أرى أن ثمة خلطا بين
مفهومي اغتراب المجتمع واغتراب الثقافة التي
يحملها بعض المثقفين العراقيين اليوم ، فثقافة
المجتمع ـ مهما قيل ويقال عنها ـ لم تزل تمتلك
أصالة وعمقا وارتباطا واضح المعالم بجذورها
الدينية وقيمها الاجتماعية ، أما الثقافة النخبوية
ـ إن جاز لنا تصنيفها تحت هذا المسمى ـ هي ثقافة
اغترابية في الغالب ، نازحة نحو المنجز الآخر ـ
الغربي في الغالب ـ ومحاكية له ، دون تأنٍ ، وبلا
تنقية .. لهذا لا يمكن مقايسة مدى اغتراب المجتمع
على ما يمارسه المثقف ، فربما كان مغتربا عن
مجتمعه يعيش قطيعة معرفية "ابستيمولوجية" معه او
يعاني فقدانا للهوية او اشكالية في الانتماء ،
وهذا ـ بالفعل ـ ينطبق على الكثير من مثقفينا ـ من
ادباء وشعراء ونقاد ومن على شاكلتهم ـ وكذلك
غالبية المثقفين العرب.. بخلاف المثقف الإسلامي
الذي لازال يحمل هموم مجتمعه وارتباطه الوثيق
بقيمه وتراثه وقضاياه، ولا تعتريه الاوهام
الشعرية.
صحيح أن مما يجب الاعتراف
به أن مجتمعنا ليس مجتمعا مثاليا أو دينيا صرفا ،
ففيه الكثير من الممارسات والسلوكيات والأعراف
التي تتقاطع مع الاسلام ، وتتفاوت فيه مستويات
الوعي ، لكن بالمقابل لا يمكن وصمه بـ "الاغتراب
عن واقعه السياسي والثقافي والديني" ، فهو مجتمع
يمكن ان يوصف بانه ملتزم بشكل عام ، دون الخوض في
التفاصيل والجزئيات ، ولا أظن ان ما يحركه
"العاطفة الآنية أو النزعات الصبيانية" ، لانه ـ
وان كان لا يمتلك عمقا بحد ذاته ـ الا انه يستند
ويستمد مواقفه من مرجعيات فكرية لها ثقل ثقافي
إسلامي ورصانة معرفية مشهودة.
المثقف ـ غير الإسلامي ـ
يسبح في بحر ، والمجتمع في بحر آخر ، وهو ـ أي من
يوصف بالمثقف ـ منشغل بتفاصيل قد تكون تافهة في
قصيدة النثر أو آليات السرد أو دلالات الألفاظ
التي لا دلالة لها ، ويغوص بعيدا في اعماق
نرجسياته واغوار ذاته وعقده النفسية ، غير آبه بما
يكابده المجتمع من حوله ، وإن التفت لهذه
المكابدات ، لا لكي يصنع منها ثورة تغييرية حقيقية
، بل لكي يحقق من خلالها منجزا ذاتيا يرفع به شأنه
في فضاءات الإبداع ، حتى بات الوسط الثقافي أو
الإبداعي مغلقا تماما على رواده فقط ، لايعني
المجتمع في شيء ، وبالمقابل ينظر رواده إلى
المجتمع على انه متخلف لا يفهم ما يقولونه..
مجتمعنا ثقافته دينية في
المقام الاول ـ وهذا ما يجب ان يفهمه دعاة الثقافة
ـ ويركز اكثر على تلقي وتناقل المفاهيم والنصوص
الدينية المرتبطة بالعقيدة والتاريخ وتراث أهل
البيت عليهم السلام، فضلا عن تمسكه بتراثه الشعري
، وثقافته الشعبية الخاصة التي من ابرز أشكالها
الحكايات والشعر الشعبي.. وفيه الكثير من العلامات
المعرفية الفارقة التي تبرز بين الحين والآخر ، من
مفكرين يولدون من رحم هذا المجتمع ولا ينفصلون
عنه.. وهم ـ حقا ـ من "ذلك النوع من المفكرين
الكبار القادرين على مواجهة كل الإشكاليات
المعرفية" ، ولهم قدرة على وضع النظريات
والمعالجات ، بواقعية ، دون اجترار التجارب الأخرى
، ودون أية شِعرية في طروحاتهم.
حق المعرفة فوق
كل الحقوق
جميع الحقوق محفوظة لموقع زيتونة
موقع
زيتونة نافذة مستقلة ليست مسؤولة عن مضمون المقالات التي
تنشر
ولا تعتبر المقالات المنشورة وجهة نظر رسمية للموقع
، بل فقط تعبرعن رأي الكاتب asfook@yahoo.com