حين نتحدث عن ظاهرة العمل الشعبي المناهض
لأي نمط من أنماط الاستعباد والقهر لابد
لنا أن نتوخي الدقة في العرض وذكر الوقائع
المتعلقة بذلك بكل أمانة وصدق دون اللجؤ
إلي طرح رؤى وأفكار قد لا تتفق مع حقائق
ما حدث وعند الحديث عن المراحل التي أحاطت
( بالتهيؤات) الأولى للثورة الإيرانية وخاصة
في المرحلة التي سبقت الإطاحة بالنظام العاتي
الذي تم تأسيسه وتثبيت أركان قدراته
القمعية بمساعدة قوى أمريكية وصهيونية وتنصيب
( الشاه ) كرمز يقود هذا النوع من الأنظمة
المرتبطة بالأسس الإستراتيجية المتفقة مع
أهداف ومرامي وغايات المخطط الصهيوني
الأمريكي في المنطقة .. وبما أنني عشت مع
آخرين تلك الإرهاصات الأولى لبروز حالة
شعبية أسلامية يقودها ويعمل من أجلها تيارات
كامنة في ضمير شعب إيران المسلم وتعرفت عن
قرب على تلك القيادات النشطة والعاملة من
أجل تهيئة المناخ المناسب الذي يمكن هذه
التيارات من اختيار اللحظة المناسبة من أجل
الإطاحة بالنظام ( الشاهنشاهي ) المرتبط
بدوائر معادية لأماني الشعب الايراني و كذلك
شعوب المنطقة و حين نذكر تلك القيادات النشطة
سوف يبرز امامنا اسم بارز في صفاته وحركي في
نشاطه وهو القيادي ( آية الله طالقاني )
هذا العقل الديمقراطي المدبر والذي كان
يحتضن بفهمه ورؤيته جل العناصر المكونة
لتيارات الثورة الإيرانية على مختلف مشاربهم
الفكرية ويساعده في ذلك عناصر وقدرات فقهية
ممثلة في قيادات سنأتي على ذكرها فيما بعد.
وبما أن الحديث يتعلق هنا بترتيبات أولية
للثورة التي ستستهدف معاقل القمع والانحراف
في بلاد فارس وفي ظل النداءات الإرشادية
التي كان يطلقها المرشد ( آية الله الخميني
) من منفاه في العراق تصاعدت حالات التوهج
وتبلورت حالات الانقضاض واندلعت ثورة الشعب
الايراني بإسهامات شملت كل جهد مناهض للنظام
الإمبراطوري وبذلك نجحت الثورة في تحقيق
أهدافها وتم كنس المقومات التي كان يرتكز
عليها النظام السابق وبعد هذا النجاح
الباهر بدأ النظام الصهيوني الأمريكي في
إعادة النظر في إستراتيجيته الخاصة بإيران
ومنطقة الوطن العربي وذلك من اجل صياغة
ترتيبات وخطى جديدة لاحتواء ظاهرة الثورة
وإذا أمكن إجهاضها .. وهنا أود أن أذكر بمقولة
مستشار الأمن القومي الأمريكي ( بريجنسكي )
الذي قال لأركان مجلسه :
( إن النهر إذا كان متدفقاً بقوة لا تعترضه
بصدرك بل أحفر له مسرباً أخر يغير اتجاهه
) وكعادة المسلمين والعرب توجد طبائع
تفكيرهم تصرفات تتأثر بالعاطفة والخبث
وأحياناً أخرى تكون تصرفاتنا مضطربة وغير
منهجية وخاضعة لردود فعل ( ظرفية ) ونتيجة
لهذه الأركان السلبية يغيب المنهج وتغيب
القرارات القائمة على قراءات دقيقة وتكون
الفطنة والانتباه غائبين وفي ظل ذلك بدأت
حالات بروز التباينات والاختلافات في الجسم
الاجتماعي للثورة بين هذا وذاك ..
وظهرت في الأفق ملامح تحقيق مقولة (
بريجنسكي ) حيث شكلت منظمة غريبة سميت
بمنظمة ( فرقان ) وتخصصت هذه المنظمة في قتل
وإبادة قيادات هامة في الثورة الإيرانية
وعلى رأسهم الديمقراطي ( آية الله طالقاني )
وتم عن طريق هذه المنظمة تصفية قيادات أخرى
بارزة .. وبعد ذلك ظهرت رموز مدنية هويتها
ليست معروفة وعلى رأسهم ( الحسن بنى
الصدر) ومن العجائب أن يتم اختيار هذا
الرجل رئيساً للجمهورية الإيرانية .. وعند
توليه لهذا المنصب بدأ يمتطي دراجة نارية
ويطلق تصريحات وكلام حول تأجيج حالة صراع
جديد مع العراق ومن ابرز مقولاته إنني سوف
أصدر أمري للجيش الإيراني باجتياح الغرب
_العراق_) وبدأت تصريحاته الصبيانية المشبوهة
تتناقض مع مصلحة الثورة الإسلامية في إيران
وكان المخلصون الشرفاء في الوطن العربي
والعالم الإسلامي وخاصة التيارات المستقلة
يضعوا أيديهم على قلوبهم خوفاً من نتائج هذه
التصرفات الصبيانية وخوفاً من أن تتحقق مقولة
مستشار الأمن القومي الأمريكي ( بريجنسكي )
.. والذي حدث بعد ذلك مأساوياً تمثل في
تراجيدية حرب مجنونة أكلت بجهنمها
( المال والعيال ) وتجسدت هذه الحرب في درس
تجاوز كل محكمة العقل خاصة إذا ما نظرنا
إلي إطراف كانت في الجهة الثالثة تصب الزيت
على النار وتشعل نيران الفتنة وهي في قراره
عقلها الباطن شامته وناقمة على أهم قوتين
جديدتين بارزتين في المنطقة وهما ( إيران
الثورة الإسلامية ) و ( العراق ) وبعد ذلك
وعبر السنين والأيام أصبح مشهد المنطقة على
ما هو عليه الآن يدور في فلك التجاذبات
التي تطورت إلي مشاهد دامية وبرزت تصرفات
بعيدة كل البعد عن أماني الشعوب وتطلعاتها
للوئام الاخوى الذي يكون عاصمة الشرعي ..
الدين والتضامن والتنمية الاقتصادية المشتركة
والمواقف الموحدة في مواجهة من يتربص بقضايانا
المركزية وفي مقدمتها مسألة احتلال العدو
الصهيوني لفلسطين التاريخية المقدسة .. ولكن
عزيمة شرفاء هذه الأمة كما عرف عنهم في
التاريخ لا تزال صاعدة ..مستنيرة .. مؤمنة
عبر تيارها المقاوم في العراق الأبي وفي
جبل عامل وما حوله حيث تتمركز قوة المقاومة
الإسلامية التي حطمت هيبة الكيان الصهيوني
وجعلته يشعر بأزمة كيان .
كما أن تصاعد الفكر والعمل لدى المقاومة في
فلسطين التاريخية لازال يوحي بتطور هام لدى
أركان ومكونات المقاومة الفلسطينية وإيمان
صابر محتسب رغم كل المظاهر السلبية التي
تحيط بفصائل المقاومة في فلسطين التاريخية ..
وعلى ذكر التيار المقاوم في الأمة لابد أن
نشير بأن هذا التيار قد بنى قدراته بمعزل
عن الأنظمة البائسة وامتلك ناصية وعيه
وأحتفظ باستقلالية رؤيته وبفهمه لطبيعة
الصراع مع الأعداء وهذه ضمانات ستسهم في
التصاعد الايجابي لهذا التيار وستفشل كل
الأساليب الناعمة وغيرها وسيكون شعب الأمة
سنداً قوياً لأولى الألباب رغم مظاهر ذل
الأنظمة ورغم مقاتلة هذه الأنظمة لشعوبها
وتهميش قدراتها وإقصاء كوادرها ..
عود على بدء أن الغرب الاستعماري الصهيوني
لا يمكن له أن يتنازل عن جهود إستراتيجيته
التي رسمها للمنطقة مهما تغيرت الأساليب
والآليات .. وسيبقى تصميم هؤلاء الأعداء
يقضى بضرورة الاستمرار في نهجهم المعادي
لهذه الأمة وهنا أريد أن أذكر بمعلومة قد
تم الإبلاغ عنها من طرف أركان معينة في
تيار المقاومة مفادها الاتي :-
(( في أواخر عام 2008 ابلغ عن مخطط يقضى
بتفكيك البنية العرقية والا ثنية للجمهورية
الإسلامية الإيرانية حيث تم التركيز على هذه
البنية القومية والعمل من أجل خلق اضطرابات
اجتماعية وثقافية في المكونات الاذر بيجانية
والعربية في إيران وإقليم بلشوستان الإيراني
وقد أسندت مهمة الإشراف على هذا المخطط
للمخابرات البريطانية وقد أطلق اسم استخفافي
على هذا المخطط ( البعوض المنتشر ) ..
وقد كلفت أطراف إعلامية عربية بمساعدة هذا
المخطط إعلامياً وشكلت لجان أمنية من بينها
أجهزة عربية لمساندة هذا المشروع القائم على
الفتنة والتقسيم )) .
والجدير بالذكر أن الأمر الذي صدر لبريطانيا
من طرف أمريكا بضرورة العودة إلي مناطق
نفوذها السابقة ، حيث يقضى هذا الأمر بأن
تقوم بريطانيا سراً مع أجهزة الكيان الصهيوني
باستهداف مناطق نفوذها السابقة بشتى الأساليب
وخاصة في المثلث الخطير والهام اقتصادياً
واجتماعيا ً ( مصر - السودان - ليبيا ) ومن
أهم آليات النشاط البريطاني في هذا الصدد :-
1- صناعة التاريخ الخرافي لكل منطقة على
حدة والإيحاء المستمر عبر أدوات من أهلها
تعمل على تجسيم حالات الانكفاء على الذات
وإبراز مقومات ثقافية وتاريخية انعزالية تماديا
ً في تحقيق فكرة الانكفاء والعزل الاجتماعي
وضرب الهوية الحضارية الشاملة .
2- العمل على خلق منظومة اقتصادية في كل بلد
تكرس المال والإمكانيات في أيدي مجموعة
معينة تكون عقيدتها منسجمة مع تصنيف فكرة
السيطرة على رؤوس الأموال وانسجامها مع
المنظومة الغربية وذلك بقصد استبعاد مشروع
التنمية المستقلة الأفقية التي تستهدف جميع
الناس تماديا في تعميق الفقر والعوز
الاجتماعي لدى القطاعات الشعبية الواسعة ..
الأمر الذي يخلق حالة إحباط مستمر عند شعوب
هذه المناطق وهي فكرة في الأساس قد تمت
صياغتها من طرف علماء اجتماع في المطبخ
الصهيوني .. وما مشروع (دانييل جروب و بورتر )
والذي انتقده وطنيون في ليبيا إلا دليل على
ما ذكر أعلاه ..
أما البرهان الثاني فانه يأتي في
طبيعة نشاط الملياردير ( سويرس ) وآخرون
يعملون مثله في تكوين هذه المنظومة الخطيرة
في مصر ..
3-تقوم أجهزة بريطانية بتشجيع عدد من
الأدوات في هذا المثلث وحثهم على زرع بذور
ثقافية خطيرة ( تفرعن ) الكيان العربي المصري
وتحوله من هويته الأساسية إلي هوية الفراعنة
المزعومة وهنا تأتي أساطير وأساطير سوف نتعرض
لها في وقت أخر ... أما في ليبيا نرى بالعين
المجردة عدداً من الناس يجرجرون بلادهم إلي
هاوية خطيرة وذلك باعتماد نشاط ثقافي (
يليب) الحجر والحيوان ..وقد تم تلييب (
الحمير والغزلان ) وحتى مجسمات الكلاب
الأثرية ..
أن نظرية العزل الاجتماعي في نظر إستراتيجية
الأجهزة البريطانية الصهيونية سيعقبها في
المستقبل التفكيك الاجتماعي وبالتالي ضرب
الكيان برمته .. وعندما تنضج حالات الفتن في
المثلث وشمال أفريقيا والتي يجرى فيها الآن
نشاط كبير محموم حول وسائل تنفيذها ويشرف
عليها فريق أمني مشترك ( فرنسي - بريطاني -
صهيوني ) .مقيم حالياً في إحدى بلدان شمال
إفريقيا .
أن طبيعة سلسلة ( الغاسقون ) تعتبر
مجرد جرس يحذر من سلسلة مخاطر قد تحيط
بالبلاد والناس وهي مطروحة أمام كل عاقل
رصين لكي يتمعن الجميع في إبعاد ماذكر في
هذه السلسلة لعله يجد صدى يحفز الناس على
مواجهة مصيرهم بوعي ودور يحبط ترتيبات
أعدائهم التي بعض مظاهرها أصبحت واضحة بينة
لا تحتاج إلي عناء كبير في التدبير والتفكير
..
أن كل قلم شريف ينبغي له أن يستشعر مصير
الأجيال القادمة ويعمل على خلق نظرية امن
اجتماعي يحفظ الناس والبلدان من مخاطر احتدام
الصراع المقبل الذي تقوده قوى تضمر في طيات
استراتيجيتها أهداف لا تتوافق مع أماني
وتطلعات الناس ..
يقول المنظر الصهيوني ( موشى يعلون ) :
إذا نجح هذا البرنامج سنعرف كيف ندير هذه
القطع المناوئة لنا .. وسنتلاعب بقطع رقعة
شطرنج بازل كيفما نريد وستكون قبائلها
الاجتماعية بائسة جائعة مكرسة هيبتها تحت
ضغط إداراتنا المدروسة وخاصة من حظنا
السعيد أن حكام هذه المناطق مصلحيون
مترددون لايهمهم إلا البقاء فوق إطلال نظم
الحكم في بلادهم منهم من أسميناهم
بالمعتدلين ومنهم من أطلقنا عليهم أسماء أخرى
كاذبة .. لكننا يجب أن يتصاعد حرصنا من
أهل البلدان العربية لأنهم تكوين خطير ويحمل
ذهنية مهاجرة .. وقد تحدث مفاجآت تعصف بمخططنا
وحكام هذه البلاد )
كما يضيف هذا المنظر عبارة أخرى حيث يقول :
( لم يعد هناك عالم عربي وفقاً لما اتفقنا
عليه استراتيجيا مع آخرين ) ..
أنني أتمنى على شرفاء هذه الأمة تكريس
جهدهم النضالي في كافة المجالات و ترتيب أركان
إشراقه جديدة تكون مسارا ذهنيا يسهم في بناء
بنية شعبية قادرة بحزم على استرداد حقوقها
واسترداد المعاني الأساسية لمفهوم الوطن
والأمة .. والعمل على أبراز مضمون موحد يشكل
قدرة قادرة تضع الأمور الانحرافة في نصابها ،
وتعطى مثل للعالم الأخر بأن في هذه البقعة
أناس قادرون على انتزاع مشروع حريتهم المباركة
التي تصون ولا تبدد.. تحفظ ولا تهدد .. ترد
كيد الأعداء .. وتنشد الرخاء لها ولمن حولها
..
( وهذا لا يأتي إلا عبر معاناة المناضلين ..
شرفاء هذه الأمة ..)
قال تعالى :-
(( قد خلت من قبلكم سنن فسيروا في الأرض
فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين * هذا بيان
للناس وهدى وموعظة للمتقين * و لا تهنوا ولا
تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين ))
حق المعرفة فوق
كل الحقوق
جميع الحقوق محفوظة لموقع زيتونة
موقع
زيتونة نافذة مستقلة ليست مسؤولة عن مضمون المقالات التي
تنشر
ولا تعتبر المقالات المنشورة وجهة نظر رسمية للموقع
، بل فقط تعبرعن رأي الكاتب asfook@yahoo.com