ما
وراء السياسة (الإمبريالية).. بشر للبيع في عالم
جائع..
ترجمة: د. عبدالوهاب حميد رشيد
تقرير إدارة الخارجية
الأمريكية (16 يونيو/ حزيران) الناقد للمتاجرة
بالأشخاص، وصف جهود الحلفاء لمكافحة هذه المشكلة
بأكثر من استحقاقها، بخاصة عندما يفحص المرء ألـ
320 صفحة للتقرير، ويقف عند الجهود الضحلة لهذه
الحكومات. علاوة على تصنيف عدد من الدول: كوريا
الشمالية، إيران، سوريا- الأعداءالأوائل- حسب
التصنيف الأمريكي، بالدرجة الأخيرة، رغم أن
المشكلة التي تواجه هذه الدول أكثر صعوبة في ظل
أشكال المقاطعة الأمريكية المفروضة عليها.
وللمرء أن يوجه سؤاله بشأن مدى
المشروعية الأخلاقية للحكومة الأمريكية تصنيف
الدول إلى درجات بتهنئة البعض وتأنيب البعض الآخر،
بخاصة وأن الولايات المتحدة، وفي سياق تسعة تقارير
متعاقبة أصدرتها منذ العام 2000، أعفت نفسها من أي
قدر من النقد الذاتي بخصوص المتاجرة بالبشر..
إن المحور السياسي للتقرير
باعتماد صفة القناعة واستقامة الذات مقارنة بالدول
الأخرى self- righteous
التي تشكل أساس التقرير
الأمريكي، مسألة مزعجة وتُشعر المرء بقدر من
الضجر.. ومع ذلك تبقى الحقيقة بأن التقرير الذي
يضم أكثر من 170 دولة، يتصف بالشمول وتزخر
بالحقائق. ويؤكد التقرير العالمي بشأن المتاجرة
بالبشر والصادر عن مكتب الأمم المتحدة لمكافحة
المخدرات والجريمة UNODC
فبراير/ شباط 2009)
الكثير من نتائج التقرير الأمريكي فيما يتعلق
بإساءة التعامل الحاصل في العالم والأكثر وضوحاً
في أفريقيا، الشرق الأوسط، والباسفيك الأسيوي.
فحص التقرير ردود فعل الحكومات
تجاه المتاجرة بالبشر، بما في ذلك الأطفال،
وبالعلاقة مع العمل الإجباري
forced labor، الجنس،
وسرقة الأعضاء البشرية.. هناك 12.3 مليون، على
الأقل، من الأطفال والراشدين استخدموا في مهمات
عبودية مزدهرة معاصرة ، رغم أن الرقم الحقيقي يمكن
أن يكون أكبر بكثير في ظروف عدم الرغبة في كشف
الأرقام الحقيقية من قبل المستفيدين من هذه
التجارة.
فجّرت الأزمة المالية العالمية
الطلب على العمل الرخيص، باستغلال الناس الأكثر
ضعفاً كعلاج اقتصادي بواسطة الكثير من الشركات، بل
وحتى العديد من الدول. وفي مثل هذه الظروف، تتحول
الوعود السابقة للأمم المتحدة بالعلاقة مع حملتها
لإجتثاث eradicate المجاعة في العالم لغاية العام
2010 إلى أمل كاذب pipe
dream.
واحدة من الشهادات الواردة في
التقرير الأمريكي تخص محمد سالم خان "نهض من سباته
ليجد نفسه في بيت غريب وهو يشعر بألم شديد في
بطنه،" سأل شخصاً لابساً قناع جراح.. ماذا حدث
له.. أجاب: " نحن أخذنا كليتك.. إذا كشفتَ الأمر
فسوف نقتلك.."
مصيبة خالد هذه، توجز
epitomize الكابوس الذي
تُعاني منه ملايين الناس بالعالم في ظروف كفاحهم
توفير ما يسد رمق عائلاتهم الجائعة. وهذا البلاء
ليس مسألة سرية.. يمكن ملاحظة أشكال من المتاجرة
بالبشر في شوارع مدن كثيرة في العالم من أوربا إلى
آسيا، وأمريكا الوسطى ولغاية الخليج.. رجال عليهم
إمارات الضعف والهزال وبملابس عمل قذرة يعملون
لساعات طوال ويحصلون على مدفوعات ضئيلة. إنهم
يواجهون مأزق السقوط بين الحاجات المنزلية الضاغطة
وبين الطلبات القاسية للوكالات التي تقوم
بتشغيلهم recruitment
agencies.
لكن العمل الرخيص أو العمل
الإجباري ليس بالشكل الوحيد من أشكال المتاجرة
بالبشر. فحسب التقرير العالمي للأمم المتحدة بشأن
المتاجرة بالأشخاص، وبالاعتماد على بيانات جمعت من
155 بلداً: إن الشكل الأكثر هيمنة للمتاجرة بالبشر
(79%) يتمثل في "الاستغلال الجنسي".
أصدرت وكالة
IRIN News- المرتبطة
بمكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون البشرية-
تقريراً في 18 يونيو/ حزيران كشف بأن " فتيات من
الدول السابقة للاتحاد السوفيتي، وكذلك من الصين
ما زلن مادة للمتاجرة عبر الحدود مع مصر إلى
إسرائيل بإجبارهن على البغاء من خلال منظمات
الجريمة." تم تشخيص إسرائيل باعتبارها المحطة
الرئيسة prime destination
للمتاجرة في كلا
التقريرين الأمريكي والأممي.. "عصابة إسرائيلية
واحدة فقط، حسب التقرير، تاجرت بأكثر من 2000
إمرأة في إسرائيل وقبرص على مدى السنوات الستة
الأخيرة.
للمرء أن يستغرب في مثل هذه
الظروف عن الحكمة وراء المؤتمرات الدولية والجهود
العالمية الهادفة إلى مكافحة تهريب الأغذية
والأدوية عبر نفس حدود البلد- مصر- لمواجهة الحصار
الإسرائيلي على غزة.. في حين لم تُبذل جهود فعالة
لإنهاء الاستغلال الحاد وإساءة معاملة آلاف النساء
بإجبارهن على دعم وتعزيز صناعة الجنس الإسرائيلية..
أقول متجاسراً (كاتب المقالة)،
في حين أن المتاجرة بالبشر في ذاتها مسألة سياسية
(إمبريالية) فإن الاعتراف بها ومعالجتها أو الفشل
في مكافحتها هي مهمة سياسية بالدرجة الأولى.. أنظر
وتأمل أزمة البنوك التي دفعتت الاقتصاد باتجاه
الانكماش العالمي.. وكيف جوبهت بأرصدة سخيّة ضخمة
لمعالجتها.. ترليونات من الدولارات تم ضخها
عالمياً لمكافئة هؤلاء ممن تسببوا، بالدرجة
الأولى، في الأزمة.. قارن هذه الجهود بالمحاولات
الفاشلة المحزنة pathetic
attempts لمكافحة هذه
المتاجرة الشائنة
disgraceful بالبشر:
الاستغلال، أعضاء الجسم، الجنس، الأطفال..
والحصيلة تُجسّد، بالدرجة الأولى، المتاجرة
بآدمية/ كرامة الإنسان!
أصبحت المشكلة حالة مركبة..
رسميو الأمم المتحدة يعلنون في 19 يونيو أن
المجاعة في العالم، تجازت وعلى نحو غير مسبوق،
عتبة بليون إنسان.. وهذا يعني أن واحداً من كل ستة
يعانون من المجاعة في العالم. والزيادة التي تنذر
بالخطر الرهيب هي تصاعد عدد الجوعى إلى 100 مليون
طفل في العالم.. ومع الاعتراف بكفاءة المؤسسات
الدولية كشف وإدراك هذه المشكلات، فإن الحلول
المقترحة غالباً ما تفتقد إلى المصداقية أو إلى أي
قدر من الشعور بالضرورة الملحة لمعالجتها..
"إن
عالماً جائعاً هو عالم خطير.. بدون طعام، لن يبقى
لدى الناس سوى ثلاثة خيارات فقط: الإخلال بالأمن
riot، الهجرة أو
الموت.. إنهم يتحولون كذلك إلى ثمار يانعة جاهزة
لتكون محل استغلال المتاجرين بالبشر في السوق،"
قالها Josette sheeran-
برنامج الغذاء العالمي.
عندما كانت
Julia (من البلقان)
بعمر ثماني سنوات، تم أخذها وأختها إلى بلد مجاور
وبيعت لممارسة الاستجداء. تعرضت للضرب في كل مرة
فشلت للعودة بحصتها المحددة مسبقاً من النقود.
وحالما أصبحت مراهقة، أُجبرت على ممارسة البغاء.
بعد هروبها وضِعَتْ في ملجأ حكومي هربت منه أيضاً
عائدة إلى الشوارع، حسب تقرير إدارة الخارجية
الأمريكية.. وأخيراً تم إلقاء القبض على
Julia بتهم التعامل
بالمخدرات..
حق المعرفة فوق
كل الحقوق
جميع الحقوق محفوظة لموقع زيتونة
موقع
زيتونة نافذة مستقلة ليست مسؤولة عن مضمون المقالات التي
تنشر
ولا تعتبر المقالات المنشورة وجهة نظر رسمية للموقع
، بل فقط تعبرعن رأي الكاتب asfook@yahoo.com