_ هل أنتَ منفعلٌ ؟
بادرتني عمّتي بالسؤال ووجهها رغمَ ابتسامته يبدو
أشدَّ سمرةٍ . كان الموقف أشدُّ تأثير عليها منّي
.
_ نعم ! .. قلتٌ .
_ سأٌحضر لكِ كلَّ شيء . لن
تحتاج لملابسَ كثيرة ؛ وبحلول عيد الفصح ستكون
هناك .
لذتُ بالصمت . لم أكنْ
راغباً في الكلام : ولم أكن مبالياً سواء وصلت
إلى هناك أم لا . بقيتُ مستلقياً ومصوباً نظري نحو
السقف ، أو متأملاً عمّتي أحياناً ، أو متطلِّعاً
لِلابسات البياض وهنَّ يذرعنَ ردهات المستشفى .
_ لن يبقوكَ طويلاً ؛ أتعرف
ذلك ؟ .. تكلّمت عمّتي
_ كلاّ . .. قلت .
_ ألا تريد الذهاب ؟
_ اذا كنتِ لا تريدينني أن
.....
_ كلاّ ! يجب أن تذهب .
قاطعتني : فالأفضل لكَ سيما وأشعةُ الشمس على
أحسن ما تكون هناك .
_ حسنا .
_ تبدو اليوم أفضل من قبل .
رحتُ أٌسمِعُها ما
أخبروني به فيما راحت تنصت باهتمام ؛ ثم تُردد :
ذلك حسن !! وتسألني سعياً لمعرفة كل ما قالوه .
وما أخبرتها عنه تركَ أثراً وانطباعاً شديدين في
نفسها ... كان التهاب الرئة الذي لازمني قد ولّى
بغضون ثلاثة أسابيع . ألقت عمّتي نظرةً على الساعة
المرتكنة على الحائط . ولّما أدركت قرب انتهاء وقت
الزيارة شرعت باخراج ما جلبته من حاجيات . وضعت
حقيبة يدها على فراشي ، متابعةً تأثير كل حاجة
تستلها : ثمرة البناناس ، حلوى ، عصير البرتقال ،
عصير العنب . رتَّبتها على المنضدة المنتصِبة عند
حافة السرير المجاور لرأسي . كنتُ قد أُطعِمتُ من
الحلويات مرةً واحدة خلال اقامتي في المستشفى .
أمّا ثمار البناناس فكانت تثير شهيتي بحض الأحيان
. حاولت ابداء سروري لكنّي كنتُ من الضعف ما لم
أستطع فعل ذلك .
_ أتحب عصير العنب ؟
- أجلبتِ منه شيئاً ؟
_ نعم ؛ علبة صغيرة .
في الواقع لم أكن أحب
عصير العنب .... حدّقت بي وقالت : إنّه جيد
ومناسب لك .
_ لا تتعبي نفسك ؛ ولا
تجلبي أشياءَ كثيرة بعد الآن .
استمرّت تخرج حاجيات أخرى ،
بسطتها بعيداً عنّي . وللحقِّ أقول أنها لم تكن
تثير اهتمامي لأنّ أفكاري كانت تطوف بعيداً من هنا
.
_ أتيتُكَ بشيءٍ تقرأهُ .
دسَّت كفّها في جوف الحقيبة
مخرجةً كتاباً صغيراً مغلَّفاً بورقٍ أملس وصقيل ،
رُسمت على غلافه صورة زهرةٍ في زهوِ تفتّحها ": "
حكايات من الهنود الحمر " .. رددّت عمّتي .
_ أتصدِّق أنْ ثمّة كتباً
تحكي قصص عن الهنود في هذه البلاد ؟
_ كلاّ .
_ حسناً .. عندك الآن هذا ؛
تسلّى به ولكن لا تقرأ كثيراً .
انتهت الزيارة لحظة رنَّ من
بعيد جرسٌ خافت الصوت فشرع الزائرون ينسلون خارجين
فيما نهضت عمّتي من على سريري ، قائلةً :
_ سأكتب لهم محددِّة موعد
ابحارِكَ إليهم . طبعاً ذلك يعتمد على رأي الدكتور
.... توقفت قليلاً قبل أن تكمل : بأي زورقٍ تود
السفر ؟
_ هيلدا براند .
انحنت ؛ مقرِّبةً وجهها من
وجهي كما لوكانت تبغي تقبيلي :
_ ربّما سيكون هيلدا براند
مرّةً أخرى .
ضغطت يدي قليلاً ثم غادرت
:" سأراك غداً مساءً " ... توقّفت عند الباب .
مالبثت أن غابت خلفه .
وكالعادة ما أن تركتني
عمّتي حتى ابتدأت أفكِّر بحسنِ صنيعها رغم أن
ذاكرتي لم تكن تسعفني كثيراً إذْ الجو المشبّع
بالعقاقير وزرق الابر المتوالي يعكّر عليَّ صفوَ
تفكيري . ومع هذا لا اقدِّر كم هي رائعة عمّتي معي
، وكم كنت المفضّل لديها في البيت . أتذكّر أنها
طلبت حضوري إلى جانبها حالما رحَلَت إلى انكلترا .
أمّا الآن وفي حالتي المرضية هذه ، ونزولاً عند
نصيحة الطبيب ارتأت ارسالي إلى عائلتي مدّة شهرين
بينما استمرَّت تزورني هنا يومياً حاملةً الحلوى
والباناناس والبرتقال ... سحبتُ الكتاب متطلِّعاً
فيه . أدركتُ سرَّ الزهرة المرسومة على غلافه
فابتسمت . كان العنوان مثبتاً منحوتاً بكلمات
سوداء كبيرة في المساحة العليا من الكتاب " زهرة
الهيبسكس " وقصص أخرى . وفي حافته السفلى كان اسم
المؤلف سي.سي . ماثيوس . تمعَّنتُ بالزهرة مليّاً
فعرفتُ أنها لشجرة الهيبسكس ؛ الشجرة التي تنتشر
على امتداد جزيرة " ترينيداد " وعرضها ؛ وفي
مقاطعة " مايارو" تحديداً . لم تكن تثير أحد من
قبل باستثناء مؤلِف هذا الكتاب كما أظن .
في الصفحة الأولى
طالعتني كلمات اهداء إلى " ماريانا " ، ودونها
عبارات لا تينية مقتبسة " ربّما ماريانا قد درست
اللاتينية " قلت في سرّي . أناس كثيرون درسوا هذه
اللغة ؛ وكان كرهي لها يفوق كرهي لعصير العنب
الأسود . الصفحة التي قلبتها أطلعتني على الفهرست
:
1- هيبسكس 2- طريق الشمس
الساخنة 3- شجرة اللاتا 4- عُد إلى الجزر 5-
أسفل النجوم المدارية 6- طعنة حب كارب
أغلقتُ الكتاب ورحتُ أحدِّق في زهرة الغلاف
مجددَّاً . وجدتها تأتلق رائعةً كما لو أنَّ
المؤلف صرف وقتاً من قصة : أسفل النجوم المدارية :
ليرسمها تحت " شجرة البلاتا " ملوِّناً أوراقها
بحمرة الدم الكثيف المأخوذ من " طعنة حب كارب " .
غب مرورها على أسرِّة
المرضى تباعاً اقتربت الممرِّضة من سريري ممسكةً
بالمحرار كعادتها . أنحيت الكتاب جانباً وأنا أعوم
في غمار دهشة أثارتها عناوين القصص في مخيلتي .
يداي ترتجفان قليلاً ما جعلتا الممرضة تبتسم وهي
تدنو مني ، وتدفع المحرار إلى فمي في اللحظة التي
ألقت بنظراتها على الكتاب .
_ هل تقرأ هذا ؟
_ نعم . أجبتُ باحراج سيما
وهي الممرضة التي اعتادت استفزازي بعبارات مضحكة .
_ انظروا إلى هذا الولد
الصغير . قالت بسخرية ، وأكملت : يقرأ قصص الحب .
_ كلا !
_ أنتَ قلتَ لي ذلك . نصوص
تعجُّ بقصص الحب ... هتفت باسلوبٍ مخادع .
_ كلا... كلا ..!
كانت عيناها سوداوين
وواسعتين تطلقان نظرة حاقدة ، وتبعثان وقاحة ظاهرة
. سدرت تقلّب الصفحات . اندفعت في محاولة شرح
الأمر لكنها لم تتح لي فرصةً لذلك واضعةً اصبعها
على شفتيها طالبةً عدم فتح فمي خشية سقوط المحرار
. ألقت لمحةً على ساعتها قبل أن تسحب المحرار ،
محاولةً معرفة ردَّ فعلي .
مالت هامسةً في أذني :
_ هلاّ أعرتني إيّاه ؟
دسسّتُ رأسي أسفل
الوسادة وانفجرت ضاحكاً من دون أن تراني .
وحالما عمَّ الردهةَ الهدوء
وتركتني الممرضة لاتمام دورتها شرعتُ أطالع الكتاب
. ولشد ما غمرتني الدهشة وأنا أقرأ قصة " هيبسكس "
عندما وجدتُ أحداثها ومشاهدها تدور في قرية "
ماريانا " ؛ قريتي أنا بالذات . القصة تحكي عن
فتاة صغيرة يانعة اعتادت المجيء لملىء دلوها من
عيون ماء صافية عبر أرض معشوشبة ، مطلقةً صوتها
الرخيم بغناءٍ عذب لصديقاتها زهيرات الهيبسكس
اللاتي يبادلنها الحب وهي تصف جمالهنّ الساحر .
وكان غناؤها كافياً لجعل الزهور أكثر احمراراً ،
أمّا بسبب خجلهنّ أو لفرط سرورهنَّ . وحالما
تقترب الطيور الطنّانة ** الساعية لامتصاص الرحيق
تُعلمها الزهور بما غنَّت الفتاة . عندها يطلبنَ
من الطيور مقابل اهدائهنَّ الرحيق اظهار المودَّة
لها ، في حين تقدّم الطيور وعداً للفتاة بجعل
الزهور أشد احمراراً وأكثر نصاعة بفعل هفهفة
أجنحتها على أن تستمر الفتاة بأغانيها المؤثِّرة
الجميلة .
تركت القصةُ بعد قراءتها
أثراً عميقاً في نفسي . عادت بي الذكرى للأرض
الخضراء والطريق الممتد عبر أشجار الهيبسكس ،
المنحدر صوب ينابيع المياه الصافية . إنَّ الطريق
الذي كتب عنه المؤلف ماثيوس جعلني أقرَّ أنّه لا
بدَّ وأن يكون قد عاش في قرية " مايارو " ، وأنّه
يعرف تفاصيل المكان عن كثب . جهدتُ في محاولة
تذكُّر شخصاً بهذا الاسم أو فتاة تدعى " ماريانا "
. لا بدَّ وأن تكون هناك فتاة قد مرّت مراراً من
أمام بيتنا ، حاملةً دلوها الصغير نازلةً باتجاه
الينابيع . حاولت استذكار ولو واحدة من أغانيها
ففشلت . لم أكن قادراً على تذكّر أية أغنية .
ينبغي مقابلة ماثيوس والتحدث معه حول أزهار
الهيبسكس الحمراء ؛ وأظنها ستزداد احمرارً لسماع
حديثنا .
قرأتُ القصة أكثر من مرّة ،
وبشعور سعيد وغامر واصلتُ مطالعة بقية القصص
فأعجبتٌ باسلوبها الجميل ولغتها المثيرة رغم
الغرابة التي تغلفها . فقصة " أسفل النجوم
المدارية " تعكس شعوراً غير مألوف للأنوار
المتلألئة في حلكة السماء وارتفاع أشجار النخيل
المنشغلة أوراقه بالحفيف الهامس على امتداد الشاطي
المزبد . وحين قرأتُ " عُد إلى الجزر " بدت لي كما
لو أن جميع هذه الأشياء تدعوني للعودة ! " سأعود
لا محال ! لم أعد قادراً على الامتناع عن العودة .
وما أن تحضر عمّتي حتى أبوح لها برغبتي في الزيارة
. " لكن بعد قراءة قصة " طعنة حب كارب " اعترتني
حالة ارتباك وخجل . اكتشفتٌ أنّي أقرأ عن الحب
فعلاً ولم تكن الممرضة كاذبة .
مررتُ عبر قصص المجموعة
بيد أن " هيبسكس " ظلّت عالقة في مخيلتي ، وجعلتني
أعود لقراءتها كلّما انتهيت منها ، وباتت "
ماريانا " وسي. سي ماثيوس يحتلان حيّزاً كبيراً في
رأسي حتى غدوت سعيداً لعودتي إلى الوطن عبر البحر
مرّةً أخرى . تساءلتُ : هل عبرت ماريانا البحر
مرّةً ؟ " .. ربّما . وربّما هو الذي دفع ماثيوس
لكتابة " عٌد إلى الجزر " . شعَّ ضوءٌ مباغت في
رأسي . غدوتُ متلهفاً لحضور عمّتي . لا بدَّ
ستتذكّر شخصاً في قرية " مايارو " بإسم ماثيوس أو
فتاة باسم ماريانا . غير أنَّ خيبة الأمل أصابتني
عندما أخبرتني عمّتي أنها غير متأكدة من معرفة رجل
يحمل اسم ماثيوس ؛ أمّا ماريانا فربما تكون موجودة
حقّاً . إنَّ أربعة أعوام بعيدةً عن القرية كافية
لأن تٌنسِيها الكثير من الأسماء . انشغلت بإعلامي
أن أهلي متشوقون لعودتي ، وقد وعدوا بأن لا
يجبروني على البقاء عندهم بل سيتركونني أعود إلى
انكلترا . كانت عمّتي واثقة بهم إذ أبرزت أمام
وجهي تذكرة العودة مثلما أخبرتني بتفاهمها مع
الدكتور لاجراء ترتيبات خروجي من المستشفى .
بشعور مفعم بالقوَّة
أدركتٌ أنني مقبل على رحلة بحرية طويلة . كل
أفكاري تطلعت للوصول إلى قريتي ؛ هناك ! سأسير على
طول الطريق المحفوف بأشجار الهيبسكس. لم يأخذ منّي
التفكير بأبي وأمي الكثير ؛ ولم أكن أحس بالحنين
والوحشة لبعدهم عنّي أبداً لأنَّ عمّتي عوضّتني
حنانهم وعنايتهم وزادت . لم يكن للشمس المشرقة
تأثير على رغبتي بالعودة إلا عندما قرأت قصة " عد
إلى الجزر " ، فهي كافية لتذكيري بالدفء وملامسة
الاشعة لبشرتي واسترجاع نسيم الجزيرة المنعش الطري
. وللحق أقول أنَّ فاعلية الدواء والمزايا الجميلة
لقصة " هيبسكس " والقصص الأخرى هي ما جعلت صحتي
تعود والعافية تدخل إلى جسدي .
في الجزر احتفلنا بعيد
الفصح ..
وعيد الفصح هو نفسه وقت
تفتّح زهور الهيبسكس وتألقها . كنتُ كلَّ اسبوع
أكتب إلى عمّتي في لندن من دائرة البريد الذي أصله
بعد اجتاز طريق مشجّر .. وأكتب :
" عمّتي العزيزة :
كم أود لو كنتِ معي
هنا . لقد حدثت تغيرات عديدة في القرية . دكاكين
جديدة أنشئت ، وبيوت حديثة شيّدت ؛ والقار ! حتى
القار ما زال جديداً على أعمدة الكهرباء . المحطة
القديمة عند التل هُدِّمت ، والحكومة عازمة على
بناء مدرسة جديدة . بيدَ أنَّ التغيير لم يزحف على
طريق اشجار الهيبسكس ، ولا حتى ينابيع المياه .
الأرض المتاخمة للينابيع هي .. هي ! خضراء يانعة
تجاورها برك ماء صافٍ وعذب . والمياه جعلت من
ازهار الهيبسكس أشد احمراراً وبهاء .
ما أن شرعت الشمس
باشراقتها النضِرة حتى أدركت زوال " ذات الرئة "
ومضاعفاته . طفقتُ أتساءل في سرّي عمّا إذا كان
سي. سي ماثيوس قد كتب حول هذا المرض . كم راودتني
السعادة لعودتي إلى الجزر رغم الألم الذي يداهمني
لعدم سماعي ومعرفتي بـ سي. سي ماثيوس . لا أحد من
الذين سألتهم سمع عنه . وحين قلت بأنّه كاتب ولديه
مؤلفات أطلقوا ضحكاتهم ، قائلين لا وجود لكاتب
يقطن قرية " مايارو " . سألوني إن كنت في انكلترا
حقّاً ,. أقسمتُ لهم مراراً ؛ ولمّا أيقنوا صدق
قولي قالوا : من المحتمل أن يكون ماثيوس هذا في
انكلترا ، لأنَّ الانكليز مولعون بتأليف الكتب ..
كان جوابهم باعثاً على الألم ! فالانكليز ليسوا
وحدهم الذين يؤلفون ... تساءلتُ : كيف يكون ماثيوس
انكليزياً ويكتب بهذا الاحساس المميز عن الهيبسكس
؟! . هكذا ، ورغم بهجتي وارتياحي لدفء الشمس
وغرابة الليالي فقد ولَّت السعادة هاربة منّي ،
إذء لا أحد يعرف ماثيوس . بل أنَّ أٌناساً قليلون
تذكروني أنا .
رحتُ أتمشّى منحدراً صوب
ينابيع الماء . لم أر ثمة فتاة صغيرة تشدو بصوتها
العذب لزهور الهيبسكس ؛ والطيور الطنّانة ألفيتها
هناك جوار البرك اللامعة نائيةً عن الزهور . حين
أدركت دائرة البريد أبتعتُ نموذج رسالة ، كتبت :
" عمّتي العزيزة :
أنا الآن في الاسبوع
السادس وسعيد جداً لأنّي سأعودُ إليكِ . "
لم تبقَّ سوى أيام قليلة
وأغادر الجزر . كان والديَّ في غاية الانفعال
بسببي ؛ وحتّى أصدقائي قراتُ في عيونهم حزن عودتي
إلى انكلترا . فكّرتُ كم كنت مسروراً لو أنّي
رأيتُ ماثيوس أو التقيت " ماريانا " ؛ أو أني لم
أعرف عنهما شيئاً على الاطلاق .
وهكذا .. وفي ليلةٍ
تركتُ البيتَ يلفّني الحزن والأسى ، منحدراً رحتُ
باتجاه درب الهيبسكس . التقيتُ رجلاً عجوزاً
عائداً بأبقاره . توقفت فادليت بسؤالي إليه .
_ ماثيوس ؟ ... قال متأملاً
لبعض الوقت . لاكَ الاسم بطرف لسانه .
_ كان معتاداً على الكتابة
... قلتُ بشيء من الأمل .
_ معتاداً على الكتابة ؟!
..إيه ... طفق العجوز يتمتم ، وطفقتُ أنا أتابع
عينيه الراحلتين بعيدا ً .
أعرف شخصاً باسم ماثيوس .
كان قارع ناقوس الكنيسة وحفّار قبور أيضاً .
_ كلا ؛ لا يمكن أن يكون هو
. لقد كتبَ حول الـ....
كبّلني الحرج . أردتُ أن
أقول أنه كان يكتب عن الحب ، فتوقّفتُ مترددِّاً
.
_ ماذا ؟ ... تساءل الرجل ،
وأكمل : حولَ ماذا كان يكتب ؟
لمحتُ شيئاً غريباً يترقرق
في عينيه فيما كانت أصابعهُ ترتعش . لم أكن أبغي
تضليله فقلت :
_ لقد كتب حول الحب ...
وأخفضت بصري نحو العشب خجلاً .
_ وماذا عن الحب ؟
صمتُّ فلم أُجِب ...
_ ما اسمكَ ؟ ... سألني .
_ روي .
_ حسناً ، يا روي . الحب هو
كل شيء . فالحياة حب ، والله حب .
كان المكان يلفّهٌ الهدوء
تماماً إلى درجة كنتُ أسمع الأبقار تمضغ العشب
والسلاسل تجلجل بفعل تحرّكها خطوة فخطوة .
_ لا يبدو أنَّ أحداً يعرف
ماثيوس ... قلتٌ مخاطباً العجوز .
_ أظنَّ ........ وتوقف
قليلاً . ثم قال : أظنَّ أنهم كانوا يدعونه بغير
هذا الاسم .
_ ربّما لا يكون هو الرجل
نفسه . لكنّي أعتقد بوجود فتاة .. نعم فتاة صغيرة
.
_ ماريانا ؟ ... بادرني الرجل العجوز متسائلاٍ .
انتفضتُ كالمصعوق !
_ نعم ؛ كان هو الرجل
المقصود ! هل تعرف ماريانا ؟
_اعتدتٌ أن ........
توقَّفَ فجأةً . بدا كأنه يروم تغيير أفكارِه ؛
غير أنّه أكمل : لا أعرف الكثير بالرغم من ذلك سوى
أنها رحلت إلى انكلترا للدراسة .. افتقدها ثم سقط
أسير الهواجس والأحزان . لقد تأسى كثيراً عليها .
كتب لها راجياً العودة فلم تلبِّ رجاءه حتى هذا
اليوم .
_ لماذا ؟! ... صرختٌ بقلبٍ
يختلج . تفرَّستٌ في وجهه فقرأتُ بواعث يأس وألم
تمور في عينيه .
قال كأنّه يكلّم نفسه :
أنتَ لا تفهم الكثير .. أنت .. أنتَ لا زلتَ
صغيراً لا تفقه ماذا يعني مرض ذات الرئة .
آآآآه .. لقد ذويت أنا
أيضاَ . أحسستُ بالضعف فلم أقدر على الرد .
الحقيقة أنّي ما زلتً صغيراً فعلاً ، لكن يعلم
الله أنّي فهمتُ كلَّ ما قاله . إتَّضح لي الآن
لماذا لم تعُد ماريانا ؛ ولماذا أجهش الرجلُ
العجوز بالبكاء .. تذكَّرتٌ " عٌد إلى الجزر " .
أدركتُ أنَّ مرضَهُ لم تقدر كثرةُ العقاقير
القضاءَ عليه .
داهمتني لوامس اغماء وشعرت
كما لو أنَّ الحمّى عادت إلى جسدي من جديد ...
نظرتُ واهناً إلى الرجل العجوز فأبصرته يتطلَّع
بعيداً .. قال :
_ أنا أبكي .. مثل هذا
يحدث بعض الأحيان .
كانت كلماته تخرج
بصعوبةٍ بالغة من بين شفتيه :
_ أنا لا أبكي ؛ ولكن
الكلمات القليلة ليست كافية ولا تعطي الحقيقةَ
كاملةً . ولو كان لديك شيءٌ منها وليس لديك غيرها
فإنَّها الشقاء بعينه .
(*) ولد ميشال انتوني في
ترنيداد إحدى دول الكومنويلث القريبة من السواحل
الفنزيلية . رحل في بداية شبابه إلى انكلترا .
مارس أعمالاً عديدة منها عامل طباعة في وكالة
رويترز ، وعامل في دائرة البريد العامة GPO .
كما عمل في المركز الثقافي البريطاني بعد عودته
إلى موطنه . استعين به في وضع المناهج التعليمية
في بلاده . وقد عالفي أعماله عالم الطفولة وبيئة
وعادات الهنود الحمر . قصته هذه التي نترجمها
مأخوذة من مجموعته " كريكت في الطريق "
له ثلاث روايات منشورة :
1-عودة المسافات عام 1963
2-أيام السنة في فرناندو عام
1965
3-الأيام الخضراء عند النهر عام
1967
(**) الطيور الطنّانة طيور
تصدر أجنحتها المهفهفة صوتاً كالطنين . وهب اذ
تأتي لامتصاص رحيق الازهار بمناقيرها الطويلة
المستدقة فإنها تزيل الغبار العالق بالوريقات
فتجعل الزهور أكثر رونقاً وأشهى .
حق المعرفة فوق
كل الحقوق
جميع الحقوق محفوظة لموقع زيتونة
موقع
زيتونة نافذة مستقلة ليست مسؤولة عن مضمون المقالات التي
تنشر
ولا تعتبر المقالات المنشورة وجهة نظر رسمية للموقع
، بل فقط تعبرعن رأي الكاتب asfook@yahoo.com