهي أن يراعي
الطرفان مشاعر وأحاسيس الآخر لكي تكون العلاقة
منتجة في جانبها الإنساني والأخلاقي. وقديما كنا
نردد ذلك البيت المشهور من الشعر :
قم للمعلم وفه التبجيلا كاد المعلم
أن يكون رسولا
وبالفعل كنا نقف لمعلمينا أجلالا لهم وتقديرا،
لأنهم كانوا يحملون في أعماقهم هاجس المسؤولية
الشرعية والأخلاقية تجاه تلاميذهم وكانوا
يعاملونهم على أنهم الامتداد الطبيعي لهم في
الحياة كما كانوا يخلصون لهم ويحبونهم ويعطونهم كل
ما يمكن أن يكون سببا في نجاحهم وتطورهم ووصولهم
الى المستويات العليا في الدراسة.
وفي مراجعة بسيطة لأنفسنا نلمس هذه الميزة التي
كان يتمتع بها اغلب معلمينا أن لم نقل كلهم . ولكن
ما نراه اليوم هو خلاف كل التوقعات والطموحات التي
كان يرجوها المجتمع من وزارة هي أكثر الوزارات
تماسا معه,ففي غياب الرقابة والمتابعة والمحاسبة
للمؤسسات التعليمية استشرت حالات الفساد الإداري
والمالي بشكل بات يهدد البنية التحتية لسلك
التعليم في العراق بل بدأ ينخر بهذا الجهاز العتيد
وأولى مظاهر هذا الخراب أن بدأ أولادنا ينظرون الى
أساتذتهم نظرة ازدراء واستهزاء وبدءوا يفقدون
مقامهم السامي الذي كانوا يحتلونه كونهم كانوا
يمثلون المثل والقيم والأخلاق ولكنهم اليوم لا
يمثلون إلا الانحطاط والتراجع والفشل وبالتالي
الهدم والخراب لهذا المجتمع المسكين الذي ابتلى
بطبقة من المجرمين والمحتالين والنفعيين الذين
اعتادوا على أكل المال الحرام بابتزازهم لأولادنا
وبشكل يومي إذ لا يمر أسبوع إلا ولهم طلب فمرة
بحجة استنساخ أوراق الامتحانات وأخرى لتصليح زجاج
المدرسة والثالثة لشراء ستائر للصفوف ورابعة
لتصليح أثاث المدرسة وإذا أردنا ذكر الطلبات لطال
بنا المقام ولوجدنا أنفسنا أمام مؤسسات تستجدي
مقومات وجودها من الطلبة وكأنها لا تنتمي إلى
مؤسسة أو وزارة مسؤولة عن تلبية كل هذه
الاحتياجات في بلد عرف بمجانية التعليم وبمرور
سريع في منطقه الباب الشرقي ببغداد تجد أن الوزارة
انتقل جزء منها الى هناك ليباع على الأرصفة كل
أنواع الكتب وبطبعات حديثة ولكافة المراحل كما أنك
ستجد وبسهولة منح اليونيسيف من الحقائب
والقرطاسية معروضة للبيع في حال يحرم منها الطلبة
في المدارس وإذا ما حصلوا عليها فأنها تأتي في
النصف الثاني من العام الدراسي على الغالب وبكميات
لا تكفي لكل الطلبة فهي أن وزعت فأنها توزع على
شكل عينات هذا والأدهى منه أن تطالب بعض المراحل
الدراسية بالامتحان بمادة ولم يوزع عليهم الكتاب
الخاص بتلك المادة وإذا ما اعترض الطلبة فيأتي
الجواب من الإدارة أو الأساتذة أن يشتري الطلبة
ذلك الكتاب من السوق الخاص ببيع الكتب واللوازم
المدرسية .
والأمر من ذلك أننا نسمع ومع بداية كل عام دراسي
جديد أن للوزارة خطط كفيلة بالتغلب على النقص
الحاصل في الكتب و القرطاسية وأن لها معملا خاصا
بصناعة الأثاث المدرسي ويقوم بتجهيز أغلب المدارس
بما تحتاجه .
أيها السادة المعنيون نحن اليوم أمام تفشي اخطر
حالة في المجتمع وهي فساد السلك التعليمي بكل ما
تحمل كلمة الفساد من مساوئ فعلينا الانتباه
لمستقبل أبناءنا ولا نسمح لكل من هب ودب الانخراط
في هذا السلك فمن أراد الدخول في هذا المجال يجب
أن تتوفر لديه الحصانة الأخلاقية والنفسية
والعلمية كي يكون قادرا على أداء مهمته على أحسن
وجه وهذا أمر قد يصعب تحققه في مجتمع أثقلت كاهله
التركة الثقيلة للنظام السابق فعلى من يا ترى تقع
مسؤولية تأهيل الكادر المناسب ؟ بالتأكيد هي
مسؤولية وزارة التربية فمنذ اللحظة الأولى لدخول
الطلاب للكليات والمعاهد التي مهمتها تخريج
الأساتذة والمعلمين يجب أن تبدأ معهم بسلسلة من
الدروس التي تختص بعلم الأخلاق الاجتماعي والتربوي
مدعومة بصلتها بالعقيدة الإسلامية التي ندعي
جميعا الانتماء إليها وهي بنفس الوقت تحفظ
للآخرين من الأقليات الدينية كامل حقوقها كون
عقيدتنا نظام شامل لا يظلم فيه احد كما أدعو
القائمين على المناهج الدراسية للتفكير بشكل جدي
بإضافة مادة الأخلاق كدرس منفصل عن مادة التربية
الدينية وتهيئة من له الكفاءة لتدريسها إذ لا يعقل
ولم ونسمع من قبل أن مدرس مادة التربية الدينية
يكفر بالله العظيم إذا ما غضب من طلابه.
أتمنى على السادة المعنيين أن يكونوا بمستوى
المسؤولية الملقاة على عاتقهم وأن يتقوا الله في
أولادنا وليس أولادهم لأنني على يقين أن غالبيتهم
أن لم نقل كلهم لا تشملهم المشاكل التي ذكرت وإنما
هم أما في مدارس أوربا وأمريكا أو في دول الجوار
وإذا كانوا في داخل العراق فهم في مدارس خاصة
تتعامل بالعملة الصعبة وهذا ما لا يتيسر لغالبية
العراقيين . دعوة للمراجعة أقدمها قبل فوات الأوان
والمثل الأجنبي يقول: (السمك طازج في كل وقت لمن
أراد الصيد) وعملية التغيير ليس لها وقت محدد
وإنما تحتاج الى أرادة محددة .
((أن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم
))
حق المعرفة فوق
كل الحقوق
جميع الحقوق محفوظة لموقع زيتونة
موقع
زيتونة نافذة مستقلة ليست مسؤولة عن مضمون المقالات التي
تنشر
ولا تعتبر المقالات المنشورة وجهة نظر رسمية للموقع
، بل فقط تعبرعن رأي الكاتب asfook@yahoo.com