قد يكون وجد بعض الزملاء
الإعلاميين في ما ذكرته حول بعض مقولاتالشاعر أدونيس حول
علاقة الدين بالدولة، ونحن ممن لا ينكرون خدماته
الكبرى للثقافةالعربية من وجهة نظر
قومية وليس دينية مادة ناعمة ليعربوا من خلالها عن
تأييدهملمواقف كثيرة تعتبر أن
الدّينيين يشكلون عبئاً على مسيرة تقدم المجتمعات
العربيةوالإسلامية بشكل خاص،
في الوقت الذي يتجه فيه العالم الى التطلع نحو
آفاق ورؤىجديدة في العلاقات بين
الشعوب داخلياً وخارجياً وأن العنصر الديني لطالما
وقف سداًبوجه كل حالات التقدم
التي يسعى إليها إنسان الزّمن الحاضر الذي أصبحت
فيه الدنياكلها عبارة عن قرية
صغيرة نتيجة ما توصل إليه العلم من اختراعات جعلت
البينيّةتشابه الذاتية عبر
وسائل الاتصالالتكنولوجية.
وأنهذا التطور جاء ثمرة
التواصل بعيدا عن التشنج ومن خلال الإنفتاح على
الآخر بمايشكله هذا الآخر من
قيمة علمية وحضارية، مما جعل هذا الانفتاح متاحاً
بأفضل ما يمكنعلى الصعيد الاجتماعي
والتبادل الثقافي. وما كان ليكون لهذا الانفتاح
هذه الفاعليةوهذا التماهي لو أن
الدينيين هم من يتولون السلطة ويديرون شؤونالمجتمعات.
هذهالمقولات وغيرها،
تجعلنا نتساءل فعلا عن دور الدينيين وترجمتهم
الفعلية لحقيقةفكرهم الديني، وهل
الدين فعلا كفكر ومنهاج حياة يشكل عائقاً في طريق
تطور وتقدمالمجتمعات؟
وفيالمقابل، هل هؤلاء
المنتقدون ولجوا إلى عمق الفكر الديني أم استقرؤوا
فقط ترجماتالدينيين ومفاهيمهم
الدينية؟
نعم..
الدينيون، والاسلاميون
بشكل خاص، باتو يشكلون عائقاً في هذا الزّمن، لكن
كيفولماذا..؟ هللأن الدين الاسلامي،
حقيقة، يستبطن في مقوماته الفكرية ومناهجه
العقائدية ما يحولدون تقدم الإنسان وتطور
المتجمعات؟ أم أن التفسيرات الخاطئة له هي ما جعله
يظهر فيهذه الصورة، وبالتالي
إتاحة الفرصة أمام المهاجمين والمتقوّلين أن
يصوروه بهذاالشكل.؟
وهلالخطأ في الفكر أم في
الاجتهاد الذي جعل من هذا الفكر رداءً للبعض
يتجلببون عباءتهويستثمرون مساحته
المفتوحة على الاجتهاد والحوار وإبداء الرأي.؟
وهلالخطأ في تشريعاته
الاجتماعية والاقتصادية أم في استغلاله في تسييد
الرأي والسيطرةعلى مقدرات العباد تحت
عناوين شتىّ وجد مطلقوها مصلحة لهم في تنميتها
وترسيخها فيأذهان الناس لغايات
شخصية.؟ وهلالخطأ في العقيدة التي
رفضت التمييز العنصري بكل أشكاله بآيات بيّنات
صريحات فيدستوره الأول والأكبر
حتى في رفض التمييز بين المرأة والرجل إلا ما ملك
كل منهما منإمكانات ودور في
الحياة، ام في الذين يفرزون الناس الى طبقات
وفئات.؟
هلالخطأ في الدين أم في
الذين جعلوه مدارس شتى ومذاهب عدة، واستوى كل واحد
على كرسيهيعمّق ويجذر عناصر
الخلاف بدل التوحيد وتعزيز اللحمة لتأمين السلام
الانساني والأمنالاجتماعي وتحصين
البلاد والعباد لأجل بناء المرافق الحياتية التي
تضمن سلامة الفردوالمجتمع على حد سواء.؟
هلأنكر الدين يوماً العلم
وما ينتجه من اختراعات، وهو الذي أخبر في منهاجه
ودستوره عنكل علوم الحياة التي
تتعلق بحاجات الإنسان وحتى برافهيته، أم الذين
اجتزؤا منه ماتشتهي نفوسهم وأظهروه
بما يتوافق مع اجتهادهم ورؤيتهم.؟
المشكلةليست ابدا في الدين، بل
باولئك الذين قسمّوه وجزؤوه وجعلوه شيعاً خلافاً
لما أمر بهواضع دستوره.
أياًمن الأديان السماوية لم
يقف عائقاً بوجه العلوم والتقدم البشري وخدمة
الإنسانية أوأحدّ من حركة مفردها
الإنسان وحريته إلا حين تشكل هذه الحرية أذى
للمجتمع العام. وكان خاتمة هذه الأديان،
الإسلام، جاء ليرسم طريقاً قويماً لبني البشر،
يحثهم علىالعمل وبالدرجة الأولى
على العلم وتحصيل المعرفة، وهذه كانت أول كلمة حين
بعث نبيهالكريم به، كلمة إقرأ
وهي فعل أمر لا جدال فيها، حتى في كل المراحل التي
مرت بهاالرسالة كان لعقل
الإنسان فيها دور كي يدلل على ضرورة وأهمية هذا
الإنسان الذيجõعلفي هذه الأرض خليفة
ليعمرها، وكيف يعمرها بغير العقل الذي منحه إياه
ومن ثم نماهوغذاه وطوره عبر مراحل
ومن خلال رسل كان لكل واحد منهم دور يؤديه في
تنمية هذاالعقل وصقل معارفه، وما
الغاية من هذا إلا أن يكون هذا الانسان وسيلة خير
وتقدموازدهار للمجتمع الإنساني
بصورة دائمة وتطور مطّرد.
لميترك الإسلام صغيرة ولا
كبيرة من مشكلات يمكن أن تعترض حياة الإنسان إلاّ
ووضع لهاحلاً منطقياً يقبله
العقل ويمتثل الى صوابه.
هذاما أردنا ان نوجه
الانتباه إليه. وهذا ما رغبنا ان نتعرف على أسبابهومسبباته.
منهنا علينا أن نأخذ فسحة
ولو بسيطة لنتأكد من سلامة المنطق الذي تفرضه سنّة
التطورفي أي مجتمع.
لقدتجاوز الإسلام في أصل
عقيدته ومتون تشريعه كل ما يعملون اليوم على
التسلل منه عبرعناوين تتعلق بحرية
الفرد في المجتمع وعبر ديباجة حقوق الإنسان،
لنتساءل: هل هناكتشريع في الدنيا كلها
أعطى حرية للفرد ومنح الحقوق مثل ما قدمه الإسلام
في هذاالمجال وبخاصة رفع
التمييز العنصري.؟
لنستعيدأسماء بعضاً من العلماء
والحكماء وأهل العلوم الذين مروا في الإسلام، بدءا
من أئمةالمذاهب كلهم وقبلهم من
الصحابة وصولاً إلى ابو بكر الرازي وأبن سينا
وجابر حيانوالخوارزمي وابن رشد
وابن خلدون وغيرهم كثيرين ممن رفدوا الفكر الغربي
في علوهمالتي شكلت نواة لكثير
مما نشهده اليوم من حلقات التطور البشري، ولا مجال
لحصرهم، هليمكن ان تعرف هوياتهم
أو اتماءاتهم او جنسيتاهم أو الأعراق التي جاؤوا
منها. وخيرتعريف لهذا ما جاء في
الدستور العظيم: لا فضل لعربي على أعجمي إلاّ
بالتقوى .
وكذلكفي الحقوق والواجبات
بدءا من المرأة والطفل، هل هناك تشريع أو فلسفة في
العالماهتمت بهما كما اهتم
بهما الإسلام، ليس لضعفهما.. والمرأة بخاصة، بل
لإظهار حقوقهماالإنسانية بعدما كانت
السنن ما قبل الإسلام منعتهم هذه الحقوق وسلبتهم
قيمتهمالإنسانية.
حتىأبسط ما قد يخطر في بال
الإنسان من مباهج الحياة، الحب، فقد تحدث الإسلام
عن الحبلما يمثله من رباط
عاطفي ووجدان إنساني عبّر عنه بالمودة والرحمة في
العلاقة معالآخر القريب الزوجة،
وبالخطاب بالحسنى مع الآخر البعيد المواطن وغيره.
وقبل ذلكبإعطاء الحب قيمة تعلوا
كل مراتب العلاقة مع الآخر بتخصيص الحب بينه وبين
نبيّهالكريم محمد ص.
هذامن مرتكزات الحياة وهذا
ما نحن عليه بعد مئات وآلاف السنين من الجهد
البشري والسعيالدؤوب نحو الوصول
للأفضل والأكمل.
وهذاكان دأبنا كعرب
وكمسلمين من أعراق مختلفة إلى عقود خلت، وبعد
مرحلة الاستعمار فيالقرن الماضي، برزت
تيارات سياسية وفكرية كل منها يحمل رؤيا نهضوية
بدأ العمل بوحيمنها وشكل لهذا الغرض
كوادر فاعلة للتواصل مع الراي العام المحيط به
ترويجالافكاره.
منجملة هذه التيارات كان
هناك تيارات وتنظيمات إسلامية، ساهمت بشكل فاعل
وكبير فيتنمية الوعي العام في
شتى المجالات، وأكثر ما ساهم في ذلك هو الانفتاح
الثقافي علىألآخر من خلال
الكلمة.إلاّ أن الذي حدث بعد ذلك انه قامت مجموعات
قليلة متطرفةومبالغة في التطرف،
لتمارس نشاطاً لا يقبله الوعي الحاضر ولا ينمّ عن
وعي حقيقي لمايقول به الدين الإسلامي
الذي ينادي بالتي هي أحسن أو ادعو الى سبيل ربك
بالحسنى ،فشكلت بتصرفاتها منافذ
وذرائع عدة سمحت للغرب بالتسلل من جديد ليغزونا من
خلالالمنبر الثقافي بما يؤمن له
قدرة حركة أوسع في السيطرة السياسية والهيمنةالاقتصادية.
وعبرقنابل ثقافية موقوتة
تركها قبل زواله تتمثل في اسماء وشخصيات معينة،
يحركها متىشاء، اتخذ من هذه
الحركات الطارئة على حقيقة الفكر الديني
وتصرفاتها، ذريعة لهالتنادي بإبعاد الدين عن
قيادة المجتمع وتقويضه للانصراف الى شعائر
العبادات فيه دونالعمل في تشريع
المعاملات التي سن لها الدين من القوانين أكثر مما
شرع في العبادات.
اذنالمطلوب هو رفض
الإفتراء على الدين من المتطفلين عليه، ومن الذين
يحاولون تحجيمهوتقويضه من أبنائه
وجعله على مقاس مصالحهم واجتهاداتهم الخاصة
والحصرية، لأنهميشكلون خطراً على الدين
أكثر من أعدائه.
إنالتخلي عن الدين في ضبط
المجتمع، هو عودة الى العصور الجاهلية، الى
العبثية، حيثحرية الفرد تبدأ بنظرة
تعالي وتنتهي باستعمال سيف الإبادة.
والمسؤولية الكبرى علىأولئك الذين فرقوا
دينهم فئات وعشائر وجعلوه تجمعات ودساكر.. على
الذين يفرقوناليوم بين أبناء الدين
الحنيف مهما كانت ذرائعهم لأن الدين ليس شعائر
عبادية فقط،إنه نظام كوني ودستور
حياة للمجتمع.. وفي هذا وذاك هو تفاهم وعلاقة
حميدة مع الآخر. هذا ما نفهمه وما نؤمن به. وأن
هؤلاء المفرّقون، نعم.. فعلا يشكلون خطراً على
الدينويعطون ذريعة لمن يرجو الخلاص
من كل ما هو دين.
حق المعرفة فوق
كل الحقوق
جميع الحقوق محفوظة لموقع زيتونة
موقع
زيتونة نافذة مستقلة ليست مسؤولة عن مضمون المقالات التي
تنشر
ولا تعتبر المقالات المنشورة وجهة نظر رسمية للموقع
، بل فقط تعبرعن رأي الكاتب asfook@yahoo.com