القضية الفلسطينية بين تكتيك
أوباما واستراتيجية نتنياهو
طارق حمّود
على
ما يبدو، فإنّ عام 2009 حمل مضامين لافتة على
الصعيد السياسي، في ما يتعلق بالمواقف المؤثرة في
حراك المنطقة على شتى الصعد، فحرب غزة رغم كل
آلامها ومآسيها أفرزت حواراً فلسطينياً بين حركتي
فتح وحماس كان حتى وقت قريب غير ممكن في ظل ظروف
قطاع غزة والضفة الغربية.. كذلك فإن مجيء رئيس
جديد للولايات المتحدة كان من المحطات العالمية
المهمة على صعيد منطقتنا حيث كان له من الترقب
الشيء الكثير.. وتغيرات الخريطة السياسية
الإسرائيلية لم تكن تغيرات عادية، فصعود اليمين
الصهيوني كان حادثة نوعية على صعيدي المنطقة ككل
والكيان الصهيوني داخلياً بشكل خاص.
كل
هذه التفاعلات والاختلاطات السياسية استوجبت طرح
رؤى جديدة على المستوى السياسي في ظل تآكل الرؤى
القديمة التي قادتها إدارة بوش لثماني سنوات سبقت،
وأمام طرح الرؤية الجديدة كانت كافة الأطراف ذات
الصلة بقضايا المنطقة في حالة ترقب لخطاب أوباما
الذي جاء على غير المألوف أمريكياً ومعاكساً لنبرة
بوش في توجهه للعالم الإسلامي. وما يهمنا في
الخطاب هو ما تناوله في شأن القضية الفلسطينية،
فبالرغم من الارتياح الحذر الذي أبداه المراقبون
تجاه خطاب أوباما في القاهرة؛ إلا أن الفلسطينيين
لم يلحظوا تغيراً في المستوى الاستراتيجي بهذا
الخطاب الأمريكي سوى في نقطتين، الأولى: الموقف
الضاغط باتجاه وقف الاستيطان في الضفة الغربية وهو
ما تجلى في الخطاب وما قبله وما بعده في تصريحات
الساسة في أمريكا، والثانية: نبرة أكثر مرونة تجاه
حركة حماس، وهو ما يمكن اعتباره نتيجة حتمية لسقوط
آخر أوراق التوت في حرب غزة وفشلها في القضاء على
حماس بضوء أخضر من أوباما نفسه قبل توليه الرئاسة
رسمياً، وبالتالي فرض حماس كرقم في معادلة الصراع
في المنطقة يصعب تجاوزه. وفيما عدا هاتين النقطتين
فإن الخطاب لم يحمل سوى دغدغة مشاعر وعواطف لا
تحمل أي عمق استراتيجي، وبدون ممارسة عملية
لمفردات هذا الخطاب اللبق.
تكتيكات أوباما
المهم في ما يتعلق في نقاط الطرح الإيجابي
المذكورة في خطاب أوباما هو كيفية استثمار هذا
التحول الجزئي في الخطاب الأمريكي والاستفادة منه،
علماً بأن خطاب أوباما عبّر عن التكتيك الأمريكي
أكثر منه عن الاستراتيجية الأمريكية، إلى حد أن
بعض الكتاب قالوا إنه لا استراتيجية لدى أوباما في
ظل ما تتعرض له الولايات المتحدة من أزمات متلاحقة
على الصعد الاقتصادية والعسكرية وهو ما يلقي
بظلاله على الصعيد السياسي بلا شك، وهو رأي معقول،
خصوصاً إذا ما وقفنا أمام بعض المعطيات التي تفضي
لحقيقة أن أوباما لا يستطيع بناء استراتيجية أو
تبنّي أخرى في ظل اختزال الهمّ الأمريكي في إفلاس
الشركات والمصارف الكبرى وتأمين مستلزمات العاطلين
من العمل بعد وصول أعدادهم إلى نسب غير مسبوقة،
بالتالي لا يأتي خطاب أوباما ليعبّر عن فحوى
الاستراتيجية الأمريكية بل محاولة للخروج من أزمات
العهد السابق من خلال عدة أمور:
1-
كسب أصدقاء جدد للولايات المتحدة من دول النفط
الخليجي والإسلامي كإحدى سبل الإنقاذ المالي
للولايات المتحدة.
2-
تليين الخطاب الموجَّه إلى إيران القادرة على خلط
كل أوراق الهدوء الأمني النسبي في العراق إذا ما
تعرضت لاعتداء بسبب نشاطها النووي، وهو ما لن
تتحمل الولايات المتحدة وجيشها نتائجه في ظل
الأزمة الاقتصادية.
3-
هذه النقطة التي تحدثنا، عنها وهي المتعلقة
باسترضاء الشارع العربي والإسلامي في تحسين
التعامل السياسي الأمريكي في ما يتعلق بالقضية
الفلسطينية، والتي كان من نتاجها خطاب أكثر
اتزاناً مع حماس، وضغط على الكيان الصهيوني في
موضوع المستوطنات، وهي نقطة عملية.
وهنا
يجب أن لا نُغفل تعريج أوباما على نقاط متعلقة
بالقضية الفلسطينية مثل الدولة الفلسطينية التي
ذكرها بروتوكولياً ونظرياً في خطابه إذ لم يحدد
لها أفقاً زمنيأ ولم يضع أية آليات لتحقيق قيام
هذه الدولة، بمعنى أن أوباما طرح نقاطاً عملية
وأخرى نظرية في ما يتعلق بالقضية الفلسطينية، أي
إنها كانت عملياً في نقاط تتعلق بكل لاعب قوي في
الساحة الفلسطينية، فيما كانت نظرياً وبروتوكولياً
فيما يتعلق باللاعب الضعيف وهو السلطة الفلسطينية
بعكس حماس، لدرجة أنه طلب من الكونغرس تعديلاً في
القانون يسمح للولايات المتحدة بالتعامل مع حكومة
تضم وزراء من حماس حسب صحيفة لوس أنجلوس تايمز
الصادرة في 27 نيسان (أبريل) الماضي.
استثمار الخطاب
بالعودة إلى موضوع الاستثمار السياسي لهذا الموقف
الأمريكي، فأولى خطوات الاستثمار يجب أن تبدأ
بالفهم الصحيح لماهية الموقف الأمريكي وارتباطات
هذا الموقف بالمصلحة الآنية للولايات المتحدة،
كذلك إنّ فهم طبيعة العلاقات الدولية سيفرض موقفاً
أكثر مرونة لكل حلفاء الولايات المتحدة في
المنطقة. ومثال ذلك الموقف المصري المتناغم دوماً
مع موقف البيت الأبيض، حيث انسجمت مصر مع الخطاب
ووجهت دعوة رسمية إلى رئيس المكتب السياسي لحماس
خالد مشعل لزيارة القاهرة، ونتج من ذلك موقف واضح
من حماس يتعلق بالحوار وما يجري بالضفة الغربية،
ومنها نتج الموقف المصري الضاغط على فتح لعقد
لقاءات بين الفصيلين على مستوى الضفة الغربية
وقطاع غزة. بل إن صحيفة الإهرام تحولت من مقالات
الشتم والطعن بقيادات حماس إلى مقالات غزل في حكمة
وهدوء وجاذبية خالد مشعل على لسان مجدي الدقاق،
أحد أحدّ الأقلام في الأهرام.
وتجلت المرحلة في قدرة القيادة الفلسطينية التي
وُجّهت لها نقاط عملية في خطاب أوباما على استغلال
حالة المصلحة الأمريكية الجزئية وتقاطعها مع
قضايانا، لذلك فإن تأثير خطاب أوباما إيجابياً على
القضية الفلسطينية متعلق بقدرتنا نحن الفلسطينيين
على الاستثمار، وخصوصاً أن السياسي الأمريكي رغم
كل تخبطاته وأزماته يدرك ما يريد خلال هذه
المرحلة، ولو سلمنا بالرأي القائل إن لدى أوباما
استراتيجية ما، فإن مرونة خطابه لا تعدو جزءاً من
محاولات تحقيق هذه الاستراتيجية من خلال محطة آنية
لرفد استراتيجية لا يمكن أن تنفكّ عن سلطة
(الأيباك) في الكونغرس الأمريكي، وبالتالي ستكون
استراتيجية مبنية على ثوابت الأمن الصهيوني.
لكي
يؤثر الخطاب
إلى
ذلك، فإن تأثيرات الخطاب الأمريكي والسياسة
الأمريكية خلال السنوات القليلة القادمة تجاه
المنطقة، التي يعكسها خطاب القاهرة لأوباما متعلقة
بنقطتين: الأولى، أمريكية تحددها المصلحة
الأمريكية ومدة تماهيها مع تحقيق رضى ولو بالحد
الأدنى في المنطقة. والثانية، فلسطينية تتعلق
بقدرة الفلسطينيين على اللعب على تناقضات الوضع
الدولي في ما يمكن أن يخدم التوجّه السياسي
للقضايا الوطنية، وهي النقطة التي تستوجب وحدة
فلسطينية تتبنى موقفاً سياسياً موحداً وقوياً، وهو
ما يمكن أن يتحقق في إعادة بناء مرجعية وطنية
فلسطينية، ولتكن منظمة التحرير الفلسطينية على
أساس شراكة الكلّ الفلسطيني في صناعة القرار
المصيري في مختلف القضايا.
اليوم قد نجد أنفسنا أمام فرص لا تتكرر، وضع
أمريكي مترهل أو ليس كسابقه على الأقل، وحكومة
صهيونية متطرفة عبّرت عن موقفها بشكل يناقض الرؤية
الأمريكية في كثير من الجزئيات من خلال خطاب
نتنياهو الذي عكس رؤى اليمين الصهيوني الحاكم تجاه
كل متطلبات عملية التسوية بدولة بلا سيادة وتوسيع
للمستوطنات (بخلاف الكلام الأمريكي) والقدس عاصمة
موحدة وأبدية للكيان، ولا عودة للاجئين، وهو تناقض
قلّ أن يحدث بين الرؤى الصهيونية ورؤى المجتمع
الدولي وعلى رأسه الولايات المتحدة، لذلك نحتاج
إلى قدرة عالية لفهم طبيعة الحراك الدولي
واحتياجاته ومحاولة الاستفادة من تناقضاته، بغية
الوصول إلى صيغة تمكّن المجتمع الدولي من أداء دور
فاعل غير منحاز بعد سقوط المراهنات على مفاهيم
النزاهة والشفافية والحيادية والأحقية في الموقف
الدولي الذي يصارع الآن من أجل الخروج من أزمة
اقتصاد عالمي قائم على حرمان ملايين من أجل حياة
عشرات.
الاتجاه الصحيح
بقي
أن نقول إن دورة الزمن تلعب اليوم في مصلحتنا، ومن
أخطر ما يمكن أن نرتكبه في عملنا الوطني أن نحاول
عكس عقارب الساعة وجعلها تدور إلى الوراء، وإن
طبيعة العلاقات الدولية تمثل أهم عامل في بناء
السياسة المحلية أو الإقليمية أو العالمية، وبما
أن السياسة والاقتصاد مفردتان لمعنى واحد في
القرنين الأخيرين، فهناك فرصة حقيقية لتغيير وجهة
الموقف السياسي الدولي شرط تنظيم الحراك وانسجام
دورنا التكتيكي مع استراتيجيتنا الوطنية.
حق المعرفة فوق
كل الحقوق
جميع الحقوق محفوظة لموقع زيتونة
موقع
زيتونة نافذة مستقلة ليست مسؤولة عن مضمون المقالات التي
تنشر
ولا تعتبر المقالات المنشورة وجهة نظر رسمية للموقع
، بل فقط تعبرعن رأي الكاتب asfook@yahoo.com