مصر: انقسام النخبة الحاكمة بين
معارض للتوريث ومؤيد
محمد عبد الحكم دياب
كاتب
من مصر يقيم في لندن
رغم عوامل الإحباط الناجمة عن غموض مستقبل الحكم
فالواضح أن مصر انتقلت من حالة
الحراك السياسي التي بدأت من 2004 إلى مرحلة
الفوران الوطني. وهي الآن تشق طريقها
عنوة بحثا عن ضوء في نهاية نفق مظلم. تسير فيه
البلاد في ظروف استثنائية.
وإذاما
اتجه هذا الفوران صعودا فالنهاية المأمولة بانتقال
الحكم بشكل سلمي وبأقل
الخسائر الممكنة تكون متوقعة. أما إذا خرج عن
مساره فسوف يقود إلى المجهول وإلى نفقأشد
ظلمة من النفق الحالي. هذا التحول يأتي مصحوبا
بيأس بالغ يخيم على فريق التوريث
ومؤسساته. والسبب يكمن في الحصار المضروب من الرأي
العام، الرافض وغير القابل به،على
أصحابه وأنصاره.
وصار الموقف الشعبي من
التوريث متشابها إلى درجة التطابق
مع الموقف من
التطبيع. فثلاثون عاما مرت على معاهدة كامب ديفيد
وما زال التطبيعمحصورا في الفئات المعادية
للتطلعات المشروعة للشعب. وبين الشرائح التي ربطتمصالحها مع المنظومة الصهيو
غربية، وهي منعزلة تعيش داخل مستوطنات وحصون. وليس
منبينهم من هو قادر على
التواصل مع الناس. إذا تحدث إليهم تحدث من وراء
حجاب. بعد أنودعت مصر في
عصرهم ذلك الزمان الذي كان الحاكم يذوب في بحر من
البشر وهو مطمئنآمن.
والانطباع السائد هو تغييب
شبه كامل للشعب والشارع من سيناريوهات التغيير.
من طرف النخبة السياسية
الموزعة في جزر عدة، أغلبها مخترق بالمال والأمن
والتدخلالخارجي.
ضاقت الاختيارات لحل أزمة
الحكم المستعصية. ولا خلاف يذكر بين المسؤولينوالسياسيين الرسميين
والمعارضين بعد أن حصروا الخيارات في خيارين.
التمديد كخيارللحرس القديم وأنصاره.
والتوريث، كمطلب لفريق
التوريث ومؤسساته، في سعيه إلىدفع الوريث إلى مقعد
الرئاسة دفعا. اعتمادا على نفوذه وتحكمه في مفاتيح
القرارالمالي والاقتصادي
والأمني والحزبي والتنفيذي. وتبدو مؤسسات الوراثة
على قناعةبقدرتها على فرض جمال
مبارك حتى لو أدى ذلك إلى عزل الأب من منصبه
وتجريده منصلاحياته، إذا استعصى
الأمر عليها. ومع ذلك فشلت في ضغوطها لحل مجلس
الشعب وإجراءانتخابات تشريعية
ورئاسية بالسرعة المطلوبة. وهذا الاستعجال أضحى
مصدر قلق للأب،فقد يكلفه حياته. وفي
التاريخ المملوكي قصص عن صراع الأبناء مع الآباء
والزوجات ضدالأزواج على مقاعد
المُلك والسلطان. وفي ثمانينات القرن الماضي حدث
شيء من هذاالقبيل في تونس. حين
تطلع الحبيب بورقيبة الإبن إلى وراثة حكم والده،
وتلاه طموحالزوجة الراحلة وسيلة
بورقيبة. تمكن الرئيس التونسي الراحل من إجهاض
تطلع ابنه وكانوقتها ما زال قويا
وعفيا. وفي تصديه لابنه أساء إليه في نسبه وشكك في
بنوته. أماحين اكتشف طموح الزوجة
كان المرض قد أنهكه وحد من قدرته على المجابهة.
وانقسمالقصر الرئاسي إلى كتل
وفرق تتربص كل واحدة بالأخرى. بدأ ذلك صمتا ورصدا،
ثم اعتادالمتصارعون داخل القصر
على العمل السري والتآمر. واتخذوا من الرئيس
المريض ستاراتخفى وراءه المتربصون.
وضعفت الرئاسة شيئا فشيئا، مما أفسح الطريق
للتغيير في شكلهالأمني الذي تم في ذلك
الوقت.
ومشكلة الوريث المصري هي في
نظرة الناس إليه، فهملا يرونه مؤهلا، ولا
يشعرون بأدنى تعاطف تجاهه. ويرى البعض، مثل أيمن
نور، أن خبرتهلا تؤهله لأكثر من
رئاسة بنك.
في تصريح لـ'القدس العربي'
في 23 حزيران/ يونيوالماضي، مع أنها وظيفة
أكبر من قدراته، من وجهة نظرنا. وهذا ليس عملا
مصرفيا وأبعدما يكون عن الحكم
والسياسة، ونهج السمسرة والمضاربة وقف وراء قرار
عاطف عبيد ، رئيسالوزراء السابق، بتعويم
و تخفيض قيمة الجنيه المصري ، وهو نفس النهج الذي
حكمالخصخصة وصولا إلى مشرورع
الصكوك لا لتهام ما تبقى من ملكية عامة وأصول
مملوكةللدولة والمجتمع. وصار
هذا النهج فلسفة للحكم، وأساسا لما يسمى بالفكر
الجديد،وقاعدة لسلوك رجال
الوريث ومؤسساته.
هذا أقلق جناح داخل الحكم
نفسه، خاصة ما يعرفبرجال الحرس القديم. من
جانبهم شجعوا خيار التمديد للأب ردا على خيار
توريث الابن. وانقسمت النخبة الحاكمة ومعها
قطاعات من المعارضة إلى فريقين. واحد مع التمديدوالآخر مع التوريث.
والخيارات الأخرى لم ترق بعد إلى مستوى أي منهما.
وفي سياقالتمديد بدأ الحديث
يثور حول القوات المسلحة، كطرف قادر على تجنيب
البلاد الدخول فيدوامة المجهول، ووجد
الحديث صدى لدى من لم يكتشف بعد حجم التحولات
والتغيرات التيضربت في عمق مؤسسات
القوة. ولم يحسب أحد حسابا لجهاز الشرطة، على أساس
أنه جهازمدني وليس عسكريا، وهذا
صحيح، إلا أنه في ميزان القوة أقوىِ عددا وفعلا من
القواتالمسلحة. فطبيعته
البوليسية وصلاحياته الواسعة الممنوحة له بقانون
الطوارئ ونظامإعداده النفسي والتربوي
العنيف. القائم على التحقير من المواطن جعل منه
تنينا ينشرالنار والدمار والرعب
في كل مكان، متفوقا بذلك على أي قوة أخرى.
هذا فتح بابالاحتمالات أمام ما
يمكن تسميته بـ'الحل البوليسي'.
المستند إلى قوة ضاربةومتوحشة. تصل إلى مليون
وأربعمئة ألف شخص، وهو ما يساوي أربعة أضعاف عدد
القواتالمسلحة، وتملك من
الأسلحة والعتاد ما يمكنها من السيطرة وفرض الحاكم
القادمبالقوة. والغريب أن
هناك ما يشبه الإجماع على استبعاد هذا الاحتمال.
في وقت فتحتفيه مصر على احتمالات
قد لا يتوقعها أحد.
قد تفرض نفسها بصدمة
المفاجأة، أوتتسلل إلى الناس بتيه
الدهشة. ويبدو أن رهان رجال الأعمال الذين يحكمون
البلاد،ومؤسساتهم هو على جهاز
الشرطة، وليس بينهم من يعول على المؤسسة العسكرية.
فهم لاينسون ثأرهم معها،
كمؤسسة فتحت الباب للتغيير الذي طرد الاحتلال،
وأطاح بالملك،وقضى على الإقطاع، وصفى
الرأسمالية.
إذن ما زال هناك من يرى في
القوات المسلحةالقدرة على الحسم في
الوقت المناسب. وهم على عكس رأينا بأنها أقل نفوذا
من الشرطةفي وقتنا الراهن .
وتراجع الرهان على الشارع. وكان الغرب قد راهن
عليه في تفجيرالثورات الملونة في
أوروبا الشرقية بعد انهيار الاتحاد السوفييتي،
وحاول استئنافهالتقويض الحكم الإيراني
في أعقاب الانتخابات الرئاسية الأخيرة.
الانطباع الذي لديناأن رهان النخبة المصرية
على الشارع انحسر. وإن كانت حركة 'كفاية' وأخواتها
قد كسرتحاجز الخوف. يبدو أن ما
بقي منه ما زال مانعا للفعل الحاسم والمؤثر،
وتغييب الشارعيعكس انفصاما واضحا
تعاني منه النخبة في علاقتها مع الجمهور. فهي من
جانب لا تقربعجزها وتكابر، وعلى
الجانب الآخر تصب جام سخطها على الناس وتلعنهم ليل
نهار وكأنهامبرأة من التقصير.
بالإضافة إلى أن الشارع يعاني قدرا كبيرا من
الإعاقة بتأثير فكرتقليدي. لا يرى جدوى من
الرهان على الناس، الذين عليهم أن ينصاعوا لـ'أهل
الحلوالعقد'، وهم رجال الدين
والأئمة دون سواهم، من مفكرين ومثقفين وسياسيين
وخبراءوبرلمانيين وقادة
المجتمع وحكماء الناس. ومنهم من يتوجس من الناس.
ومع كل هذهالتعقيدات يبقى الفوران
الشعبي واردا. وقد يفاجأ الجميع بموقف غير متوقع.
فمن رفضواالتطبيع وحاصروه في
حدود الانعزاليين والمتأمركين والمتصهينين هم
أنفسهم الذينيقاومون التوريث، فمن
رفض التطبيع لن يرغم على قبول التوريث.
ومن بين من لايراهنون على الشارع
هناك من يرى الحل في التدخل الخارجي. المطروح بشدة
بين الغارقينفي مستنقع التبعية،
وكلهم رغم ما بينهم من خلاف يعولون على دور أوروبي
أمريكيصهيوني يمنحهم على مُلك
مصر.
من الصعب إنكار تأثير دور
القوى الخارجية علىالأوضاع الداخلية، خاصة
لو كان بينها من هو بحجم الدولة الأعظم والأغنى في
العالم،وبوحشية الدولة
العنصرية والكيان الاستيطاني الأشرس في العصر
الحديث. ليس في مقدورأي منهما أو كليهما معا
حسم قضية التغيير، فالتدخل الامريكي والضغط
الصهيوني لدعممرشح من المرشحين
للرئاسة او إزاحة آخر يجلب النقمة والسخط على من
يطلبه.
فمستوى الكراهية المتأصلة
في النفوس للسياسة الأمريكية وللارهاب الصهيوني
أساسرفض حكم عائلة مبارك. لم تستطع
الولايات المتحدة ولا الحركة الصهيونية بأوجههااليهودية والمسيحية،
وبكل أجهزتها العلنية والسرية ومليارات الدولارات
التي صرفتعلى تشويه التاريخ
وإلغاء الذاكرة وطمس الهوية، كله لم يثن الغالبية
العظمى عنمواقفها. ما زالت تحن
إلى زمن التحدي والتحرر والاستقلال والوحدة، وإلى
رمز ذلكالزمان جمال عبد
الناصر. وتواجه التطبيع والمطبعين، وتسعى إلى
مساندة الفلسطينيين.
كان موقفها الداعم لأهل
غزة صادما لأجهزة الرصد الغربية والصهيونية وهي
ترى المعاركاليومية الضارية لصد
المصريين الزاحفين نحو غزة بالدواء والمؤن
والمتطوعين.
وكلما فعلته الدولة
الصهيونية أنها طلبت من الإدارة الأمريكية التوقف
عن الضغط علىعائلة مبارك. و استجاب
البيت الأبيض بالفعل ، ليثبت أن ما يحدث من خلاف
لا يتجاوزحدود 'ضرب الحبيب' الذي
لا يصل للعداء أو القطيعة المؤقتة أو الدائمة.
والوريثقادر، من وجهة على
النظر الأمريكية الصهيونية، على ضمان استقرار
الحكم المصري. وأكدت الصحف الصهيونية مسعى تل
أبيب وواشنطن لنقل السلطة من الأب إلى الابن بصورةسلمية للحفاظ على
العلاقات القوية بين تل أبيب والقاهرة. وتعمل
الجهات الصهيونيةالمعنية على إشعار
الوريث بفضلها في تقلده المنصب الرئاسي، ليمنحها
مقابله التزامهصارما بالحفاظ على
العلاقات المصرية الصهيونية على ما هي عليه، وقد
أشارت إلى ذلكصحيفة 'معاريف' الاسبوع
الماضي.
وأضافت أن هناك متابعة
حثيثة على المستويينالامني والسياسي في
الدولة الصهيونية للوضع في مصر من أجل العمل على
نقل السلطة الىخليفة حسني مبارك بشكل
سلس.
ومن تزكيه تل أبيب ولا يعبأ
بشعبه ويسقط كاملا منالحساب فلا مكان لباعة
الوطن وسماسرته. وعلى النخبة أن تحسب حسابها،
وتتوجه إلىالناس قبل فوات الأوان.
فالناس في حاجة لرموز وقادة يتقدمون الصفوف يثيرون
فيهمالنخوة ويهيئونهم للحظة تغيير
قادمة لا محالة. وإلا فإن احتمال الفوضى والتفكك
هوالأرجح.
حق المعرفة فوق
كل الحقوق
جميع الحقوق محفوظة لموقع زيتونة
موقع
زيتونة نافذة مستقلة ليست مسؤولة عن مضمون المقالات التي
تنشر
ولا تعتبر المقالات المنشورة وجهة نظر رسمية للموقع
، بل فقط تعبرعن رأي الكاتب asfook@yahoo.com