عندما لا يكون ثمة مفرّ من علاقات
الحرب والسلام بين الدول
بقلم : مطاع صفدي
عندما لا يكون ثمة مفرّ من علاقات الحرب والسلام
بين الدول، فإن البحث عن مبدأ العليَّة في التسبّب
بالحرب، بالنصر أو الهزيمة، وبالسلام وشروطه
وديمومته، تبدو في منتهي الصعوبة. ليست هناك سلاسل
من الأسباب والنتائج محددة الاتجاه، وتسير كلها
هكذا في خط مستقيم، حسب إيقاع التوالي والتتابع
بين الوقائع.
ففي فلسفة التاريخ الحداثية، يكاد يستعاض عن مبدأ
العلية وحيدة الاتجاه، بمفهوم الشبكية التي تتيح
تحقق شروط أخري لا يوفرها مفهوم العلية
الكلاسيكية. إنها الشبكية التي تنفلش جوانبها
دائماً، وتتعدد حلقاتها في متسع من المساحة
الحديثة، متعددة الزوايا والأبعاد. فالحدث يصير من
طبيعة تركيبية خاصة بعناصرها وعواملها، غير
البارزة كلها بذات الشدة والوضوح. لذلك فالمؤرخ
العصري راح يحاذر من اعتماد أسلوب النظرة
الإجمالية المبسطة الذي يتوخي في محصَّلته التوصل
إلي تحديدات علّية، يصفها بالمطابقة الكاملة مع
واقعها. هكذا مثلاً يتخبط كتَّابٌ ومعلقون عرب في
محاولات إعطاء لوحات تعليلية للأحداث ذات البعد
الوطني والتاريخي الفاصل.
هنالك التسارع في ادعاء الكشف عن معالم الحقيقة
وأسرارها، واختزالها ببعض ظواهرها الفاقعة. كما
يكون التسارع أشد وأخطر أحياناً في تعيين صارم
للأسباب، ومن ثم في تحديد المسؤوليات، وإطلاق
الأحكام الكلية القاطعة. طابع الجزافية في التحليل
واستخلاص النتائج لا يعرقل الفهم فحسب، بل يوجهه
إلي ما يغاير تماماً طبيعة الحدث الأصلية، وحتي
إلي ما يتعدي حواشيه القريبة والبعيدة. هكذا يموت
الحدث وتموت معه حقيقته وذكراه. ليس ثمة بحث جديٌّ
حتي الآن حول ظاهرة الانتكاب المستدام المصابة به
خاصة صيرورة الحرب والسلم العربية. إنها الصيرورة
الملازمة تماماً لإيقاع النهضة العربية الثانية
المعاصرة لنا. وفي هذه البرهة التي تتذكر بعض
الصحافة المكتوبة والمرئية نكسة الخامس من حزيران
1967، بمناسبة مرور أربعين عاماً علي وقوعها،
يلاحظ القارئ أو المستمع كيف تتدلّي الآراء
العبثية من كل جهة، وتتنافس الأقلام والألسنة في
صرعات اللغونة اللفظوية. كأنما النقاش المستمر
والحوارات الفورية إنما تدور كلها حول أحداث لم
تقع، أو أنها وقعت ثم اندثرت. ولم يتبقَ منها إلا
بعض ذاكرة مجرحّة مثلومة لدي الجيل الذي عاصرها.
وهو نفسه سائر نحو الغياب يوماً بعد يوم.
أما الأجيال الأربعة أو الخمسة التي تتالت بعد
النكسة فإنها لا تعرف نكبة الهزيمة العسكرية 1967،
كما لم تعرف سابقتها الهزيمة الوجودية مع انزراع
إسرائيل (1948). لكنها عاشت عقابيل الحدثين
الكبيرين عبر سلسلة النكبات الفرعية التي مُنيت
بها النهضة في مساريْها العسكري والسياسي. قد لا
تكون أسباب هزيمة السابع والستين أهم أو أخطر من
التداعيات التي خلفتها طيلة المستقبل النهضوي
الآتي بعدها. فهذا المنعطف التاريخي المشؤوم لم
يفصل ما قبله عما بعده، أي لم يمحُ ماضياً معيناً
من أجل مستقبل مختلف، بقدر ما ضاعف من قوي الأسواء
السابقة، وطوّر إمكانياتها التدميرية، بحيث غطَّت
مختلف مسارات النهضة للعقود الأربعة التالية. فلم
تثبّت فقط مصيرَ الهزيمة العسكرية كحقيقة محسومة
لكل حرب أخري قادمة بين النهضة وعدوها الاسرائيلي
والغربي؛ لم تفرض علي كل نشاط سياسي قادم بعدها
تبعية اضطرارية للحالة العسكرية القائمة فحسب، بل
جذّرت في عمق الحراك التاريخي الكياني للنهضة
مركّباً نفسوياً بل أنطولوجيا مرضياً، يمكن
الاصطلاح عليه تحت تعبير مُركَّب الانتكاب
المستدام. هذا لا يعني أن النهضة لن تتمكن من
تنميةٍ ذاتويةٍ أخري، إلا وهي ساقطة مقدماً تحت
طائلة المركَّب الانتكابي هذا، بل يعني أنها لن
تظل عاجزة عن بناء تلك الذاتوية الأخري تحت طائلة
مركّب آخر مضاد، يكون تراجيدياً، يكون إنتاجياً
حافلاً بجدلية حيوية، لا يكون عامل السلب فيها
قاطعاً نهائياً؛ بل حافزاً علي توليد طاقة جديدة
إيجابية، لن تظل بدورها في منجاةٍ عن أعطال
المحاولة والخطأ، لكنها قادرة في المحصلة علي
اكتساب سجل الحقبة التاريخية لصالحها، أو علي
الأقل التمكّن من تحييده. مُركَّبُ الانتكاب
المستدام تدعمه شواهد الاخفاقات المجتمعية الشاملة
التي تجاوزت المسار العسكري إلي السياسي، إلي
الثقافي فالإنساني عامة. إنه مفقِّس الفواجع من كل
نوع، وأخطرها نوع الفاجعة التي يمتنع فهمُها، إلي
درجة أن تغدو كذلك ممنوعة علي الفهم. وما يعينه
الفهم ليس مجرد الإحاطة بأسبابها واستخلاص أو
توقّع نتائجها فحسب؛ إنه الفهم الذي يعين موقع
الفاجعة من خارطة الحدثان العام الذي أمسي يلفّ
الواقع النهضوي العربي. ويستبق مستجداته، يجهض
متغيراته من وعودها المنتظرة. نوع الفاجعة
المسيطرة هي التي لا تُسقط نظاماً منخوراً بالقمع
والخيانة، أو تدمر سياسة مجبولة علي الخديعة
والفساد والغدر بالناس ومصائرهم، أو تتناول
أوضاعاً دولتية جائرة. لقد أضحت الفاجعةَ الآكلة
للشعوب، التي تصير الآكلة للحومها بالذات.
فالفاجعة الحقيقية في هذا الحدثان النهضوي المغدور
هو هذه الإعلانات اليومية عن المزيد في الإجهاز
علي السياسة واستبدالها بالمزيد من الفتن الشعبوية
الدموية. لم تعد ثمة علاقات مبادئ أو أفكار أو
مواقف تربط الجماعات الفاعلة علي أرض الواقع، أو
تحدد مواقعها بالنسبة لبعضها. فإن موت السياسة لا
يفضح فقط إفلاس العقل النهضوي من جيل كامل من
الأفكار الفاشلة التي أخفقت في دحر ثقافة الفواجع
من أي عدو ظاهر أو خفي قد أتت وحلَّت واستقرت، حتي
أضحت نسيجاً شريكاً مطابقاً لنسيج النهضة عينه؛ إن
موت السياسة يفسر استقالة المجتمع من روابط
المبادئ العامة الجامعة لمكوناته الثقافية
والبشرية، وانقلابه علي معانيها ورموزها نحو ما
يعاكسها، ويُشرْذِم هذه المكونات، ويحيلها إلي
مواقع جبهوية مضادة لبعضها. المستنقع العراقي
يتمدد جغرافياً، ليغطي كل يوم الجديدَ المريع من
مساحة الدم المهدور. شارع الاقتتال وحده يصير رمز
المدينة العربية المنكوبة من بغداد إلي غزة،
وبينهما بيروت الراقصة دائماً علي حوافي الهاويات؛
ومهدداً كل مدينة أخري بأدوارها الدموية القادمة.
هكذا يبدو أن أفعال الموت هي المرشحة وحدها لتطغي
علي أفعال العقل والنطق والتواصل الإنساني. لم تعد
الجماعات تقرأ البيانات أو المراجع أو تنتظر حروف
الصحافة اليومية أو التلفزية. صار الهلاك عابراً
متجولاً تحت نوافذ الناس.
هناك ارتداد جماعي نحو الصمت، إلي ما وراء النوافذ
والجدران.. لن ينفع التعبير في رسم أو إيضاح ما لم
يعد بحاجة إلي أية كلمات من ألسنة باتت متحجرة في
قيعان أفواهها. بدائل الكلام والحوار والسماع هي
فظائع الشوارع الفارغة إلا من عملاء الموت وأربابه
وضحاياه. الحاضر العربي يعيش سلالات منحدرة من جذر
الانتكاب المستدام، منذ نكبتيْ الأربعينيات
والستينيات، الوجودية والعسكرية. هذه السلالات
فضلاً عن عجزها في التمرد علي أصولها البائسة،
فإنها فرّعت أصولها هذه إلي ما لا نهاية، إلي ما
لا يُحدُّ من قاموس الأسماء السوداء والحمراء. لم
تعد مجرد ذاكرة للماضي الحزين؛ أعادت تشكيل العقل
العربي بأبجديتها المنطوقة بألفاظٍ مخادعة
لمعانيها الأصلية. تكاد تصير الذاكرة الخائنة
لودائعها المنهوبة، لتاريخها المنسيّ. لعل أسوأ ما
في النكبة ليس وقوعها وقضاؤها المحتوم فقط، بل هذا
العجزُ المتمادي عن الانفكاك من أسار منطقها عينه
وتداعياته المتلاحقة. فإن المتغيرات التي تلت
الهزيمة أواخر عقد الستينيات، جاءت علي شكل موجة
من الانقلابات العسكرية المتواقتة (سورية والعراق
وليبيا والسودان).
كأنما اصطناعها كان يحمل ذلك التبرير العبثي
القائل أن الردّ علي الهزيمة العسكرية لن يكون إلا
من جنسها عسكرياً فحسب. لكن المشكلة كانت أعمق من
ذلك بكثير. فالجيوش لا تحمل قوتها بذاتها إلا بقدر
ما تعكس قوة المجتمع الذي كوَّنها وحشدها. هذه
البديهية سرعان ما طغت عليها الأيديولوجيات بالصخب
اللفظوي وحده. فكان اختراع الدوغما الأحادية
سباقاً في احتلال ساحة الفكر الموجه، قبل أن يُتاح
لبعض هذا الفكر أن يتبين ملامح أولية لما تعنيه
صحوة الوعي الجذري. إنها الصحوة التي ينبغي لها
ألا تدين العدو القاهر وحده دون أن تحاسب الضحية
كذلك عن مسؤولية ضعفها، وكونها الضحية أبداً. ذلك
إن مركَّب الانتكاب المستدام يوحي بأولوية العلَّة
في الذات قبل أن تكون في الآخر. لكن الكشف عن هذه
العلل الخفية كان يحتاج إلي ذلك النوع الآخر من
الكفاح الإنساني الأصعب الموصوف بالمدني، والذي
طالما جهلته بل تجاهلته معظم الطلائع الحركية
والثقافوية، المأخوذة غالباً بعصمة الأيديولوجيا
ضداً علي كل نقدٍ أو مراجعة جادة، قد تُوصمُ
بالتحريف والخروج علي التماسك العقائدي أو
الانضباط التنظيمي. فقد أثبت التاريخ الذاتي
للنهضة المغدورة أنه كلما تراكمت الإخفاقات
العسكرية مع العدو الخارجي تضاعفت أخطاء السلطة
المطلقة الباحثة عن العدو الداخلي. هذه المعادلة
قد ترقي إلي مستوي قانون وضعي، يفسر حقبة
الانقلابات في الستينيات، الموروثة للديكتاتوريات
المستمرة، حتي المنعطف الراهن، حيثما تتساقط أقنعة
الأدلجات عن وجوه السلطات المطلقة، لتكشف عن كونها
هي مكمن الأخطار الحقيقية، بعد أن بلغت حدّ إنتاج
الخطر الأعظم المتمثل في انهيار الدولة وشرذمة
المجتمع تحت أنقاضها، وتحقيق تلك النقلة البنيوية
الخبيثة من حروب الجيوش علي الحدود إلي حروب الفتن
الداخلية علي الحدود المصطنعة بين فئات الشعب
الواحد. عندما لا يتبقي مجرد تعايش ما، أي تعايش،
ما بين مكونات المجتمع وهي علي أدني درجات البقاء
الخام، عندما تفقد حسَّ الوحدة في الدفاع المصيري،
وحتي في حسّ التضامن الغريزي ضد العدو المشترك،
ينعدم هكذا كيان المجتمع بمعناه الإنساني والمدني،
لينحدر إلي مجاميع مخلوقات لا وجه لها ولا لسان،
أو عنوان. إنه مجتمع الناس الذين كانوا معلومين
عند ذواتهم، الذي يهبط إلي مجاميع من المجهولين.
فالقتل المجاني كما يعدم الجسد فإنه يمحو اسم
الجسد وهويته. شارع الاقتتال وحده يصير رمز
المدينة العربية من بغداد إلي غزة إلي بيروت،
مهدداً كل مدينة أخري قابعة تحت السلطة المطلقة،
بأدوارها الدموية القادمة..
حق المعرفة فوق
كل الحقوق
جميع الحقوق محفوظة لموقع زيتونة
موقع
زيتونة نافذة مستقلة ليست مسؤولة عن مضمون المقالات التي
تنشر
ولا تعتبر المقالات المنشورة وجهة نظر رسمية للموقع
، بل فقط تعبرعن رأي الكاتب asfook@yahoo.com