رسم جبر زمام صورا للطف
بفطرته،واستلهم من مأساتها كاظم حيدر صور الاحتجاج
على الطغيان بأسلوبه الحديث ،وبين هذا وذاك تبقى
مدرسة الثورة الحسينية ،عالما من الإبداع الإنساني
والجمالي الخلاق،فجبر زمام اسم غائر في طيات
النسيان إلا أن ذكراه تمر لاقترانها بعوالم احياء
واقعة الطف في مدينة الثورة (الصدر)في بدايات
السبعينيات ،حيث نبتت طفولتنا على وقع طبول موكبه
الذي ينطلق من داره التي كانت تحفل باجواء تبهر
الناظرين ،وقد حولها الى مشغل عامر بالشيب والشباب
وكل يعمل على الإعداد للعاشر من محرم على أمل عرض
تلك الواقعة بكل فجائعها وآلامها على وفق ما يسميه
الجميع (بالتشابيه) وهي كلمة اجدها متوافقة تماما
مع الطبيعة الادراماتيكيه لتلك الأعمال الإبداعية
الفطرية بكل تقنيتها وتقبلها والانجذاب إليها ،حيث
ينجذب إليها الجميع دون فرق بين مثقف او غيره ،كنا
نتابع حركة الممثلين في تلك الدار وقد يلفنا شعور
بقدسية تلك الشخوص كونها تمثل أبطال الطف ،أزياء
تختلف بألوانها عن الأخرى ،أحدهم يرتدي لامة حرب
وقد توشح باللون الأخضر الزاهي والآخر كان كهلا
والآخر شابا يرتدي ثيابا بيضاء تحف به الزهور
والشموع ،وصعاليك يرتدون الوانا حمراء ويعتمرون
قلنسوات من ورق لماع ،انهم جيش ابن سعد الذي
يتقدمهم بعقاله المرعز وعباءة صفراء يتبختر بها
،فيثير لعائننا وحنقنا عليه وعلى جنوده الذين
راحوا يغيرون على تلك الثلة من الفتية ذوي
الألوان الخضراء ويصل بنا الحال الى ان يزيد حنقنا
عليهم وكأنهم خارجين من جوف التاريخ حاملين راس
سيد الشهداء(ع).
كان جبر زمام رساما يرسم
صور الطف وقد كانت رسومه تلك لا ترقى إلى مستوى
الحقيقة باي حال لكننا كنا نراها تعبّر عن
مكنوناتنا وكنا نتأملها كأنها جزء من الحقيقة ،وقد
رسخت في ذاكرة الكثير منا وعدت اول مشاهداتنا
الفنية ،كحال التشابيه التي تجاوزت المدارس
المسرحية المعروفة ،وقد يعجز عن تصنيفها
الأكاديميون فهي لا تنتمي باي حال سوى لذاتها
الإبداعية ولطراوتها التي تلهم الروح ذلك التوحد
الوجداني مع الحدث حاضر وماضيا ،فبالقدر الذي تعيش
فيه أجواء المأساة على وفق الصور المتواضعة تقنيا
،الا ان ذلك يفتح في الذهن نافذة تطل على الحدث
التاريخي بكل جوانبه التي عكستها القصة الكاملة
لمقتل الحسين كما رواها أرباب المقاتل ،او كما
اللفها شعراء المنبر الحسيني وخطبائه.
واستفاقت شهوة القتل
والطغيان في النظام البعثي بعد ان وجد ان الثورة
عليه كامنة في تلك التصاوير البريئة والأصوات
النائحة والمواويل الذبيحة ،وان الحسين مازال يوقظ
في المضطهدين روح التصدي للظالمين امثال يزيد
وجنده ،فأرادوا محو هذا العالم الأزلي في الحب
الحسيني وما يعنيه من كونه أوتاد الثبات على
العقيدة المحمدية الخالدة بخلود ذكراه ،وهكذا
منعوا المواكب الحسينية في مدينتنا التي تخرج
بالرغم من ذلك كله بمسيراتها المليونية الصامتة
التي تبتدي من اخر بيت فيها وتنتهي عند مرقد سيد
الشهداء في عرصات كربلاء برغم القتل والاعتقال
والمنع الذي يستنفر فيه الجهاز الحزبي والأجهزة
الأمنية والمخابراتية ،وكلما طال امد ذلك النظام
كلما زاد إصراره على منع إحيائنا لذكريات الطف
،وزدنا تمسكا وتعلقا بحسيننا وصوره .
في اواخر السبعينيات كان
اخر موسم للمواكب الحسينية في مدينة الكاظمية
،وقدر رفعت عدد من السيارات صور لراس الحسين عليه
السلام ،ذيلت بتوقيع رسام مصري اسمه حسن اللبان ،
لم تكن من النمط الفطري في الفن ،وانما كانت تمتلك
أرقى عناصر فن (البورتريه) بل تنتمي لفن عصر
النهضة المعروف لدى الفنانين التشكيليين ،اشيع
بانها نسخة لصورة راس تعزى إلى سيد الشهداء(ع) قد
رسمت من قبل أحد الرهبان ،وقد استقدمت يوم الثالث
عشر من محرم عام1961 من القرن الماضي وهي مرسومة
أو منقوشة على رخام ،وقد أعيدت فيما بعد إلى
مكانها في أحد المتاحف الإيطالية على ما
اعتقد،كانت ملامح مقدسة تطل على الرائي فتذهله
بالسمات الرائعة والقسمات الجميلة لذلك الراس الذي
لم يغير الموت فيه شيئا على حد وصف اللعين يزيد له
حين وضعوه بطست من الذهب بين يديه ،منذ اكثر من
سبعة وعشرين عاما وما زالت ملامح تلك الصورة تجول
في خاطري ،ويا حبذا لو بحث عن اصلها في العراق او
في المتاحف العالمية مالم تطالها يد الطغيان .
لقد تغير الزمان وانتصرت
مظلوميتنا بالحسين (ع) وتطورت أدواتنا ووسائل
التعبير ،وإذا كان الفنان العراقي قد استلهم واقعة
الطف ولو بصورة غير مباشرة ،كون جميع مدركات
الإبداع تنغمر في الذاكرة وتكون فيما بعد مصادر
الالهام الذاتية ،الا ان كاظم حيدر قد استوحى صرخة
احتجاجه على الظلم بتجسيده صورة القتل كما صورتها
الذاكرة الفطرية التي هي اصدق تعبيرا من غيرها ..
حق المعرفة فوق
كل الحقوق
جميع الحقوق محفوظة لموقع زيتونة
موقع
زيتونة نافذة مستقلة ليست مسؤولة عن مضمون المقالات التي
تنشر
ولا تعتبر المقالات المنشورة وجهة نظر رسمية للموقع
، بل فقط تعبرعن رأي الكاتب asfook@yahoo.com