في العالم ألف طريقة لخلع
الديكتاتور، وفي مصر طريقة عزرائيل. وقد تأخرت عناأقدار الله، ولحكمة
يعلمها وحده، وتراخت مواعيد الختام.
في ايلول (سبتمبر)
2011، يكون الرئيس
مبارك على عتبة عامه الخامس والثمانين، وربما يمد
في رئاسته ـ إنعاش ـ فوق ثلاثين سنة
يكون قضاها في الحكم، وربما تنسحب فكرة التمديد
الأبدي، وتفسحالمجال لفكرة التوريث،
ويتقدم جمال مبارك لثلاثين سنة أخرى بعد ثلاثينية
الأب،وربما لا يسع الابن أن ينتظر
إلى الموعد المقدور، ويتعجل إتمام خطة توريث
الرئاسةرسميا، وعلى نحو ما
يبدو في دفع الابن ـ ومماليكه في الحكم ـ إلى حل
ما يسمى مجلسالشعب، والتبكير بإجراء
ما يسمى بانتخابات البرلمان وانتخابات الرئاسة،
والبدءبتنفيذ مذبحة شاملة
للتخلص من نواب الإخوان والمعارضة الراديكالية في
البرلمانالحالي، واستقطاب أحزاب
المعارضة الصورية، وتوزيع حصص ديكورية عليها،
ومقابل تطوعرؤساء أحزاب المعارضة
الصورية للقيام بأدوار الكومبارس في انتخابات
رئاسة عبثية،وتكون الخطوة النهائية
في التنصيب الرسمي لجمال مبارك، وبوسائل خداع بصري
توحيبتنظيم انتخابات، بينما القصة
كلها مجرد تعيين بالأمر العائلي المباشر.
وسواءجرى التعجيل بالتوريث،
أو جرى التأجيل، ومد رئاسة مبارك الأب، فإننا نكون
بصددجريمة سياسية كاملة الأوصاف،
وغصب لمقدرات البلد، وإمتداد بالبؤس إلى مستقبلها
بعدحاضرها، و'تحويل مصر وأهلها
إلى عزبة عائلية خاصة ' على حد تعبير بيان أخير
صدر عنائتلاف المصريين من أجل
التغيير، والأخير تحالف سياسي راديكالي، ويضم حركة
كفايةوحركة شباب 6 نيسان (إبريل)
وحزب الكرامة وحزب العمل وحزب الغد ومنظمة
الإشتراكيينالثوريين وحركة اليسار
المقاوم، بالإضافة لعدد كبير من الشخصيات العامة
وكبارالصحافيين والأدباء والمفكرين،
وعدد مؤثر من القيادات العمالية والفلاحية وقادةالإضرابات والهبات
الإجتماعية المتواترة في مصر.
فهل ثمة طريقة للخروج بمصر
منالشرك العائلي؟، وتحريرها من
وضع الرهينة لمطامع الأب ومطامح الابن؟، لا نتحدث
هناـ بالطبع ـ عن طريقة عزرائيل،
فالله وحده هو صاحب السلطة فيها، وهو يقرر ما يشاء
فيالوقت الذي يقدره، وبغير تعقيب
ولا تثريب، ونحن نتمنى للرئيس مبارك طول العمر،
لكنليس في منصب الرئاسة الذي شاخ
على كرسيه، والعالم يعرف طريقة التنحي الطوعي عنالحكم، وهي لا تبدو
واردة في مصر الآن، فلا أحد يتوقع أن يتنحى الرئيس
ويترك الأمرللشعب، لن يفعلها مبارك
إلا إذا ترك الأمر لابنه، أو إذا تزايدت الضغوط
عليه فيدائرة الحكم الضيقة،
ودفعته لإستخلاف جنرال يعود بمصر إلى الدائرة
اللعينه نفسها،والسبب ـ في مثل هذا
التوقع ـ لا يعود إلى طبع العناد المعروف عن
الرئيس، بل في (التناحة)
العقلية والاجتماعية التي انتهى إليها نظامه
المعلق، وبغير قواعداجتماعية وسياسية تسند،
وبتعويل مفرط على عصا أمنية متضخمة متورمة، وبصورة
فقد معهاالنظام حساسيته
السياسية، وتحول إلى ما يشبه الشخص الهارب من حساب
التاريخ، فوق ماجرى من جرائم النهب
العام، والتي يخشى مبارك بسببها أن ينتقل إلى قفص
الاتهام، إنهو ترك قصر الرئاسة،
فهو يريد أن ينتقل من القصر إلى القبر فلا يسائله
أحد،والمعنى:
أنه لا توجد طريقة لاقناع
الرئيس بالتنحي الطوعي لصالح الشعب، وقد ينتظرالحصول على ضمانات
يوفرها حكم ابنه أو حكم الجنرال، وربما لا يستريح
للضمانات، ولايطمئن إليها، ويفضل
القعود على رقابنا إلى ساعة الأجل المحتوم.
وفي الدنيا طريقةأخرى مشهورة للخلاص من
الديكتاتور، كالأمل في تنظيم انتخابات برلمانية
ورئاسيةعامة، وكفالة حقوق
الترشيح، وتوفير ضمانات لجدية وصحة الانتخابات،
وهذه طريقة انتهتإلى الحائط المسدود في
مصر، أما كيف؟، فالجواب في تعديلات الدستور التي
جرىالاستفتاء عليها صوريا في 26
آذار (مارس) 2007، قبل هذا التاريخ، كان يمكن
الحديثعن تزوير منهجي
للانتخابات في مصر، وعن أمل يراوغ في الاستناد
لضمانات الاشرافالقضائي الكامل، وفي
التعديلات إياها، جرت الإطاحة عمليا بشرط الإشراف
القضائي، فقدألغت تعديلات المادة
(88) لزومية الإشراف القضائي، ووضع قاض فوق رأس كل
صندوقانتخابي، وقصرت وجود القضاة
على اللجان العامة دون الفرعية، وهو ما يعني ـ
بالدقة ـاستبدال الإشراف العملي
لضباط الشرطة بإشراف القضاة الذي كان قائما، أضف
إلى ذلكفوضى الجداول
الانتخابية، وسيطرة جماعات البلطجة الرسمية،
والعزوف الجماعي عنالتصويت، وعادة التسويد
العشوائي للأصوات أحياء وأمواتا، وكلها ممارسات
ساريةومؤكدة بمئات ـ بل بآلاف ـ
الأحكام القضائية للمحاكم الإدارية ومحكمة النقض،
وفيانتخابات الرئاسة تبدو القصة
أفدح وأكثر إثارة للسخرية، فتعديل المادة (76) منالدستور يتحدث عن
انتخابات رئاسية تعددية، ثم يعود فيلغي ـ عمليا ـ
فرص وحقوقالترشيح، ويحجبها عن
الثمانين مليون مصري، ويقصرها صوريا على عشرات
محددين بالاسم،ثم يقصر حق الترشيح
الجدي على اثنين فقط، الرئيس مبارك نفسه أو من
يرشحه مبارك،والسماح للآخرين ـ فقط
ـ بلعب أدوار الكومبارس، ومقابل أجر معلوم هو نصف
مليون جنيهمصري في صورة مصاريف
دعاية، فالترشيح المتاح مقصور ـ بالجملة ـ على
رؤساء أحزابالمعارضة الصورية التي
ينشئها النظام أو يسمح بها، وعلى أعضاء الهيئات
العلياللأحزاب إياها، وهي
أحزاب موجودة بترخيصات أمنية تملك الإدارة أن
تلغيها بجرة قلم،وفي أي وقت تقدره،
وخارج دائرة الأحزاب الميكروسكوبية، فلا أحد من
الثمانين مليونمصري له حق الترشيح،
فتعديل الدستور يشترط ضرورة تزكية 250 عضوا نيابيا
لأي راغب فيالترشيح من خارج
الهيئات العليا للأحزاب إياها، تشترط موافقة 65
عضوا من مجلسالشعب،45 عضوا من مجلس
الشورى، و140 عضوا من المجالس الحلية في عشر
محافظات علىالأقل، وقد جرى تزوير
انتخابات هذه المجالس بالجملة، وحجز مقاعدها ـ
بنسبة التسعتسعات ـ لحزب الرئيس،
وهو ما سيكتمل مع إزاحة ما تبقى من المعارضين
الجديين فيانتخابات مجلس الشعب،
وسواء جرت مبكرة، أو في موعدها المقدور نهاية
2010، والمعني: أن قصة الانتخابات انتهت في
مصر، وتحولت بالكامل إلى تعيينات إدارية، فلا
ضماناتجدية، ولا حقوق ترشيح،
وبعد أن جرى تزوير الدستور نفسه، وتفصيل نصوصه على
المقاسالعائلي.
وربما تتبقى طريقة أشار
إليها البيان الأخير لائتلاف المصريين من أجلالتغيير، وهي إدارة
حوار واسع مع كافة أطراف المعارضة السياسية
والإجتماعية الجدية،وكلها ـ بالطبع ـ في
وضع الحركات المحظورة رسميا، وبقصد التشاور
والتجهيز لإعلانبديل رئاسي وحكومة
ائتلاف وطني، ليس بهدف الدخول في انتخابات معلومة
النتائج سلفا،ولا بهدف كسب فرصة ترشح
مستحيل للرئيس المقترح، بل بهدف صياغة بديل معلن
للرأيالعام، والدخول في منازعة
مفتوحة بطول وعرض الشارع المصري، وبطريق وحيد
مفتوحللتغيير بتصعيد المقاومة
المدنية والعصيان السلمي، وإعداد البلاد لمرحلة
انتقاليةتعقب الانهاء السلمي
للنظام الحالي، وفي المشاورات المبدئية، يجري
التركيز علىإختيار شخصية عامة تصلح
لدور الأب أو الرئيس الانتقالي، ومن خلفية قانونية
أو علميةمحايدة لا تستثير
استقطابا سياسيا، ومن نوع د. محمد البرادعي الذي
ترك مؤخرا منصبهكمدير عام للوكالة
الدولية للطاقة الذرية، أو د. محمد غنيم، وهو طبيب
مصري مرموق ذيسمعة عالمية، أو
المستشار طارق البشرى القاضي والمفكر المرموق الذي
دعا المصريينمبكرا لإعلان العصيان،
والأخيران من الموقعين الأوائل على البيان
التأسيسي لائتلافالتغيير، وتتسع قائمة
الترشيحات المفضلة لعشرات من رموز تيار استقلال
القضاء، ومننوع زكريا عبد العزيز
وأحمد مكي ومحمود الخضيري وهشام البسطويسي نواب
رئيس محكمةالنقض، وتوجد ـ بالطبع
ـ عشرات بل مئات الأسماء الأخرى، وربما الأهم من
الاستقرارعلى اسم بعينه، أن
يتقبل الاسم نفسه مخاطر الدور، وأن يحتمل ضرائبه
الثقيلة، وأنيكسب عواطف الشعب
المصري في معركة النهاية مع ديكتاتور مصر المزمن.
حق المعرفة فوق
كل الحقوق
جميع الحقوق محفوظة لموقع زيتونة
موقع
زيتونة نافذة مستقلة ليست مسؤولة عن مضمون المقالات التي
تنشر
ولا تعتبر المقالات المنشورة وجهة نظر رسمية للموقع
، بل فقط تعبرعن رأي الكاتب asfook@yahoo.com