تبدو
تصريحات إسرائيل وتعليقاتها، في الذكرى الثالثة
لبدء عدوانها على لبنان، متجهة نحو الابتعاد، قدر
الإمكان، عما يسمّونه «جلد الذات» وإظهار «عورات»
الجيش الإسرائيلي أمام أعدائه. في استفاقة متأخرة،
وعلى نقيض من السنوات الماضية، أغفلت المقاربة
الإسرائيلية «المستجدة» لنتائج الحرب الحديث عن
فشل الجيش الإسرائيلي في تحقيق أهدافه، كما أغفلت
خلاصات لجان التحقيق العسكرية والمدنية التي أقرّت
رسمياً بالفشل. وشهدت الذكرى، إسرائيلياً، تشديداً
على وجود «إنجازات» حققتها إسرائيل في هذه الحرب،
وفي
مقدّمها ردع حزب الله،
مع تقليص مقصود لإنجازات «العدو»، وفوائده.
تماشياً مع هذا المسعى، تواصل إسرائيل، منذ
أسابيع، تركيزها على «إنجازات» حربها، بعد ثلاث
سنوات من انتهائها. في مقدمة هذه الإنجازات
«ارتداع» حزب الله عن الإضرار بإسرائيل، وتكثيف
الحديث عن المعاني الكامنة وراء واقع الهدوء
السائد على الحدود مع لبنان، وعدم إقدام الحزب على
تنفيذ عمليات «عدائية» ضد الدولة العبرية، منذ
انتهاء الحرب.
في
إطار ذلك، أشار وزير الدفاع الإسرائيلي إيهود
باراك إلى أن «حرب لبنان الثانية أدّت إلى دعم
قدرة الردع الإسرائيلية بصورة ناجعة حيال حزب
الله، كذلك أدّت إلى استتباب الهدوء على امتداد
الحدود الشمالية». بدوره، شدد قائد المنطقة
الشمالية في الجيش الإسرائيلي غادي آيزنكوت،
المعروف بـ«منظّر عقيدة الضاحية واستهداف المدنيين
اللبنانيين»، على أنه «منذ انتهاء الحرب، يقف أمام
العدو جيش يعرف كيف يختبر قدرته بدقة، وهو جيش
يقوم بإصلاحات أساسية من أجل تحسين الجهوزية
والكفاءة والقدرة العسكرية، كي يردع العدو ويمنعه
من القيام بأعمال إرهابية، وأيضاً كي يدافع
بفاعلية ومهنية عن الحدود الشمالية».
تشبه
إسرائيل في الذكرى الثالثة لعدوانها على لبنان
طالباً ثانوياً رسب رسوباً مزرياً في الامتحانات
الرسمية، وأمضى أشهر الصيف في دراسة فشله، وقبل
موعد دورة الامتحانات الاستثنائية للراسبين،
يتفاخر أمام أهله ومن حقق فيها نتائج باهرة بأنه
توصل أخيراً إلى معرفة كيف فشل.
بالطبع، رسالة إسرائيل في ذكرى عدوانها والتحوّل
في حديثها من الفشل إلى الإنجاز،
يعدّان رسالة داخلية بامتياز،
ويراد أن يستفاد منهما أمام أعدائها أيضاً.
فالرواية الإسرائيلية الجديدة للحرب، والتركيز على
ارتداع حزب الله نتيجة لها، وتناسي كل واقع ملموس
يناقضها، تهدف إلى إحداث نقلة نوعية في التعاطي مع
الحرب ونتائجها، وإبعاد ما وُسم به الجيش
الإسرائيلي من فشل في الذاكرة الجمعية
الإسرائيلية، وهما مهمتان لا تستقيمان من دون
تغيير في أصل رواية الحرب ونتائجها.
يعاب
على الرواية الإسرائيلية الجديدة لنتائج الحرب
وحديثها عن فرضيات الردع حيال المقاومة، أن الردع،
من دون الدخول في بحر التعريفات النظرية، حالة غير
مادية يصعب قياسها والاستدلال عليها، كذلك فإنه لا
يكفي الهدوء السائد على الحدود، بقرار من
المقاومة، للاستدلال على ارتداع حزب الله، وخاصة
أنه واقع مادي يتماشى مع مهمة المقاومة الدفاعية.
والأجدى للدولة العبرية أن تبحث عن الأسباب التي
تجبرها على الصراخ دون عمل حيال ما تقول إنه تراكم
غير مسبوق للقدرات العسكرية لدى المقاومين، وتوصّف
هذه القدرات بأنها تهديد استراتيجي للأمن القومي
الإسرائيلي.
يشبه
الردع الإسرائيلي المكتشف حديثاً، في مقاصده
النهائية الرامية إلى حرف اتجاهات رأي الجمهور
الإسرائيلي عن فشل 2006، رواية إسرائيل المتناقضة
عن انتشار الجيش اللبناني وقوات اليونيفيل جنوبي
نهر الليطاني، إذ تروّج إسرائيل لهذا الانتشار على
أنه مكسب إسرائيلي بامتياز، وإحدى نتائج الحرب
الإيجابية لجهة الدولة العبرية، من القول إنه سبّب
إبعاد مقاتلي الحزب عن الحافة الأمامية، وصعّب
حركة الحزب جنوبي نهر الليطاني، علماً بأن
الاستخبارات الإسرائيلية تشدد في تقديراتها
المتكررة والمنشورة تباعاً منذ انتهاء الحرب، على
أن الجيش اللبناني واليونيفيل غير صالحين
لـ«معالجة» المقاومة ومحاصرتها، وتشدد على أن
«الانتشار المعزز لقوات اليونيفيل في جنوب لبنان،
وفقاً للقرار 1701، لا يعرقل على الإطلاق التسلّح
المتسارع لحزب الله بصواريخ جديدة وبوسائل قتالية
أخرى». كذلك تشير بعض التقارير الإسرائيلية إلى أن
مقاتلي الحزب لا يزالون يتحركون ويتحصّنون في
القرى والبلدات القريبة حتى من الشريط الشائك، كأن
شيئاً لم يتغيّر.
يعاب
على الرواية الإسرائيلية الجديدة، أيضاً، أنها
تستغفل جمهورها الهدف (الإسرائيليين). فماذا عن
عوائد ومردود المقاومة من الحرب؟ الجانب الآخر من
المعادلة:
هل
ترى إسرائيل أن الاحتضان الشعبي لحزب الله، على
الأقل في بيئته المباشرة، قد تضرّر نتيجة الحرب،
وبالتالي تقلّص احتضان هذه البيئة للمقاومة؟ هل
ترى أن قدرة المقاومة العسكرية تقلّصت عما كانت
عليه عشية الحرب، أم ازدادت تراكماً، كما يشهد على
ذلك الإسرائيلي في أكثر من مناسبة؟ هل تراجع موقع
حزب الله كعامل مؤثّر في تكوين المشهد السياسي
اللبناني، وربما الإقليمي، وبات لاعباً هامشياً
فيه؟... إن كان الجواب عن هذه الأسئلة، وغيرها،
بنعم، فإن إسرائيل تكون بالفعل قد حققت أهداف
حربها على لبنان عام 2006، دون حاجة إلى التلطّي
وراء ردع موهوم.
حق المعرفة فوق
كل الحقوق
جميع الحقوق محفوظة لموقع زيتونة
موقع
زيتونة نافذة مستقلة ليست مسؤولة عن مضمون المقالات التي
تنشر
ولا تعتبر المقالات المنشورة وجهة نظر رسمية للموقع
، بل فقط تعبرعن رأي الكاتب asfook@yahoo.com