الإعلان ليس ظاهرة تجارية فحسب، ولكنه ظواهر نفسية
واجتماعية وثقافية وبيئية
بجوانبها الإيجابية والسلبية. وعندما قال أحدهم
ذات مرًّة بأن 'الإعلان هو الأغنياء
يطلبون مزيداً من المال 'فأنه ضمناً عنى كل
الوسائل الظاهرة والخفيًّة التي برع
الإعلان في استعمالها لتوجيه تدفٌّق الأموال من
جيوب الفقراء إلى جيوب
الأغنياء.
والواقع أن الغرب الذي اخترع وسيلة الإعلان بدأ
يراجع الأمر بعد أن
زادت الجوانب
السلبية للإعلان عن الحدٍّ المعقول وبعد أن أصبح
الإعلان يملأ الأمكنةكلًّها. من
هنا قول وليام هٌّول بأنه 'بعد الآن لن يكون هناك
مكان في العالمللأشياء، فالأمكنة
كلٌّها ستملأها الإعلانات عن الأشياء'. إنها صرخة
يائسة عن وضعبائس مجنون. فعندما
يصرف بلد كامريكا سنوياً حوالى مئة وخمسين مليار
دولار علىالإعلان المباشر،
وتصرف الشركات الصناعية الامريكية أكثر من مئة
وخمس وستين ملياردولار
للإعلان عن منتجاتها، وعندما يضاف إلى تلك القائمة
ما تصرفه الحكومةالامريكية
وما يصرفه السًاسة وما تصرفه جماعات الضًّغط
والمصالح الخاصًّة، عندمايتمُّ ذلك في
بلد واحد، نذكره لأن الإحصائيات متوفرة عنده، فان
وضعه يشير إلى أوضاعمماثلة في
بلدان صناعية أخرى أو إلى أوضاع مماثلة ستحلٌّ في
البلدان الأخرى بعدحين. ولا
يقتصر الأمر على الأموال الطائلة التي يذهب قسم
كبير منها هدراً بليتعدًّاه إلى
أكثر وأخطر من ذلك. فلوحات وملصقات الإعلان شوًّهت
شوارع وساحات المدنإلى حدود
الابتذال وحُّولت مدن العالم إلى أماكن قبيحة
وأبعدت أعين الناس عن رؤيةالطبيعة
وزادت من حوادث السُّير على الطرقات. والاعلانات
وضعت ضغوطاً هائلة علىالآباء
والأمهات لشراء كل ما هبُّ ودبُّ لأبنائهم حتى ولو
اقتضى ذلك تجُّمعالدٌّيون
عليهم. وصناعة الإعلان استطاعت أن تجعل من مواد
مضًّرة، كالسيجارة مثلاً،مواد مرغوبة
عن طريق ربطها بالجنس والفحولة والرجولة. والإعلان
الخبيث استطاع أنيسوًّق
السًّفلة من رجال ونساء السياسة ويقنع الناس
بانتخابهم أو قبول حكمهمالفاسد. بل
واستطاع الإعلان أن يفسد اللُّّغة والذوق الفني
وأن يسطٍّّّّح الثقافة.
إذن نحن أمام ظاهرة تحمل
الكثير من المساوئ، ظاهرة أصبحت عالمية بعد دخولالعالم عصر البربرية
العولمية المتوحًّشة. وهنا نطرح السؤال التالي:
أين دول مجلسالتعاون، وهي المالكة
لثروات البترول الهائلة المطلوب امتصاصها، من كل
ذلك؟ والجوابأنها في قلب كل ذلك.
فالاعلان يحاصر المواطنين في كل مكان. فشوارع مدن
مجلس التعاونأصبحت مخازن للافتات
والملصقات الإعلانية بشكل مثير للأعصاب
ومتحدٍّّّّّ للذوقالمعقول، ووسائل
الإتصال كلًّها تملأ ليل نهار رؤوس المواطنين
برسائل الإعلان لتجعلالمواطن مخلوقاً غير
قادر على المساءلة أو طرح أسئلة الشكّ أو الإلتفات
إلى رسائلثقافية جادًّة أخرى
تغني حياته وتسمو بها. ولم يسلم التلفون الشخصي من
إستلام عددهائل من سخافات الإعلان
ومغرياته وبذاءاته. ولم تسلم الأنشطة الرٍّياضية
والمناسباتالثقافية والتجمعات
الدينية من اقتحام الإعلان لها. ولو سألت أطفال
وشباب الخليجعًّما يبقى في ذهنهم
بعد مشاهدة البرامج التلفزيونية لوجدت أن الذي
يبقى راسخاً هوالإعلان.
إن الفاجعة هي أن الأجهزة
المعنية في حكومات دول الخليج ما زالت تعتقدأن الإعلان ليس أكثر من
قضية تجارية بحتة. أما ما يفعله الإعلان بمدننا،
وما يدخلهمن أحلام كاذبة في
أذهان أطفالنا، وما تؤدٍّي كثرته من تقليل لقدرة
الناس علىالتركيز والفحص
والمساءلة، وما تقود إليه من قلب مجتمعاتنا إلى
مجتمعات استهلاكيةنهمة مبذٍّرة تعيش
ليومها وتنسى غدها، وما تستعمله من ادٍّّّعاءات
غير صحيحة تضلٍّلبها المستهلك ليتوجٌّه
لشراء هذا المنتج أو ذاك.. أما كل ذلك فلا يدخل فى
حسبان تلكالجهات.
ليس هناك حلً سحري لمشاكل
الإعلان، فهو جزء مكٍّمل للنظام الرأسمالي.
لكن مسؤولينا يستطيعون
إيجاد تشريعات وأنظمة تزيل الكثير من المساوئ
ويستطيعون بناءنظام تعليمي ينتج الفرد
القادر على التساؤل والتمحيص وعدم قبول كل ما
يشاهد أو يسمعأو يقرأ من سخافات
وبلادات. لكنُّهم لن يفعلوا طالما أنهم جزء من
أصحاب المصالحوطالما أنهم يخافون من
الفرد الواعي المفكًّر من أن يغيٍّر رأيه الأعمى
في الحكموالحالكمين.
حق المعرفة فوق
كل الحقوق
جميع الحقوق محفوظة لموقع زيتونة
موقع
زيتونة نافذة مستقلة ليست مسؤولة عن مضمون المقالات التي
تنشر
ولا تعتبر المقالات المنشورة وجهة نظر رسمية للموقع
، بل فقط تعبرعن رأي الكاتب asfook@yahoo.com