لطالما جهدت الدوائر
الاستعمارية الغربية التي استعمرت بلادنا، فيدراسة الصغيرة والكبيرة
في واقعنا وفي بيئتنا وثقافتنا، وكل ما يتعلق بنا،
لتعرف منأين تتغلغل بنا. نجحت
كثيراً وأخفقت قليلاً نتجية هذه الدراساتوالقراءات.
وقد أثبتت الوقائع أن من
حقق الفوز وجعل بعض الإنتصارات إنجازاًمهماً على وليدة
الاستعمار ووريثته في اختطاف فلسطين بكاملها،
وأقسام من الدولالمجاورة لها، وجعلها
تخفق في بعض أدافها، هو أن هذه الجهات التي حققت
الانتصارات،اعتمدت قراءة تفكير هذا
العدو لتعرف كيف تتعامل معه. إذن هذه تجربة ناجحة،
وقداعتمدتها كل الأمم المخلصة
لأوطانها، في وضع استراتيجياتها لحماية كياناتها
منالغزو والاستعمار. وفي هذا
لعلنا كنا مغيبين قسراً عن الولوج إلى عقل عدونا
ومعرفةكيف يفكر، وربما أكثر
من ذلك، كنّا مجهلين عنوة، أخذنا بنشوة تاريخ
أثخناه غزلاًوتبجحاً دون أن نعمد
إلى الحفاظ على إنجازاته في كل الميادين. ونهلل
للزعيم الشخصوننسى القضية الوطن، بل
وأكثر، إن بعض الإنجازات التي تحققت على الصعيد
القومي، فيالعام 1952 وإحلال
أنظمة إصلاحية تعتمد البعد القومي في سياستها
الإجرائية،أذهبناها أدراج الرياح
نتيجة المنازعات والأنانيات والعودة إلى أحضان
الاستعمارالقديم، كي نحمي ذواتنا
ومصالحنا ولو على حساب وطننا، ليبقى من هذه
الإصلاحاتشكلها، وتبقى الشعوب
على قهرها.
هذه القراءةلواقعنا هي التي
دفعتنا، كمساهمة "ولو نقطة في بحر"، إلى إنشاء
موقع "المدارك" لنسعى جاهدين في قراءة ما تيسر
لنا عن طريقة تفكير هذا العدو، ليس بخطوطها
العريضةالتي أحيانا يلجأ قادة
العدو ـ لعباً على ذكائنا أو إمعانا في استغبائنا
ـ إلىإيهمانا أنه هكذا يفكر، إنما
بتفاصيل ما يصدر عن مراكز الأبحاث والدراسات عنده،والتي يعتمد عليها
كلياً في رسم خططه وبناء خطوطاستراتجيته.
ما يلي دراسةأعدها "غيورا آيلاند"
رئيس مجلس الأمن القومي في ديوان رئاسة الحكومة
الاسرائيلية،التي قالها في ندوة
لمركز دراسات الأمن القومي عقدت في جامعة تل أبيب،
وقامبترجمتها المحلل والكاتب حلمي
موسى، وقد نشرت في جريدة السفيراللبنانية.
ننشرها هنابكاملها:
غيورا آيلاند عن الحرب التي
كانت
والحرب التي ستكونوالنتائج التي لن تتغير
تقديموترجمة حلمي موسى:
عقدمركز دراسات الأمن
القومي في جامعة تل أبيب ندوة موسعة في الثاني عشر
من تموز حولحرب لبنان الثانية في
الذكرى الثالثة لها. وقد تحدّث في الندوة، إضافة
إلى المقدم،الدكتور غبريال سيبوني
كل من رئيس المركز الدكتور عوديد عيران ورئيس مركز
ديانلدراسات الشرق الأوسط
البروفيسور إيال زيسر والجنرالات غيورا آيلاند،
وموشيهكابلينسكي ودان حلوتس.
ومعلومأن آيلاند تولى في آخر
مناصبه مهمة رئاسة مجلس الأمن القومي في ديوان
رئاسة الحكومةالإسرائيلية وخدم في
هيئة الأركان العامة رئيساً لشعبتي العمليات
والتخطيط. وقد سبقله أن تقلب في المناصب
القيادية الأدنى من قيادة الكتائب إلى قيادة
الألوية والفرق. وهو يعمل اليوم باحثاً كبيراً
في مركز دراسات الأمن القومي الإسرائيلي.
وتتسممحاضرة آيلاند بأنها
تجمع بين خبرته العسكرية والبحثية وتتعامل مع دروس
الماضيوالتطلعات للمستقبل على
صعيد حروب إسرائيل المقبلة. ولا ريب في أن
المحاضرة تظهرجانباً من طريقة تفكير
جزء من الجهات الاستشارية المهمة التي تؤثر على
العقلالقيادي الإسرائيلي على صعيديه
العسكري والسياسي.
تجدرالإشارة إلى أن
«السفير» كانت ترجمت ونشرت يوم الاثنين الماضي نص
تقديم الدكتورسيبوني للندوة ونص
محاضرة الدكتور عيران حول الأداء السياسي لإسرائيل
في الحرب،خصوصاً بشأن القرار
1701 أو ما يسمى بـ«المخرج السياسي». ورغم أهمية
محاضرة آيلاند،فإن الأنظار اتجهت نحو
محاضرة رئيس الأركان في زمن الحرب الجنرال دان
حلوتس التيأقر فيها بوقوع أخطاء،
لكنه شدد على أنه لو تكرر الوضع الذي ساد في
الثاني عشر منتموز 2006 لأوصى
الحكومة بالتصرف على النحو الذي كان حينذاك.
وفيكل الأحوال فإن نشر
نصوص هذه الندوة يثبت من جهة أن إسرائيل الرسمية
لم تبرأ بعد منالجراحات التي أصابتها
في ميدان المعركة. صحيح أن البعض استخدم تعبير أن
الحربونتائجها كانت «صرخة إيقاظ»
لإسرائيل، إلا أن آيلاند يشدد على أن التحسينات
التيطرأت على أداء إسرائيل بعد
الحرب لا تغير من نتائج أي حرب مقبلة شيئاً لأنها
تتعادلمع التحسينات التي طرأت
على أداء وتسلح «حزب الله». ولهذا ينطلق من أن
التغييرالمطلوب إسرائيلياً
لتغيير نتائج أي حرب مقبلة هو اعتبار لبنان بأسره
عدواً وعدمحصر المعركة بـ«حزب
الله» أو بمجتمعه المناصر.
وفيكل الأحوال فإن
المناقشات التي دارت في الندوة تبين استمرار
الخلاف في إسرائيل حولالأداء العسكري
والسياسي في حينه واستمرار الخلاف حول ما ينبغي
فعله لاحقاً. وفي كلالأحوال فإنها فرصة
للإطلالة على الطريقة التي يفكر بها الصف الأول من
الإسرائيليينالذين يقدّمون خبرتهم
لصناع القرار.
فيالآتي النص الكامل
لمحاضرة آيلاند مع بعض الاختصارات لأسباب تحريرية:
لنأصف هنا ما وقع في
الحرب، ولن أعدد كل مواضع الخلل التي كانت أو لم
تكن فيها، فقسممنها تم وصفه بإسهاب في
الكتب التي نشرت وفي تقرير لجنة فينوغراد وقسم آخر
ربماسيتطرق إليه المتحدثون من
بعدي. وبودي الحديث هنا عن سبع نقاط هي بمثابة نوع
منالاستخلاصات ليس فقط من هذه
الحرب، وإنما، من وجهة نظري، من ثلاثة أحداث
مركزيةوقعت في السنوات
الأخيرة، وهي أحداث يمكن المقارنة بينها، وهي
السور الواقي العام 2002
في الضفة الغربية، حرب
لبنان الثانية وعملية «الرصاص المسكوب».... وتنقسم
هذهالنقاط التي أتحدث عنها إلى ست
نقاط تتعلق بالماضي والحاضر، ولكنها ذات آثار علىالمستقبل، أما النقطة
السابعة فإنني أدعي بأنني سأقدّر فيها ما سيحدث
إذا نشبت فيالغد حرب لبنان
الثالثة، وبالتالي ما الذي يحسن بنا أن نفعله.
إذنما هي النقاط السبع؟
الأمرالأول الذي ينبغي فهمه
في الحروب من النوع الذي نشهده في القرن الحادي
والعشرين،وأقول ذلك بعمومية
شديدة، لأن الأمر يصح على منطقتنا لكنه أيضاً يصحّ
على أماكنأخرى، مثل العراق
وأفغانستان وما شابه، هو أن هناك فجوة بنيوية
وكبيرة بين التوقعاتوالقدرات. ... وتتعلق
هذه الفجوة عموماً بأربع نقاط: النقطة الأولى، هي
مدةالمعركة. وهناك افتراض بأنه
لأننا أقوى من الطرف الثاني، وبالمقارنة مع حروبناالسابقة التي هزمنا
فيها كل ذلك القدر من الجيوش خلال ستة أيام العام
1967، فلماذاينبغي أن يكون الأمر
أشد تعقيداً ولا نستطيع إنهاء معركة كهذه في وقت
قصير وبشكلواضح....
الأمرالثاني هو أن هذه ليست
حرباً حقيقية، فأنت بالتأكيد أقوى من العدو ولذلك
لا ينبغيأن تقع في صفوفنا
إصابات كثيرة، لأنه من الناحية الظاهرية يمكن فعل
كل شيء من بعيد،ويمكن فعله بسلاح دقيق،
ويمكن فعله من دون تعريض قواتنا للخطر، ولذلك يمكن
شن حربمترفة نستطيع فيها
ضربهم ولا يستطيعون ضربنا.
والتوقعالثالث هو: أننا نحارب
الأشرار، والأشرار في هذه الحالة هم حزب الله، وفي
حالة أخرىهم حماس، ولذلك فالأمر
على ما يرام. يمكن قتلهم، ولكن لا نريد بحال من
الأحوالاحتمال وضع نشاهد فيه
على شاشات التلفزيون صور نساء وأطفال قتلى. ولذلك
فإن التوقعالثالث هو اضربوا
الأشرار، ولكن لا تمسوا من لا ينبغي المساس بهم.
والأمرالرابع هو: إذا كانت
هذه حرب فكما الحال في الحروب نريد أن نرى نصراً
وراء نصر واضحنرى فيه الطرف الثاني
يستسلم بوضوح ونعرف بجلاء من انتصر ومن هزم.
كلهذه التوقعات الأربعة
طبيعية جداً، ولكن يصعب تحقيقها بسبب أمور تميز
هذا النوع منالقتال لن ندخل فيها،
ولكن أبداً ستبقى توقعات كهذه في بداية معركة
كهذه. وبقدر ماتبدو المعركة معركة
خيار، من نوع عملية مبادر إليها من جانبنا،
والمستوى السياسييحاول فيها تجنيد الدعم
للعملية فإنه يطلق وعوداً ويرفع سقف التوقعات بأن
النتائجستكون مطابقة، ولذلك
يجدر بكم تأييدنا، لأننا ندير عملاً سيكون ناجحاً.
وبقدر مايرتفع سقف التوقعات في
البداية فإنه بعد ذلك تغدو الفجوة أكبر فأكبر بين
ما يحدثوما ظننا أنه سيحدث.
لقدقلت إن هذه الفجوة
طبيعية، وهي تحدث عندنا وفي أماكن أخرى. وربما أن
النقطة الخاصةبإسرائيل هي الهشاشة
التي بنيت فيها المنظومات عندنا وكم يسهل تصديعها
في لحظة ظهورهذه الفجوات. وإحدى
مشاكل حرب لبنان الثانية هي أنها خلقت فجوات سريعة
نسبياًوخطيرة جداً على ثلاثة
مستويات: الأول داخل الجيش، بين المراتب المختلفة
في الجيش. فالحرب لم تكن قد انتهت حين
بدأت الاتهامات التي أفترض أننا سوف نسمع عن قسم
منهافي الشهادات التي ستقدم هنا
لاحقاً. وهذا من نوع الأمور التي للجيش الإسرائيلي
فيبنيته الخاصة، وتحديداً في
قواته الاحتياطية، فإن صدعاً كهذا يغدو بالغ
الإشكالية. ...
والفجوةالثانية هي فجوة بين
الجيش والمدنيين. ومرة أخرى في قتال من هذا النوع
يجري فقط فيالجبهة الخلفية، وعندما
يكون الوضع ينطوي على فجوة يستعرض فيها الجيش
نجاحاته فيالهجمات الدقيقة لسلاح
الجو على أهداف هنا وهناك فيما أن مئات الآلاف منالإسرائيليين يقيمون
أسابيع وراء أسابيع في الملاجئ نشأ إحباط كبير
جداً لا يمكنللجمهور في ظله تفهم
استمرار القتال.
والفجوةالثالثة هي، بداهة،
فجوة تحدث على وجه العموم بأسرع من الأخريات، بين
المستوىالسياسي والمستوى
العسكري. وقد رأينا مثلها ليس فقط في هذه الحرب
وإنما في العام 1973
وفي العام 1982، ولكنه
حدث هنا أيضاً. ولذلك فإن أول نقطة يجب إدراكها هيالفجوة القائمة بين
التوقعات والقدرات. ...
والنقطةالثانية تبدو ظاهرياً
بديهية، ولكنها في الواقع أشد تعقيداً مما تبدو،
خاصة عندالحديث فيها لدى
المستوى الأعلى، هي أهمية تحديد الهدف. وفي العموم
فإن في الخطةالعسكرية ثلاث كلمات
تعتبر الكلمات الأساسية في أي خطة عسكرية وفي أي
أمر تنفيذيلعملية عسكرية. وأول
هذه الكلمات هي، الهدف، الثانية هي، المهمة،
والثالثة هيالأسلوب.
والهدفهو الجواب عن السؤال:
ما الذي نريد تحقيقه؟ من أجل ماذا نقوم بما نفعله؟
والمهمةهي الردّ على السؤال:
ماذا ينبغي أن نفعل؟ وماذا نفعل كي نحقق الهدف؟
والأسلوبهو الجواب على السؤال:
كيف ينبغي أن نفعل؟
وهذاالأمر أساسي جداً وبسيط
والناس تنال علامات على مدى التناغم بين الهدف
والمهةوالأسلوب في كل دورة
ضباط من المستويات الأدنى إلى الأعلى وفي كل مكان.
وبالعمومعندما يدور الحديث عن
مستويات عملانية حتى العالية منها فإنه ليس معقداً
أن تخلقالتكامل بين الهدف
والمهمة والأسلوب.
ويصعبعلينا جداً التوصل إلى
نتيجة كهذه عندما يدور الحديث عن صيرورة يكون فيها
القسمالأعلى، أي الهدف، أو ما الذي
نريد تحقيقه، وهو بطبيعته موضوع سياسي واستراتيجي،حيث يجب أن يرتبط
بالمهمة التي هي ما على الجيش فعله في نهاية
المطاف وبالأسلوبوالكيفية التي يفعل بها
ذلك. وعندما لا يكون هذا الأمر واضحاً، فإنه لا
يتماستجلاؤه بالشكل السليم، وهو
ما لم يوضح بالشكل المطلوب كما في حرب لبنان
الثانية،وبعد قليل سأقارن ولكن
ليس بشكل كلي بينها وبين عملية الرصاص المسكوب،
تنشأ مشاكل. ...
وإذاعدنا إلى جلسة الحكومة
التي عقدت في الثاني عشر من تموز والتي بحثت وقررت
الخروجلحرب لبنان الثانية،
فإنها لم تحدد الهدف بالشكل الصائب. وعملياً فإن
المداولاتالحقيقية التي كان
ينبغي إجراؤها كان يجب فعلها على الشكل التالي:
بوقوع الحادث تصلكل التقارير المفصلة
ومعظمها غير ذات شأن لهذه الجلسة حول ما حدث حقاً،
وتصل تقاريراستخبارية هي في الغالب
طويلة ومفصلة وليست بالضرورة مفيدة، ولكن كان
ينبغيالانشغال أصلاً بالمسألة
الحقيقية وهي الهدف. والهدف في حالة كهذه يمكن أن
يكون علىالأقل اثنين مختلفين
كلياً أحدهما عن الآخر، ولذلك من المهم جداً تحديد
ما الذينريده.
إذاكان الهدف هو، وهذا أول
احتمال، أن نقول وقع حادث، وهو حادث قاس ومؤلم
وإشكالي منناحيتنا، ولذلك فإننا
سننفذ عملية ثأرية قوية في لبنان. والعملية
الثأرية هي هنااستخدام قوي لسلاح الجو
طوال يومين أو ثلاثة. والثمن الذي يدفعه حزب الله
فيالمرحلة الأولى يكون كبيراً،
لأنه من اليوم الأول كان هناك تحديد جيد لأهداف
يمكنضربها. والضربة القوية يمكن أن
تصيب أيضاً، وليس فقط، الدولة اللبنانية التي توفرالرعاية لحزب الله
...
صحيحأن هذا بحد ذاته لم يعد
المخطوفين. وصحيح أن هذا لا يدمر حزب الله. ولكن
عملية كهذهمؤهلة لترميم قدرة
إسرائيل الردعية، والثمن الذي يدفعه الطرف الثاني
باهظ جداً،وهذا سيخلق من جديد
قواعد لعب من الأحسن لنا اللعب وفقها على الحدود
مع لبنان. صحيحأن الإنجاز يكون
محدوداً. لأن الهدف كان محدوداً جداً. ولكن الثمن
كان أقلوالمخاطرة أقل. هذه
نظرة محتملة أولى.
وهناكنظرة محتملة أخرى ترى
أن المشكلة ليست عملية اختطاف الجنود، ليس الحادث
وليسالمخطوفين. المشكلة الأساسية
هي وجود حزب الله كتنظيم كبير وقوي ينتشر على
حدودناالشمالية ويهدّدنا في
كل يوم. ولذلك فإن الهدف يجب أن يكون بعيد المدى
أكثر وضربقدرات حزب الله على
الأقل في منطقة الجنوب. وإذا كان هذا هو الهدف،
فإننا بحاجة إلىعملية من نوع آخر.
والنوع الآخر يعني أننا بحاجة من اليوم الأول
لتجنيد ثلاثة أوأربعة فرق احتياطية
وينبغي تنفيذ عمل لا يستمر يومين أو ثلاثة وإنما
يستمر أربعةإلى ستة أسابيع، يكون
مطلوباً فيه وربما بالضرورة، تنفيذ عملية برية
كبيرة نسبياًجنوبي خط الليطاني.
...
ولذلككان ينبغي أن يجري
النقاش في الحكومة حول السؤال: ماذا نريد أن نحقق
عندما نبدأالعملية؟ وبالمناسبة
عدا هاتين النظرتين كان بالوسع أن يكون إلى
جانبهما هدفان أونظرتان أخريان كان
ينبغي البحث فيهما. فعندما تقرر أن خيارك هو الأول
يعني أنالثاني ليس خيارك،
وكذلك ليس الثالث والرابع. وعندما لا يجري نقاش
كهذا فإن النتيجةهي أن ما يقررونه يبدو
على الأقل كأنه قرار يقول: هيا نبدأ قصف لبنان
ولنر بعدها ماسيحدث.
وهكذاعندما يخرجون من الغرفة
فإن الهدف لا يكون واضحاً. وعندما لا يكون الهدف
واضحا لدىالمستوى الاستراتيجي
فإن من الصعب جداً ترجمته بعد ذلك إلى أهداف جزئية
تنزل منمستوى رئيس الأركان إلى
مستوى قيادة الجبهة، ثم إلى مستوى قيادة الفرقة.
لأن السؤالطوال الوقت حول ما نريد
تحقيقه ليس واضحاً بما فيه الكفاية، فيما أن هذه
هي الجملةالتي ينبغي أن تكون
الأشد جلاء في أي أمر تنفيذ عملية.
ولهذافإن مقوم تحديد الهدف
بالغ الأهمية جداً وإشكالي جداً وهو إحدى نقاط
الإخفاق فيمعركة لبنان. وعليكم أن
لا تظنوا أن الأمر في عملية «الرصاص المسكوب» كان
أفضلبكثير. فعندما خرجوا لعملية
«الرصاص المسكوب» جرى تنفيذ عملية رائعة لسلاح
الجو،ولكن لم يكن واضحاً بعد ما
الذي يريدون تحقيقه. والتحديد الذي أعطي في
المستوىالسياسي كان نوعاً من
القول بأن المطلوب خلق ظروف أمنية أفضل.
...
والآنثمة بعد آخر: عندما
تجتمع حكومة فإنها بذلك تتحدث للجيش، ولكن ينبغي
عليها كذلك أنتتحدث للجمهور. وينبغي
قول شيء للجمهور. وبحق يقولون للجمهور جملاً
عمومية، لأنهمليسوا بالضرورة مضطرين
لتوضيح الخطة العسكرية بدقة. ولهذا هناك نوع من
رواية تعطىللجمهور وهي عموماً
قرار الحكومة. ومن الخطأ اعتبار أن قرار الحكومة
الذي يتحدث عنمواضيع عمومية للجمهور
هو نفسه القرار حول الهدف الذي يحددونه للجيش من
أجل إعدادخططه العسكرية. وهذا
أمر لم يكن واضحاً، كما أسلفت، في حرب لبنان
الثانية، لم يكنواضحاً في «الرصاص
المسكوب» ولم أرد ذكر السور الواقي. ففي عملية
السور الواقيأيضاً جرى نقاش حاد
جداً وفي حينه أجبر الجيش المستوى السياسي على
البحث في مسألةالمطلوب تحقيقه.
وكماتذكرون فإن العملية
التخريبية في فندق بارك في نيسان 2002 نفذت على يد
حماس، وكانهناك من قالوا إنه
ينبغي شن حرب لا هوادة فيها ضد حماس. ولكن الجيش
حينها فكّر أنقدرته على محاربة حماس
عبر تجاهل وجود السلطة الفلسطينية، ومن دون المساس
بالسلطةالفلسطينية، ومن دون
تنفيذ عمليات تؤدي حتى إلى انهيار السلطة
الفلسطينية، أمر غيرممكن. ولهذا سلطت
الأضواء على السؤال، وقرر الجيش أننا تحديدا نخوض
حربا ليست حرباشاملة وإنما حرب حقيقية
ضد السلطة الفلسطينية، خصوصا ضد رموزها السلطوية
من اقتحامالمقاطعة من جهة وحتى
دخول معسكرات اللاجئين من جهة أخرى. وعلى الأقل
فإنه في عمليةالسور الواقي جرى تشديد
النقاش في بداية العملية ولم يتزايد في أيام لاحقة.
والنقطةالثالثة هي كيف أن
المستويين السياسي والعسكري يديران فيما بينهما
معركة من هذاالنوع. وبديهي أن
الأمور ينبغي أن تحدث في المراحل التي تسبق
العملية. وما يتمإهماله على وجه العموم،
هو مقدار معرفة المستوى السياسي لقدرات الجيش. ثمة
ميلمبالغ فيه لدى المستوى السياسي
الأعلى، وخصوصا لمن يطلعون على التقاريرالاستخبارية، لمعرفة ما
يجري في الطرف الآخر. وهم يبدون كمن يقرأون تقاريراستخبارية خاماً من دون
فهم عميق للأهمية. فالأهمية قائمة لكنها قد تكون
ضارة ولكنالأهم هو ان نعرف
قدراتنا نحن. قدرات الجيش. وإذا شئت استخدام
تعابير عسكرية، عليهمالتعرف على تناسب
القوى. ما نجيد نحن فعله، وما يجيد الطرف الآخر
فعله.
وعندمالا يمنح هذا الأمر
الاهتمام الكافي، ليس فقط من جانب رئيس الحكومة
وإنما في الحالةالقائمة، من جانب
المستوى الرسمي في دولة إسرائيل الذي يتخذ
القرارات. فالسلطةالتنفيذية هنا هي
الحكومة بأسرها أو على الأقل المجلس الوزاري
المصغر. وإذا لم يكنهؤلاء يعرفون فإن
الفجوة الكبيرة التي تنشأ هنا ليس فقط بين
التوقعات والتنفيذ،وإنما أيضاً في فهم ما
يمكن وما لا يمكن تحقيقه.
لقدتحدث كثيرون عن هذه
المسألة في إشارتهم إلى حرب يوم الغفران. ولكن
بشأن حرب لبنانالثانية ثمة أمر واحد
وهو بقدر ما لم يؤخذ بالحسبان عندما خرجوا
للعملية. ويتحدثونعن موضوع مغاير تماماً
وهو ميزانية الجيش الإسرائيلي. لماذا؟ عندما أجرى
الجيشتقويم الوضع متعدد السنوات في
العام 2003 توصل لاستنتاج بأنه من أجل توفير رد
معقولوكاف على كل ما يقتضيه الأمر
فإنه بحاجة إلى مبلغ محدد. وعرض ذلك على الحكومة
ونالتصديقها بشكل مبدئي. وفي
السنوات من 2003-2006 طرأ تقليص سنوي في ميزانية
الدفاعبمعدل مليار إلى
مليارين فيما يتعلق بتحقيق تلك الغاية. وكانت
الذروة في أيار 2006قبل شهرين من نشوب
الحرب حين جرى في ذلك العام تقليص بحوالى نصف
مليار شيكل. وكانمن الواجب على الجيش،
والحال هذه، أن يقرر أن يشد الحزام في جهة ويرخيه
في جهةأخرى.
ومنكل المواضيع فإن الجيش
قال بنوع معين من النزاهة أن النقطة التي يستطيع
التوفيرفيها هي مستوى
الجاهزية. فماذا يعني مستوى الجاهزية؟ إن مستوى
الجاهزية هو مستوىالتدريب عندي وهو مستوى
امتلاء المخازن عندي. وبقدر ما فإن هذا هو مستوى
جاهزيتي. ...
وعندمااجتمعت الحكومة فإنها
اجتمعت في الثاني عشر من تموز. وإلى أن فهمت ذلك
وهي لم تفهمالوضع حتى النهاية.
وعملياً فإنها بخروجها للحرب فاجأت نفسها. أو
فاجأت الجيشبالنسبة لمستوى جاهزيته
لمواجهة هذا الوضع. لقد سبق لنا أن كنا في وضع
مختلفواتخذنا قراراً مختلفاً. وقد
حدث ذلك في صيف العام 1981.
في ذلك الوقت اتخذتالحكومة قراراً
استراتيجياً وأحدثت تمييزاً بين المستويين
التكتيكي والاستراتيجي.
وعلى المستوى
الاستراتيجي قالت إنه ينبغي شن حرب ضد منظمة
التحرير الفلسطينية فيلبنان من أجل تحقيق
أهداف هي كذا وكذا. ولكن هذا كان قراراً
استراتيجياً يفيد بأنناتكتيكياً لن نفعل ذلك
الآن وإنما سنفعله في وقت لاحق. أو أننا سوف ننتظر
الفرصةالمناسبة.
وهكذافإنه طوال عام كامل من
صيف العام 1981 وإلى صيف العام 1982 استعد الجيش
بشكل لميسبق له مثيل للحرب.
وكنت حينها قائداً لكتيبة وأتذكر إلى أي مستوى
تدريبات نزلناللتدرب على نماذج
وتمارين وجاهزية ملموسة لعملية تم التخطيط لها قبل
عام منتنفيذها. وكان القرار
الاستراتيجي قد اتخذ مسبقاً.
وفيالثاني عشر من تموز
قررت الحكومة للجيش أن يخرج للحرب فوراً، وبقدر ما
فإنها فاجأتالجيش بسبب عدم تناسب
جاهزيته ولو جزئياً لعملية من هذا النوع. ولكن إذا
واصلناالحديث عن إدارة
المعركة في الطابق بين المستوى السياسي والمستوى
العسكري فإن إحدىالجمل المذهلة التي
أسمعت خلال الحرب من المستوى الأعلى هي الجملة
التي قالها رئيسالحكومة، رداً على سؤال
بعد أسبوعين من الحرب: «لماذا لم تترك الجيش ينفذ
عمليةبرية؟». قال: هل أنني لم
أصدّق؟ الجيش لم يقدم لي اقتراحاً كهذا؟ ليست هناك
عمليةعرضها الجيش أمامي وأنا لم
أصدقها.
لقدنشأ هنا وضع غريب كما
لو أن الحوار بين المستويين السياسي والعسكري هو
من النوعالذي يفيد بأن الجيش
ينشغل بأموره، انه في كل مرة يحتاج فيها إلى تصديق
يذهبللمستوى السياسي ويطلب هذا
التصديق للعملية الإضافية أو سواها.
...
وهذهالسيرورات لم تتم
وبالتأكيد ليس بالطريقة هذه في حرب لبنان ولذلك
نشأت الفجوات التيسمحت لشخص أن يفهم
شيئاً ولآخر أن يفهم شيئاً آخر. وعندما كان شمعون
بيريز وزيراًللخارجية قال ذات مرة
في إحدى المداولات مع هيئة الأركان عن مشاكل
مشابهة جداً بعدوقت قصير من عملية
السور الواقي: إن ثمانين في المئة من القضايا التي
نناقشها ليستسياسية بحتة وليست
عسكرية بحتة وهي تنطوي على البعدين، ولا مناص
أمامنا سوى الجلوسسوية وبوتيرة عالية من
أجل فهم الواقع بالدرجة نفسها. وأعتقد أننا
افتقدناه في حربلبنان الثانية.
والمبالغةولكن في الاتجاه
المقلوب وقعت في عملية «الرصاص المسكوب». من منطلق
الخشية من أنهلا تجري مداولات كافية،
كانت المداولات في السور الواقي من النوع الذي لم
يسمح فينهاية المطاف للمستوى
العسكري بإدارة الحرب فعلاً بطريقة مريحة. وفي
عملية «الرصاصالمسكوب» كان رئيس
الأركان في كل يوم يجري تقويم وضع، وهذا واجبه.
ولنقل من الساعةالرابعة إلى الساعة
السادسة، وفي الساعة السادسة يذهب طاقم هيئة
الأركان كله إلىديوان وزير الدفاع. ومن
الساعة السادسة إلى الثامنة يجري تقويم الوضع مع
وزيرالدفاع. وحينما ينتهي الأمر في
الثامنة تبدأ عملية تقويم الوضع مع رئيس الحكومةوالمجلس الوزاري المصغر
وتنتهي في حوالى الحادية عشرة ليلا.
إنتسعين في المئة من
الأقوال التي تسمع هناك لا شأن لرئيس الحكومة ولا
لوزير الدفاعبها. وأقول لكم مازحاً
إنها لا تعني حتى رئيس الأركان. فالأمور في عملية
«الرصاصالمسكوب» كان يمكن أن
تنتهي بمستوى تقويم الوضع الميداني. وهكذا انتقلوا
من تطرفواحد هو غياب الحوار
بين المستوى السياسي والمستوى العسكري إلى تطرف
آخر هو مداولاتلا تنتهي في هيئات
موسعة. وهذه كانت مداولات تعرقل من كان ينبغي لهم
القيام بالعمل. والتوازن المطلوب لم يكن لا
هنا ولا هناك.
والنقطةالرابعة، وهي النقطة
الوحيدة ربما التي أتعامل فيها مع المسائل الأكثر
عسكرية منهاسياسية، وهي تتعلق
بإحدى المظاهر التي نعرفها، وهو أن العدو أضعف،
وثمة تماثل فيالأداء سواء بين حزب
الله أو حماس أو أي جهة أخرى. وما دام العدو
ضعيفاً فإنالطريقة الأنجع له هي
الدخول إلى المناطق المأهولة سواء مخيمات اللاجئين
في الضفةأو القرى في لبنان أو
منطقة مأهولة باكتظاظ في غزة. وهذا مكان يصعب فيه
على الجهةالمهاجمة العمل فيه.
فقسم كبير من ميزاته سوف تتبدد لأن المنطقة
المبنية تمنحمزايا. وهكذا كلما كان
السكان المدنيون أكثر وكلما كان القتال أشد فإن
الكثير منالمدنيين سوف يصابون
وهذا يعود بالسوء على القوة المهاجمة. وهذه نقطة
قوة العدو.
إنهذا الأمر صحيح، لكنه
صحيح إلى مستوى محدد، وهو في الأساس مرتبط بمستوى
جاهزيتكللعب وفق قواعد لعب
أعدها الطرف الثاني، أو بمقدار استعدادك لتحمل
المجازفةالعسكرية والسياسية
بالدخول للقتال حتى في المناطق المبنية. وتجربتنا
في العملياتالثلاث، السور الواقي،
حرب لبنان الثانية وعملية «الرصاص المسكوب» تظهر
أن لديناالقدرة للدخول في قتال
مكثف في مناطق مبنية. وأنه لحظة قيامك بذلك تكسب
مرتين. الأولى أنك تصل للإنجاز
العسكري الذي تريد تحقيقه، كما رأينا ذلك في السور
الواقيوفي عملية الرصاص
المسكوب. والثانية التي لا تقل أهمية، وهي أنه
يتضرر مدنيون،يتضرر أشخاص، ولكن بشكل
أكبر تتضرر الممتلكات والبنى التحتية، فإن قسما من
التأييدالذي كان السكان
يمنحونه للنضال ضدك، سواء من جانب سكان جنوب لبنان
أو سكان غزة،يتراجع. وتبدأ في
الظهور أسئلة قاسية بعد ذلك.
والأسئلةالقاسية هذه هي أكثر من
أي شيء آخر تضع حجر رحى على كتف حزب الله وحماس
وعلى مدىجاهزيتهما لاستئناف
القتال مرة أخرى. ولهذا السبب فإن أحد الاستنتاجات
في هذا الشأنهو عدم القبول بلعبة
عدم دخول المناطق المبنية وأن نكون جاهزين لدخولها
بالقوةالمطلوبة. وكما أسلفت
فإنك عندما تبث الشارة الأولى، النفسية، باستعدادك
لفعل ذلك،يغدو الشأن العسكري
أمراً مدركاً بشكل أكبر. فأنت هنا تعطي الطرف
الآخر إحساساًبأنه ليس لديه مكان
يستتر فيه حتى النهاية، والسكان هم ملجأ باهظ
الكلفة بالنسبةإليه.
وهذاالأمر سواء في السور
الواقي أم «الرصاص المسكوب» تمّ على الوجه السليم،
لكنه تمّبتردد كبير في حرب
لبنان وشكل واحداً من أبرز إشكالياتها.
النقطةالخامسة تتعلق بالشرعية
الدولية. ونحن نفهم أن الشرعية الدولية أمر بالغ
الأهمية،وأن مدة العملية
العسكرية تتأثر ليس فقط بقدراتك العسكرية إزاء
الطرف الثاني وإنماكذلك بما يحدث في الأمم
المتحدة والولايات المتحدة وفي الرأي العام
العالمي وعددالتظاهرات ضد دولة
إسرائيل. هذا صحيح ولكن على وجه العموم يعتبر
تأثير هذه العواملقصيراً. وأحد الأمور
التي ينبغي التأهل لها هو تحمل الضغوط الدولية
والغضب الدوليبما في ذلك من أصدقاء
كبار مثل الولايات المتحدة، بسبب أنك إذا أفلحت في
التغلب علىذلك في وقت قصير نسبيا،
سواء أيام أم أسابيع معدودة، من اجل بلوغ الإنجاز
الذي تريدفإن هذا على المدى
البعيد يخدمك ويعيد إليك الشرعية بقدر ما تكون قد
نجحت في مهمتك.
وعندمابدأت عملية السور
الواقي، وكان أساس العملية العسكرية وللمرة الأولى
على مستوىالكتائب والألوية
موجهاً نحو المناطق المبنية الفلسطينية، وهو أمر
وضع علامةاستفهام حول قدرة
السلطة الفلسطينية على البقاء، تعرضنا لضغط هائل
من الولاياتالمتحدة. وأنا أفترض أن
بينكم من يعرف كيف كان الضغط، وأنا أعرفه عن قرب،
منالمكالمات الهاتفية المحذرة
التي وصلت من كوندليسا رايس وكانت حينها مستشارة
الأمنالقومي في إدارة بوش. وقد بدأ
الضغطبا
حق المعرفة فوق
كل الحقوق
جميع الحقوق محفوظة لموقع زيتونة
موقع
زيتونة نافذة مستقلة ليست مسؤولة عن مضمون المقالات التي
تنشر
ولا تعتبر المقالات المنشورة وجهة نظر رسمية للموقع
، بل فقط تعبرعن رأي الكاتب asfook@yahoo.com