الديمقراطية والتنمية وحقوق
الإنسان بين إحباط المواطن العربي وأغلال النظام
الرسمي
أ.
د. علي سعيد البرغثي
يثير الحديث عن الديمقراطية والتنمية وحقوق
الإنسان خصوصاً في الوطن العربي، مشاعر متعددة وفى
أغلب الأحيان مؤلمة ومنفعلة. عندما أُعلن عن تأسيس
تحالف عربي يهتم بالديمقراطية، والتنمية، وحقوق
الإنسان، استقبل هذا الحدث بردود أفعال متباينة،
اعتبرها البعض قيمة مضافة إلى جهود المناصرة في
حين شكك البعض الأخر في صدق توجيهاتها.
ويبدو لي أن هذا التباين
يعبر عن ثلاثة اتجاهات تشكل ذهن المواطن العربي
بغض النظر عن موقعه، وبالتأكيد تتمثل فيما يلي :-
مواطن عربي عاش حالة من
الإحباط حتى أصبح يعيش بذهن استسلامي أفقده رغبة
التطلع، والأخطر من ذلك ثقة الإصلاح وقدرة
المبادرة.
مواطن عربي متوجس اعتمد
قاعدة قطع الطريق وشخصنة المبادرات، والأخطر من
ذلك تقمص شخصية الضحية دون منح فرصة الاختبار.
نظام عربي رسمي تقمص ثوب
الحداثة والحديث الأجوف عن الحرية وحقوق الإنسان
والمساواة، واستمر فعله يتصل بطبيعته الأبوية
السلطوية القبلية الجهوية حتى وصل في بعض الأحيان
إلى حالة من التطرف في شخصنة بيئته.
وتُعبر حالة الذهن
العربي الراهن عن صعوبة حقيقة في أن تتجاوز أي
مبادرة هذه السدود الحديدية. ولهذا فان التحالف
العربي للديمقراطية والتنمية وحقوق الإنسان يُبعث
دون وجود بيئة ومناخ يمكن أن تُسهل مهامه وتحقق
أهدافه.
ويبدو أن عمق الإشكال أسهم في أن يتم الربط ،
ولأول مرة على مستوى المنطقة العربية، بين
المكونات الأساسية الثلاثة التي تشكل قواعد
التكامل والإسناد لتحقيق اختراق قد يسهم في تعزيز
الجهود القائمة الحالية لتحسين وضع المواطن العربي
المتردي.
وفى ظل هذه الظروف تطرح
ثلاثة أسئلة تستحق الوقوف عندها:-
الســـؤال الأول: ويتعلق
بخصوصية هذا التحالف في ظل وجود بل تكاثر منظمات
ومؤسسات وجمعيات عاجزة عن تحقق تقدم ملحوظ في
المنطقة العربية؟
الســـؤال الثاني: ويتعلق
بقدرة التحالف على البقاء مسافة كافية من النظام
العربي الرسمي تحافظ على استقلاليته وتؤهله
للتفاوض لانجاز تقدم يخدم المواطن العربي؟
السؤال الثالث: ويتعلق
بقدرة التحالف على تأدية مهامه خصوصاً تلك
المتعلقة بحقوق الإنسان والديمقراطية في كل الدول
العربية وفى مقدمتها ليبيا باعتبارها مقره الرسمي؟
إنني أقول بأن التفاؤل
الزائد في تحقيق التحالف لنجاحات عجزت عنها منظمات
ومؤسسات عربية وغير عربية أمر لا يمكن موضوعيا
الجزم حياله. لكن يبقى التفاؤل المرتبط بقراءة
موضوعية لأوضاع المنطقة وإدراك واقعي لقدرات
وإمكانيات التحالف الراهنة، مساحة يمكن أن تقود
إلى استنتاج الخلاصات التالية ويمكن أيضا أن تُشكل
إطلالة أولية قد تستجيب للتساؤلات المطروحة :-
أولا : إن الربط بين مكونات
الديمقراطية والتنمية وحقوق الإنسان يعكس قناعة
التلازم العضوي بينهما، وإن اختلالات الوضع العربي
الراهن تُؤكد أن قدرة إحداث اختراق تنموي يحفظ
للمواطن العيش بكرامة يُؤهل دون شك هذا المواطن
للتمسك بحقه في المشاركة السياسية والمطالبة
بحقوقه الأساسية الإنسانية، التي لا يمكن تحقيقها
دون رؤية آليات مبتكرة وواضحة تساعده للوصول
لانتزاع حقوقه، الأمر الذي ربما قد دفع التحالف
لانجاز القائمة السوداء مقترنة بعقوبات ذكية
تستدعى التعامل عملياً مع انتهاكات حقوق الإنسان.
وإن كان هذا الأمر مستجدا على الساحة العربية إلا
أنه يتطلب تفاعل المواطن لتحقيق أهدافه. إن اختبار
المصداقية يتطلب عملاً تفاعلياً يتمثل في تقدم
المواطن العربي لكشف هذه الانتهاكات وقدرة التحالف
على فرز ما يقدمه المواطن والاستجابة لها بموضوعية
وشفافية.
ثانيا: تدل قائمة عضوية
التحالف المنشورة على موقعه الالكتروني على طبيعته
غير الحكومية باعتباره مُشكلا من منظمات المجتمع
المدني بالوطن العربي، وأعتقد أن قائمة العضوية
تعكس خصوصية هامة تتمثل في أن هذه المنظمات قائمة
علي تنفيذ برامج ومشروعات تتصل بعمق المجتمعات
المحلية والعمل مع الفئات المهمشة والأشد ضعفاً.
غير أن التحدي الأساسي هنا هو قدرة التحالف بكامل
أعضائه على تقديم نموذج يُبرهن أداؤه وتطبيقاته
علي التمسك بقواعد المناصرة ومطالب التنمية ومبادئ
الحماية الأمر الذي يتطلب جهداً إضافياً مضاعفاً
لإحداث إصلاحات داخلية لمنظمات المجتمع المدني
تزيل هشاشة بنائها وقلة فاعليتها والأكثر من ذلك
تعزز الشفافية في أدارتها .
ثالثاً: تمكن النظام العربي
الرسمي بامتياز من أسر منظمات المجتمع المدني وقلص
بقسوة من هامش استقلالها الأمر الذي جعل فعل هذه
المنظمات هامشياً وفتح المجال للمنظمات الدولية
المناظرة للعمل بمعايير وتقديرات أحادية. وسوف
يواجه التحالف دون شك تحدي بناء قدرات مماثلة
تؤهله للتفاوض باستقلالية مع النظام العربي الرسمي
ووفق قواعد الالتحام البناء تُكسبه مصداقية تجاه
كل الأطراف .
رابعاً: يبقى الترقب قائماً
حول الكيفية التي يتعامل بها التحالف في ليبيا ؟
وأدرك بأن التساؤل قائم في أذهان الكثيرين كما
أنني أدرك بأن الإجابة عليه تتطلب مساحة زمنية
تختبر الفعل. ويبدو لي أن الأمر يتعلق بعمل
التحالف في تناول قضايا حقوق الإنسان ومنظمات
المجتمع المدني في ليبيا . وقد لا أكون مخطئاً في
القول إن حقوق الإنسان قد شهدت تطوراً ملحوظاً
خلال السنوات القليلة الماضية مع استمرار الحاجة
لمزيد من الجهد المضاعف لمعالجة الاختلالات
القائمة. كما أن الأمر مختلف فيما يتعلق بمنظمات
المجتمع المدني في ليبيا التي تعاني من اختلالات
واضحة يتصل بعضها بالقواعد القانونية الحاكمة،
وضيق هامش استقلالها، والبعض الأخر بطبيعة بنائها
وعدم فاعليتها وهامشية برامجها. ويُنتظر من
التحالف أن يتعامل مع هذه القضايا باستقلالية
ومصداقية وخصوصاً بعد اكتسابه الوضع القانوني
بوصفه منظمة إقليمية غير حكومية وبعد أن تم توقيع
اتفاقية المقر مع السلطات الليبية. وهنا لا يجب
الاعتقاد بأن مجرد توقيع هذه الاتفاقية يعني
بالضرورة العمل بسهولة ويسر، حيث تبقى الحاجة لعمل
التحالف بجهد متواصل للوصول إلي نتائج تحقق أهدافه
الواردة في النظام الأساسي وتحفظ مصداقيتة.
الخلاصـــــــــــــة
إن مبادرة استحداث
تحالف عربي يتطلع أن يُشكل جهده إسهاما يعزز قيم
المواطنة ويناصر التمسك بحقوق الإنسان وحمايتها
يمثل دون شك قيمة مضافة تنتظر منحها فرصة النجاح،
في وقت أدرك فيه أن المواطن العربي يلجأ إلى
استخدام حاسة السمع في تشكيل قناعاته والانصياع
دون طرح الأسئلة في تأكيد ولائه والتسرع في إصدار
أحكامه دون الالتحام البناء، فاسحا المجال أمام
نظام عربي رسمي حديث المظهر متطرف بطبيعته الأبوية
القبلية الجهوية يتقمص بتصرفاته مظلة أيدلوجية
تتحدث عن الحرية وهو نظام سلطوي، وتبشر بالمساواة
والعدالة والاشتراكية وهو نظام توزيعي.
وفـــى الختام أدرك
بأن ما قلته سوف يقرأ على أنه حديث متفائل ولكنني
أقول إن متطلبات نجاح مثل هذا التحالف مرتبط أساسا
بأن يشعر المواطن العربي أنه مسهم فيه وأن يسعى
هذا المواطن إلى فك الارتباط مع قبوله لوضع
المشاهد، والأكثر من ذلك الحاجة لترسيخ القناعة
بان إعطاء فرصة لاختبار النجاح لا تتوقف عند
انتظارها بل العمل من أجل تحقيقها .
حق المعرفة فوق
كل الحقوق
جميع الحقوق محفوظة لموقع زيتونة
موقع
زيتونة نافذة مستقلة ليست مسؤولة عن مضمون المقالات التي
تنشر
ولا تعتبر المقالات المنشورة وجهة نظر رسمية للموقع
، بل فقط تعبرعن رأي الكاتب asfook@yahoo.com