التاريخ هو الكذبة المتفق عليها' هكذا عرف المفكر
الفرنسي الكبير فولتير التاريخ.
وعبر الكاتب جورج أورويل عن نفس الفكرة من ناحية
تعليل الكذب التاريخي كأحد أساليب
انتاج علاقات القوة التي تحكم الديناميات
الاجتماعية بقوله: 'من يسيطر على الماضي
يسيطر على المستقبل ومن يسيطر على الحاضر يسيطر
على الماضي'. أي أن تزوير التاريخ
هدفه التحكم بالمستقبل وتقوية سلطة النسق القائم
وقوى الستاتيسكو. ولكن وفي نفس
الوقت تزوير التاريخ، أو اذا ما أردنا استخدام
مصطلح أقل سلبية، صناعة الأساطير
التاريخية هي جزء من أي عملية تجييش اجتماعية
هدفها التغيير. فكما يصنع النسق
القائم في مجتمع ما تاريخا مصطنعا الهدف منه تدعيم
الستاتيسكو، تنتج حركات التغيير
كذلك أساطير بديلة تهدف الى زعزعة حالة الاستقرار
هذه وتبرر للانقلاب على النسق
وللتمرد عليه.
وتتميز الحركات الدينية والحركات القومية بغزارة
انتاجها للأساطير
التاريخية
المؤسسة حيث انها تحتاجها أكثر من غيرها لبناء
شرعية أخلاقية ما أو شرعيةمطلبية.
فالحركات الدينية تبحث دوما عن قدسية مفقودة تريد
أن تسقطها على رموزهاوقادتها
وطبعا على عقيدتها ذاتها ولذلك تحاول دائما اختلاق
معجزات سواء مباشرة أوغير مباشرة.
كما تحاول دائما اجتناب الوعي التاريخي النقدي
واستبداله بتاريخ أسطوريملفق يأخذ
طابعا تبريريا في مواضع الخطأ والصراعات الداخلية
وطابعا تضخيميا مبالغافي مواضع
النجاح والانجازات. وكذلك تقوم الحركات القومية
بتلفيق تاريخي مستمر هدفهخلق أسطورة
أمة نبيلة مميزة وعادلة من الأخيار لا تعتدي بل
تدافع عن نفسها ولا تظلمبل تعدل.
ويتضاعف الانتاج الأسطوري
وينشط العمل التزويري كلما ضعف المنتجالقومي الذي يتم
الترويج له ويضعف منسوب التزوير كلما كانت الهوية
القومية المروجلها قوية. فمثلا،
العروبة كرابطة قومية حضارية راسخة منذ آلاف
السنين ومكرسة علىامتداد الوطن العربي
منذ 1400 عام بلغتها العربية المهيمنة والمحصنة
والمحتضنةدينيا ودنيويا لا تحتاج
الى الكثير من التلفيق الأسطوري لتثبت وجودها
كهوية. صحيحأن القوميين العرب
يبيضون صفحات من تاريخنا ويبالغون في تمجيده
والتغني به الا أنلا أحد يستطيع أن ينكر
عظمة تاريخ هذه الأمة وقوة هويتها العربية
الاسلامية.
الاأن من يحتاج الى بناء
أساطير مكونة للهوية هم أولئك الذين يريدون
الانسلاخ عن الأمةوهويتها لسبب أو لآخر
ويحتاجون من أجل ذلك الى بناء وعي تاريخي بديل
يؤسس لهويةبديلة. ونختار هنا
نموذجا عن تزوير التاريخ الذي تقوم به جماعات
مماثلة من المنادينبالقومية اللبنانية
والذين يطرحون تميز لبنان كأمة عن محيطه العربي.
التزويرالأول للتاريخ في حالة
الطرح الكياني اللبناني يبدأ من خلال مد التسمية
اللبنانيةالتاريخية خارج حدود
جبل لبنان. فتخبرنا كتب التاريخ اللبناني بأن
لبنان ككيان لهجذور تاريخية بحدوده
الحالية بينما التاريخ النقدي والمجرد يشير بأن
هذا الاسم كانمنحصرا بمنطقة جبل
لبنان. ويبدأ التزوير بمقاربة الحقبة الفينيقية
كحقبة لبنانية. والفينيقيون شعب سامي كان يسمي
نفسه بالكنعاني ويعيش في أرض كنعان وهي منطقة تغطيأجزاء كبيرة من سورية
ولبنان الحالي وفلسطين. ولم يكن عند الفينيقيين
بحسبالمخطوطات المتوفرة تاريخيا أي
لبس حول انتمائهم الكنعاني. والأنكى من ذلك أن
الفئةالتي تتاجر بالهوية الفينيقية
لا تمت بصلة لا من قريب ولا من بعيد الى
الفينيقيينالأصليين وهي هاجرت
أساسا الى لبنان من الداخل السوري هربا من القمع
الديني لتستقرفي الجبال أي أنها فئة
وافدة في مرحلة متأخرة الى هذه الأرض. والانتماء
الحقيقيلهذه الفئة هو الى مزيج
من أرومة عربية بدوية وأرومة سريانية سامية.
والسريان كمايوحي اسمهم هم شعب سامي
سكن سورية وتحدث لغة مشتقة من الأرامية سميت
باللغة السورية (السريانية).
وسورية هو الاسم الروماني لبلاد الشام وتضم سورية
الطبيعية الجمهوريةالسورية الحالية ولبنان
والأردن وفلسطين (ولم تضم يوما العراق كما ينظر
لذلكالقوميون السوريون في نسختهم
الخاصة من التاريخ المفبرك).
ولا يعترف التاريخاللبناني المزور مثلا
بأن الدولة اللبنانية سلخت عن سورية بالرغم من
شعبها وذلك فياطار معاهدة سايكس بيكو
التي سلخت كذلك الأردن وفلسطين تمهيدا لاستعمارها
من قبلالصهاينة. وفي تقرير
لجنة كينغ كراين الأممية التي استطلعت رغبات الشعب
العربي فيسورية اختار 70 بالمئة
من اللبنانيين بجميع طوائفهم أن يبقى لبنان جزءا
من سوريةولكن البطريركية
المارونية والفئات النخبوية المروجة لمشروع الكيان
البناني منالنخب المارونية وبعض
النخب السنية نسقت عملها مع المحتل الفرنسي من أجل
خلق دولةلبنانية (أي جبل
لبنانية) تضم اليها بيروت ومناطق جبل عامل والبقاع
وطرابلس وعكار. وكتب بعضهم كما يذكر فواز
الطرابلسي في كتابه المهم 'تاريخ لبنان الحديث'
الىالفرنسيين مبررا ضم هذه
المناطق الى لبنان بأن لبنان يحتاج مستعمرات كما
تحتاجونأنتم الى استعمار
الجزائر. وهنا يظهر جليا أن تكوين الكيان اللبناني
لم يكن فقطاستعماريا من جهة الدور
الفرنسي والبريطاني فيه بل وأن النخب التي أيدت
تكوينهوسلخه عن الوطن السوري
كانت أيضا تنظر الى المناطق التي ضمت الى لبنان
والى ساكنيهانظرة استعمارية داخلية
كانت من أهم مسببات الحرب الأهلية اللبنانية. أما
ثورة أدهمخنجر البطولية في جبل
عامل ضد هذا الكيان فهي نقطة معتم عليها في كتب
التاريخاللبناني ورواياته واذا
ما ذكرت فهي توضع في خانة الاجرام وقطع الطرق
بينما الواقعأنها كانت ثورة عروبية
وطنية سورية واعية.
ومَنْ من اللبنانيين يعرف
أن جبرانخليل جبران وزملاءه من
الأدباء في المهجر مثل ميخائيل نعيمة كانوا يسمون
أنفسهمسوريين وجبران كان
يتحدث عن سورية كوطنه؟. يسلخ التزوير التاريخي وعي
جبران وهويتهالذاتية ويحوله الى رمز
للقومية اللبنانية مستندا على ذكره اسم منطقته
التي يتحدرمنها أي جبل لبنان بعض
الأحيان في كتاباته وهذا كمن أخذ قصيدة لشاعر
أمريكي يتحدرمن تكساس عن ولايته
لينظر لانفصالها عن أمريكا. ومن الوثائق التي
يبرزها فوازالطرابلسي في كتابه
رسالة من أعيان بيروت يشتكون فيها من 'الاطماع
اللبنانية' فيمدينتهم. فبيروت
تاريخيا لم تكن جزءا من جبل لبنان. ومن المهم
التأكيد هنا أنالفكرة الوطنية السورية
لم تكن أبدا مناقضة للطرح القومي العربي بل كانت
مندمجةمعه.
مثلا المعلم بطرس البستاني
أحد أهم منظري العروبة والنهضة العربية كان يعتبرأن الانتماء القومي
والحضاري هو العروبة أما الوطن فهو سورية وعبر عن
ذلك فيكتاباته وكذلك في مجلته
التي تعتبر إحدى أولى المجلات العربية في حينه
وكان اسمها 'نفير
سورية'. والثوار المقاومون العرب في فلسطين أمثال
عز الدين القسام كانوايوقعون بياناتهم
الحربية في الثلاثينات بـ ' القيادة العامة للثورة
العربية فيسورية الجنوبية'.
والوعي الوحدوي السوري كان يمثل خطوة على طريق
الوحدة العربية فيأذهان معظم الذين أيدوه
في تلك المرحلة ورفضوا انتاجات سايكس بيكو. بل
وحتىالارساليات الأجنبية كانت تدرك
هوية هذه البلاد وتسميتها لدرجة أن المبشرينالبروتستانت الذين أسسو
الجامعة الأمريكية في بيروت أسسوها تحت اسم '
الكليةالانجيلية السورية'
وكانت الدراسة فيها باللغة العربية حصرا مما شكل
خرقا كبيرا فيبلد كان يرزح حينها تحت
نير الاحتلال العثماني الذي كان يمنع التدريس
بالعربية الافي مدارس الارساليات
المسيحية بينما كان المسلمون مجبرين على أن
يتعلموا بالتركيةوذلك قبل أن تصل حركة
الاتحاد والترقي القومية الطورانية الى الحكم وهذا
نضعه فيرسم من يروجون لأساطير
تاريخية اخرى عنكون الدولة العثمانية
حامية الاسلاموالمسلمين. طبعا لا
ينحصر تزوير التاريخ في بلادنا على الانعزاليين
اللبنانيين، فكلالانعزاليين من أعداء
العروبة يروجون لنسختهم الخاصة من التاريخ المزور.
مثلاالانعزاليون الأمازيغ في
المغرب العربي يحاولون أن يشوهوا صورة المجاهد
العربيالأمازيغي البطل
عبدالكريم الخطابي ويحولونه الى انفصالي أمازيغي
بينما الواقع هوأن عبد الكريم كان أول
من نظر لمفهوم المغرب العربي عندما أسس 'لجنة
تحرير المغربالعربي' ونراهم يغيرون
اسم اللجنة في كتاباتهم الى 'لجنة تحرير شمال
أفريقيا' وهوعين التزوير. أما وثيقة
تأسيس اللجنة التي خطها عبد الكريم بيده عام 1948
ويقولفيها بالحرف الواحد 'المغرب
جزء لا يتجزأ من بلاد العروبة' فتختفي من الذاكرةالتاريخية بسحر ساحر
لما فيها من تدمير لأسطورتهم الانعزالية على يد
أهم رمزأمازيغي معاصر. هكذا
يغتصب التاريخ من أجل أن يغتصب الحاضر والمستقبل.
حق المعرفة فوق
كل الحقوق
جميع الحقوق محفوظة لموقع زيتونة
موقع
زيتونة نافذة مستقلة ليست مسؤولة عن مضمون المقالات التي
تنشر
ولا تعتبر المقالات المنشورة وجهة نظر رسمية للموقع
، بل فقط تعبرعن رأي الكاتب asfook@yahoo.com