أخذت تقارير إعلامية غربية
على عرب فلسطين تحت الاحتلال 'لامبالاتهم' بما
تأملوسائل الإعلام وأجهزة
المخابرات الأمريكية أن يكون حلقة إيرانية 'خضراء'
تضاف إلىحلقة جورجيا
'البرتقالية' في سلسلة 'ثورات الشوارع' التي
نسقتها في دول أوروباالشرقية بعد انهيار
الاتحاد السوفييتي، واستهجن بعضها ألا يهب الشعب
الفلسطينيالطامح إلى الحرية
والتحرر للتعبير عن تضامنه مع المتظاهرين في شوارع
طهران منليبراليي الطبقة الوسطى
وتجار البازار من أجل 'ديمقراطية' على النمط
الامريكي،بينما تغض واشنطن الطرف
عن نظرائهم الذين وضعهم عسكريون في السلطة إثر
استيلائهمعلى الحكم في هندوراس
بعد أن انقلبوا على رئيس منتخب ديموقراطيا، على
النمطالأمريكي أيضا، وترفض حتى الآن
وصف استيلائهم على الحكم بـ'الانقلاب العسكري'
لأنهابحسب القوانين الأمريكية نفسها
ستضطر في هذه الحالة إلى قطع المعونات العسكريةوالمالية التي تقدمها
لهؤلاء العسكريين وبالتالي تقلص حظ انقلابهم في
الاستمرار إلىالحد الأدنى، في أحدث
مثال على ازدواجية المعايير 'الديمقراطية'
الأمريكية.
وربما لا يكون
الشعب الفلسطيني استثناء بين شعوب المعمورة في
الأسباب العامةالمشتركة بينها لعدم
الانسياق مع التحريض الإعلامي الأمريكي ضد طهران،
لكن أسبابافلسطينية خالصة تكمن
وراء 'اللامبالاة' الفلسطينية بتطورات ما بعد
الانتخاباتالرئاسية الأخيرة في
إيران، بغض النظر عن صحة أو عدم صحة ما يقوله
الأمريكيون أوالخاسرون في هذه
الانتخابات أو يقوله فيها الفائز ونظام الحكم الذي
صادق على فوزهفيها.
وأول هــذه
الأسباب الفلسطينية هو الموقف الأمريكي المشجع
للانقلاب علىنتــائج الانتخابات
الإيــرانية، مما يذكــر بالتشجيع الأمريكي
المستمر للانقــلابعلى نتائج
الانتخابات الفلسطينية قبل أربع سنوات تقريبا.
فالحصار السياسيوالاقتصادي الخانق الذي
فرضته واشنطن على نتائج الانتخابات التشريعية
الفلسطينيةالأخيرة عام 2006، التي
ترأس رئيس أمريكي أسبق هو جيمي كارتر فريق
المراقبينالأمريكيين والأوروبيين
وغيرهم ممن أشرفوا على نزاهتها وشفافيتها، وشروط
الاحتلالالإسرائيلي التي تبناها
البيت الأبيض وما زال يتبناها بعد أن تغير لون
بشرة سيدهكشروط مسبقة لفك هذا
الحصار الذي يديم استمراره الانقسام الفلسطيني
الذي خلقه بينموافقين على تلك الشروط
وبين معارضين لها، هو موقف أمريكي لا يسع أي
فلسطيني سوىمقارنته بالموقف
الأمريكي من نتائج الانتخابات الرئاسية الإيرانية
الأخيرة، وهوموقف انحاز في الحالتين
الفلسطينية والإيرانية إلى الأقلية ضد الأكثرية،
وإلىالخاسر في الانتخابات ضد
الفائز فيها.
وثاني هذه الأسباب أن
الفلسطيني لا يسعهسوى المقارنة بين
التحريض الأمريكي على التضامن مع الخاسرين في
الانتخاباتالإيرانية وبين الإشادة
الأمريكية الرسمية المتكررة بكفاءة الخاسرين في
الانتخاباتالفلسطينية في قمع
الاحتجاجات الشعبية التضامنية في المناطق المفترض
أنها تحتسلطتهم بالضفة الغربية،
بفضل الدعم الأمريكي نفسه لهم، خلال الحرب
العدوانيةالأخيرة التي شنتها
الآلة العسكرية الإسرائيلية الأقوى في الشرق
الأوسط على أشقائهمالمدنيين المحاصرين في
قطاع غزة والعزل من السلاح إلا بالقدر البسيط
المتواضعالمتوفر منه في أيدي
رجال المقاومة.
وثالث هذه الأسباب هو
الازدواجية الأمريكيةالكامنة في الانتقاد
الأمريكي لما تروج له الحرب النفسية الأمريكية ضد
النظامالحاكم في إيران
باعتباره قمعا تمارسه حكومة لشعبها، فهو انتقاد لم
يسمعالفلسطينيون بمثله للاحتجاج
على الحملة الأمنية التي تواصلها سلطة الحكم
الذاتي فيرام الله، التي ترعاها
واشنطن، وحيث يقود خاسر في الانتخابات، ضد الفائز
فيالانتخابات الفلسطينية، بذرائع
شتى ليس أقلها تطبيق قانون بمرسوم رئاسي لم تصادقعليه أي هيئة تمثيلية
فلسطينية منتخبة أو غير منتخبة تعتبر الفائز في
الانتخابات 'خارجا
على القانون'، وهو قانون مستنسخ من القوانين
الأمريكية نفسها لـ'مكافحةالإرهاب'، دون أن يعني
ذلك أن الشعب الفلسطيني الذي يعاني من قمع
الاحتلال منذ ستينعاما لا يعارض من حيث
المبدأ قمع الشعوب ومصادرة إرادتها الحرة سواء على
أيديحكامها أم بأيدي محتليها
الأجانب.
ورابع هذه الأسباب هو أيضا
ازدواجية المعاييرالأمريكية بين إيران
وفلسطين، ففي الحالة الإيرانية تتدخل واشنطن في
شأن داخلي صرفلبلد أجنبي دفاعا عن
أقلية خاسرة في انتخابات فيه جرت وفق قوانينه،
بينما في الحالةالفلسطينية تتدخل في
شأن داخلي صرف لشعب خاضع لاحتلال أجنبي دفاعا عن
أقلية خاسرةفي الانتخابات مقيدة
بشروط سياسية أملاها الاحتلال نفسه وتبنتها واشنطن
التي لميسمعها الفلسطينيون
يوما تدافع عن حقهم في مقاومة قمع القوة الأجنبية
القائمةبالاحتلال، بأي شكل من
أشكال المقاومة، كما تدافع اليوم عن حق بعض
الإيرانيين فيمقاومة ما تعتبره قمع
أكثرية حاكمة لأقلية معارضة لها.
أما خامس هذه الأسباب فهوالإجماع الفلسطيني الذي
يتجاوز الانقسام الوطني الراهن حول عدم التدخل في
شؤونالدول والشعوب الأخرى، وهو
إجماع يبالغ في التزامه بهذا المبدأ حد تطبيقه علىالولايات المتحدة نفسها
التي لا تترك للفلسطينيين شاردة أو واردة دون أن
تتدخلفيها، ولا تفوت مناسبة لتكرار
تأكيد انحيازها لعدوهم، في مبالغة مفرطة حد الرهانعلى الولايات المتحدة
نفسها كوسيط وحيد في صراعهم من أجل الوجود فوق
تراب وطنهمالتاريخي الذي تحول إلى
رمال استيطانية متحركة تبتلع هذا الوجود تدريجيا
ويوميابفضل ازدواجية معايير
الديموقراطية الأمريكية ذاتها، لا بل إن إفراط
الشريكالفلسطيني لأمريكا
ودولة الاحتلال الإسرائيلي في ما يسمى 'عملية
السلام' فيالالتزام بهذا المبدأ
دفعه مرارا وتكرارا إلى التصريح علنا باعتبار ما
يحدث في دولةالاحتلال 'شأنا داخليا'
لا يتدخل فيه حتى بإبداء الرأي، وبخاصة في المواسمالانتخابية.
ومن الأسباب غير الفلسطينية
للـ'اللامبالاة' الفلسطينية بتطورات مابعـــد الانتخابات
الرئاسية الأخيرة في إيران إدراك الشعب الفلسطيني
أولا، كغيره منشعوب الأرض، بأن
'المبالاة' الأمريكية بهذه التطورات إنما تنــدرج
في سيــاقالاستراتيجية الأمريكية
ـ الإسرائيلية في المواجهة مع إيران بهدف تغيير
النظام فيطهران أو في الأقل
تغيير سياساته. ومنها ثانيا عدم تصديق الشعب
الفلسطيني، كغيره منالشعوب الأخرى، للذرائع
التي يسوقها الحليفان لتسويغ هذه المواجهة، وبخاصة
بعدالمسوغات الأمريكية المماثلة
التي سيقت كأسباب لغزو العراق ثم احتلاله والتي
سرعانما تكشفت عن أكاذيب فاضحة.
ومنها ثالثا سبب كاف لكي
يخرج الشعب الفلسطيني عنصمته بحجة 'عدم التدخل'
في شؤون الغير، فاستمرار الاستراتيجية الأمريكية ـالإسرائيلية في تفكيك
الجبهة العربية والإسلامية التي تمثل العمق
الاستراتيجي لكفاحعرب فلسطين من أجل
الحرية والتحرر وتقرير المصير، سواء بالغزو أو
الاحتلال أوالعقوبات الاقتصادية
والدبلوماسية أو التطبيع مع دولة الاحتلال، قد
أثبت عبر العقودالقليلة الماضية من
الزمن بأنه المقدمة الضرورية لتصفية القضية
العربية والإسلاميةفي فلسطين باسم السلام،
فالعدوان الإسرائيلي المدعوم أمريكيا عام 1967
أنتجاتفاقيات كامب ديفيد والصلح
المصري مع دولة الاحتلال، والحرب العراقية ـ
الإيرانيةفي ثمانينات القرن
الماضي مهدت للعدوان الثلاثيني الذي قادته أمريكا
على العراق عام 1990-1991
الذي أنتج مؤتمر مدريد
للسلام واتفاقيات أوسلو التي انبثقت عنه، بينماقاد الاحتلال الأمريكي
للعراق عام 2003 إلى وضع 'الرؤية' الأمريكية لـ'حل
الدولتين' بالشروط الأمريكية ـ
الإسرائيلية على رأس جدول الأعمال الدولي بانتظار
أن تسمحالمقاومة العراقية
للأمور أن تستتب لصالح الاحتلال لكي يتم إملاء هذا
الحل على عربفلسطين.
فمثلما انعكست كل هذه
التطورات السلبية في الجبهة العربية الإسلاميةسلبا على النضال الوطني
الفلسطيني فإن أي تكرار لها في إيران سيقود إلى
نتائجمماثلة، وبالتالي لا يمكن أن
يكون الشعب الفلسطيني وقضيته العادلة غير معنيين
وغيرمتأثرين مثلا بالضوء الأخضر
الذي أشعله نائب الرئيس الأمريكي جو بايدن أوائل
الشهرالجاري من القاعدة الأمريكية
في 'معسكر النصر' الذي يحمي النظام الذي أقامته
واشنطنفي المنطقة الخضراء
ببغداد لكي تهاجم دولة الاحتلال الإسرائيلي إيران،
فالشعبالفلسطيني الذي يعارض
الحرب من حيث المبدأ، لأنه كان حتى الآن الخاسر
الأكبر والأولمن كل الحروب
الإقليمية، لن يكون في مصلحته شن حرب على إيران،
إسرائيلية كانت أمأمريكية، وهو في هذا
الموقف يتفق مع أشقائه العرب، وبخاصة في منطقة
الخليج العربي،بالرغم من كل قضايا
النزاع الساخنة بين العرب وإيران سواء في العراق
أو الخليج أولبنان أو فلسطين،
وغيرها مؤخرا.
حق المعرفة فوق
كل الحقوق
جميع الحقوق محفوظة لموقع زيتونة
موقع
زيتونة نافذة مستقلة ليست مسؤولة عن مضمون المقالات التي
تنشر
ولا تعتبر المقالات المنشورة وجهة نظر رسمية للموقع
، بل فقط تعبرعن رأي الكاتب asfook@yahoo.com