بعيدا عن الوصف المعتاد
الموجه للسياسة العربية بالانحرافات عن جادة
المصالحالحيوية لدولها
ومجتمعاتها، وما يترتب على ذلك من رمي هذه السياسة
ورموزها الكبيرةبالخيانة والعمالة
ومشتقاتها الرائجة، بعيدا عن هذه العادات
(الشعبوية)، قد تتدخلالملاحظة العلمية لتكشف
انه ليس هناك حقا ما يسمى بالسياسة العربية.
فالمصطلح هواولا من العمومية وعدم
التحديد بحيث يصعب ايجاد مرجعيات لظواهره العرضية
المبعثرة. فالاصح هو القول انه ليس ثمة
سياسة داخلية او خارجية لاي دول عربية. ذلك انه لاتوجد سياسات لمجرد قيام
سلطات حاكمة.
ما تعنيه سلطة حاكمة في
المجتمع المتخلف،هو الاحتياز المادي
الاحادي على مؤسسة القوة القاهرة وحدها التي
تحتكرها الاجهزةالامنية والعسكرية. ومع
ذلك فالحكام العرب يمارسون تصرفات فوقية هي أقرب
الى ردودافعال على منبهات او
تطورات حدثية، في الداخل او الخارج؛ تمس مصالح
السيطرة علىالحكم، ومراكز النفوذ
في قمته.
هذا ما يُعبر عنه بشخصانية
الارادة الخاصة فيقضايا الشأن العام.
لذلك تنتفي السياسة حيثما لا تمثيل للشأن العام في
المراتبالعليا للسلطة. ههنا
تتمحور اشكالية الفكر الديمقراطي في مختلف مذاهبه
واطوارهالتاريخية، امام ترجمة
مبدأ حكم الشعب لذاته، الى مصطلح الديمقراطية
التمثيلية، ايحكم الشعب بجزء منه،
باقلية عددية من حيث الكم، لكنها صالحة معنويا
لانعكاس ارادالكل في قرارات افرادها
وتصرفاتها، هذا هو الشرط الوحيد والصعب الذي يجب
توفره فيكل مجتمع حر متقدم، من
اجل تسويغ حكم الاقلية العددية للاغلبية، كما لو
كانت هذهالاغلبية تحكم نفسها
بنفسها. لكن التجربة المديدة او الغاصة بالدروس
القاسيةلتمارين الديمقراطيات
في الغرب، وطنها الاصلي، اثبتت استعصاء هذه النقلة
الدقيقةبين الحضور الفعلي
لكلية المجتمع وحضوره الترميزي عبر ممثليه
المنتخبين، حتى لوتعافت العمليات
الانتخابية من مختلف امراضها واعطالها التنفيذية
المعروفة، فيالتزوير والتحريف
والتشويه الخ... فالاعتراضات العلمية
والايديولوجية علىالديمقراطية التمثيلية
كانت في معظمها تقترح حلولا عملية او نظرية على
اشكاليات هذاالترميز التمثيلي
وصعوباته المفجرة لثورات القرنين السابقين في
اوروبا خاصة.
كانالفكر الاشتراكي هو
المتصدي الاكبر والدائم لاعطال الديمقراطية
التمثيلية، لم يجدلها حلولا من طبيعة
سياسية او اصلاحية ابدا، فقد رأى فيها تجسيما
تحريفيا لاعطالمتغلغلة في عمق البنية
المادية لكيان المجتمع (البرجوازي). لقد جاءت
الماركسيةبمقولة الصراع الطبقي،
فهي العقبة الكأداء المانعة لسلام العملية
التمثيلية. لنيُتاح لأغلبية القاعدة
الهرمية أن تختار ممثليها الحقيقيين، وأن تنهض بهم
إلىمستويات أجهزة السلطة إلا عبر
الطبقة البرجوازية المسيطرة على أسباب معيشة
المجموعالأكبر من المجتمع
المعاصر؛ ما يعني أنه في ظل التراتب الطبقي لن
تكون حريةالاختيار متكافئة
تماماً مع ما يراه الفرد صواباً، وتعبيراً حقيقياً
عن مصلحته منضمن مصلح الطبقة التي
ينتمي إليها. هذا الانتماء لا يرجع إلى إرادة
الأفراد، بل هوسابق عليها ومحدد سلفاً
لخياراتها.
وإذا كان الانقلاب الصناعي
قد أنشأ تراتباًطبقياً مختلفاً، أخرج
المجتمعات الزراعية السابقة في الغرب من نموذج
الاستقطابالرأسي بين ملاك الأرض
وفلاحيها، وقد ظهرت المدن الصناعية ذات الكثافة
السكانيةالعالية، لتفرض استقطاب
العلاقة بين أصحاب المصانع المستحدثة وجماهير
عمالها. وبالتالي تلاشت الانتماءات
الفرعية الأخرى، من مثل العائلة والجهة والعقيدة،
وحتىالعنصر إلى حد ما. خلاصة القول
أن النقد التقليدي الموجه إلى الديمقراطية الغربيةلم يفقد شيئاً من قوته
البرهانية. ولم تؤثر في وضوح ثوابتها مختلفُ
التحولاتالجذرية التي مرَّ بها
المجتمع الصناعيُّ في الغرب. سوف تفرض بداهته على
مشهدية كلتشخيص موضوعي لأصول
الكوارث والأزمات العاصفة بالنظام الرأسمالي.
العودة إلىالماركسية التي رفع
الإعلام الغربي كل أشكال التحريم بتداولها دفعة
واحدة مع انفجارفقاقيع النيوليبرالية،
لا تعني انبعاثَ تقديرٍ جديد لمقولاتها، بقدر ما
ترسمإسقاطاً لبعض الأوهام الحاجبة
لحقائق الواقع. هناك بوادر اعتراف ضمني وعلني إلى
حدما، لدى الكثير من محترفي
الادعاء بوظيفة السيطرة على الرأي العام واحتكار
توجيهه،انه لم يعد ثمة مفر من
تقويض حتمية الاعتقاد بإعجاز الرأسمالية وقدرتها
(السحرية) على حل معضلاتها بنفسها. لا
مندوحة من مغادرة أسْر الاقتصادي بالاقتصادي وحده،والتوجه نحو الميدان
الاجتماعي، قبل أن تنفلت قواه المجهولة من قبضة
ضوابطه الفوقيةالمعتادة.
الولوج مجدداً إلى حقل
المعالجات الاجتماعية لا بد له من الاصطدامأولاً بشريانها الحيوي،
أو عمودها الفقري المحروس بأيديولوجيا
الديمقراطية،الموصوفة حتى اليوم
بالتمثيلية. فاليوم، وتحت وطأة الأزمة، لن يبقى
التساؤل حولصدقية هذا التمثيل مجرد
ترف تنظيري. لا يكفي ترداد الادعاء الجاهز أن
تقدّم الغربكان محروساً دائماً
بنظامه الديمقراطي، باعتباره هو البرهان الحاسم
على صدقيةتمثيله لتاريخانية هذا
التقدم، بعَثَراته ووَثَباته المتسلسلة من بعضها.
لكن سرعانما يتصدى له النقد
الأحدث، الذي تتشكل عبارته الفلسفية كما يلي:
ولماذا لم يكن عالمالرأسمالية المسيطرة
على الانسانية منذ قرنين وأكثر، بأفضل مما وصل
إليه اليوم،مستجراً وراءه فواجع
الحروب بأنواعها كإيقاع ثابت لمختلف نقلاته،
مقترناً في كلمنعطف، بتصاعد الكوارث
البنيوية، وصولاً إلى الذروة المنتظرة، كما تتجلى
بوادرأعراضها تحت مصطلح انفجار
فقاعة النيوليبرالية- الذي ليس هو مصطلحاً
خطابياً، أوعرضاً تاريخياً عابراً،
بل صار كاشفاً معرّياً لجوهر الرأسمالية. ليس
جوهراً، بقدرما هو الإكراه
باللصوصية العلنية، وفرض حمايتها سياسوياً، تحت
طائلة التكاذبالاجتماعي والانصياع
الطوعي لسلطان الانخداع المعمم، باسم المجاميع
الغُفْل من أيشخصية مفهومية أو
اعتبارية سوى ما يُطلق على بعض ظواهرها المتوهمة،
من ألفاظالأفضليات الزائفة،
كالحرية والشطارة المتذاكية والفردانية الناجحة
دائماًإلخ..
الفكرُ العلمي، وليس
اليساري وحده، لا يفتأ يكرر انتقاداته للديمقراطيةالتمثيلية، بسبب عجزها
المتفاقم عن عكس المصالح الحيوية لكلية الهرم
الاجتماعي،وليس لقمّته الغنية
فحسب. فإذا كانت حدة الصراع الطبقي قد تغلّب عليها
نظامُالضمانات الاجتماعية في مرحلة
الازدهار التي عاشها الغرب الأوروبي خلال الثلاثينعاماً الذهبية من أواخر
القرن الماضي، وكانت لها أسبابها الخارجية الناجمة
عناحتكار الغرب لمنافع الموجة
الاستهلاكية الطاغية على الأسواق العالمية في تلكالفترة، والمصدَّرة من
مصانعه أولاً، فإنّ هذا النظام من الضمانات هو
الذي سيصاببتجفيف موارده مع تعميم
شبح البطالة، وعجز الدول الغربية أخيراً عن اجتراح
حلولحقيقية (للكساد العظيم) القادم
لامحالة؛ كما بدأ بعض الخبراء يعترفون ببوادره،
وإنعلى استحياء من الإقرار بالعجز
عن رده. فقد انتهى مؤتمر القادة السياسيين للدولالصناعية، المنعقد في
إيطاليا خلال الأسبوع الماضي، إلى البرهنة مجدداً
على هذاالعجز، تحت كليشهات
القرارات الدبلوماسية المستهلكة شكلاً ومضموناً.
وذلك لعلةأساسية، كامنة في
استهلاك الطبقة السياسية الحاكمة لمقدراتها
التقليدية على مواجهةالأزمات المعتادة
سابقاً؛ فهي مطالبة اليوم بالتغيير الأعظم قبل
استفحال الكسادالأعظم. ذلك التحدي
القَدَري هو فوق طاقتها، وإلى أجل غير معلوم.
ذلك هو أحدالمصائر الرهيبة الذي
تنحدر نحوه حضارة الديمقراطيات الغربية. كانت
ديمومتها مستمدةمن سيطرة نظامهاالرأسمالي، الأحادية،
على الاقتصاد العالمي. كان نموذجها التاريخيهو في الحفاظ على بنية
المجتمع المفرط في غناه. ما يسمح بتوزيع حصص منه
منظمةبعقلانية فوقية صارمة، على
قاعدته الهرمية الأوسع، وبما يجعلها تخرج من إطارالبروليتاريا المعدمة،
صاعدة إلى مستوى الطبقات الوسطى، أو البرجوازية
الصغيرة،التي من شأنها التحول
إلى شريك ثانوي في النظام، بدلاً من الصراع المطلق
معه؛ كانتتلك الشراكة الوهمية هي
جوهر الحل الذي ابتكرته الرأسمالية الغربية خلال
صراعهاالمصيري مع الكتل
الاشتراكية، حينما كادت الأحزاب الشيوعية تكتسح
أوروبا الغربيةنفسها بعد الشرقية
والوسطى. فكان الإقرار بحدود معينة من سلم الحقوق
الاجتماعية،مصحوباً بتحولات نقدية
في الفكر الاشتراكي آنذاك، بمثابة نشر وهم
أيديولوجي جديدحول إمكانية انتصار
الديمقراطية التمثيلية على بعض أعطالها البنيوية،
الظاهرة فيمحدودية تمثيلها الشامل
والفعلي لمصالح الغالبية العظمى، وجعل ممثليها
الفعليينقريبين من مقامات
السلطة التنفيذية والتشريعية.
ما تـعنيه هذه الموجة
الصاعدةمجدداً وراء العود إلى
الماركسية في أوسـاط طبقية متنوعة من مجتمع
الرعاية نفسهالمسؤول عن غيبوبة
الفكر الاشتـراكي وانحلال منظماته النضالية خلال
العقود الماضية،هذه العودة لن تخلق
تعلقا شعبويا ودوغمائيا بالحرفيات الماركسوية التي
تغلبت علىمسرح الصراع العقائدي
اواسط القرن الماضي، لكنه هو الانفتاح الثقافي
القسري علىرؤية الواقع، وتجاوز
بعض اوهام الانخداع الذاتي بألاعيب النيوليبرالية.
انها مراجعةثقافية بالدرجة الاولى.
لا بد لها ان تتمتع بأعلى جاهزية نقدية، لا يبدو
ان الفكرالغربي الراهن ناهض الى
مستوى تحدياتها العقلانية غير المسبوقة، في هذا
الموقفالمرتبك من هجوم صاعقة
الازمة. حتى الان يفرض الرأسماليون، بمساعدة
حلفائهم من (خبراء)
الاقتصاد والمال، حصارا حول الازمة، مانعا كل
الآخرين من التعاطي معظواهرها. يسري هذا
المنع خاصة على قدماء الفكر اليساري الديمقراطي.
كما ان حالالاحزاب الاشتراكية
تعاني من شيخوخة مستديمة منذ عقود. اما
الديمقراطيات العربيةفهي لم تولد بعد لتشيخ،
ولكن لتمضي خارج اليوم والغد معا.
ما يتبقى في المشهديةالكارثية هي جموع
العاطلين عن العمل، المتزايدة بارقام عشرات الآلاف
مع كل صباحومساء من هذا الزمن
الغربي الرديء، هنالك الخراب والامل، وعلى العالم
العربيالسلام.. او انتظار
المعجزة.
حق المعرفة فوق
كل الحقوق
جميع الحقوق محفوظة لموقع زيتونة
موقع
زيتونة نافذة مستقلة ليست مسؤولة عن مضمون المقالات التي
تنشر
ولا تعتبر المقالات المنشورة وجهة نظر رسمية للموقع
، بل فقط تعبرعن رأي الكاتب asfook@yahoo.com