بعد مرور قرنين من الزمن
على إصرار عصري النهضة والأنوار الأوروبيًّين على
الفصلالكامل بين السياسة من جهة
والدٍّين والأخلاق من جهة ثانية عادت أوروبا،
ومعهاالولايات المتحدة الامريكية،
لتراجعا تلك المقولة. اليوم، يجري في تلك
المجتمعاتنقاش عميق واسع يؤكٍّد
ضرورة الأخذ بعين الاعتبار بوجهتي النظر الدينية
والأخلاقيةعند إتخاذ بعض القرارات
المعقًّدة غير المدعومة باجماع كبير حاسم من قبل
مواطني تلكالمجتمعات. ويؤكٍّد
داعمو ذلك التوجٌّه أن هذا يصُّب في مصلحة استقرار
النظامالديمقراطي التوافقي
الذي يجب أن يتصًّف بالتسامح وبعدم تهميش اي جزء
من مكوٍّناتثقافتة أو أيُّ مجموعة
من مواطنيه.
والواقع أن هذا
التوجُّه يصبٌّ في خاناتالتعدٌّدية
والنسبيًّة التي تنادي بها فلسفات ما بعد الحداثة
السياسية. لكن السيًّرفي تعديل
مسار الحضارة الغربية بالنسبة لهذا الشأن سيكون
شاقًّّّّّّّّّاً وطويلاً،فلقد أدمنت مؤسسات
السياسة في الغرب الاستعماري رفع شعارات الحداثة،
حداثة عصريالنهضة والأنوار،
دون تطبيقها، بل وأحياناً تزويرها والتلاعب بها
حسب المقتضياتالانتهازية وحسب
المصالح الغربية الاستعمارية. والنتيجة هي هذا
الوضع الإنسانيالبائس الذي يعيشه
جميع ساكني كوكبنا، والذي يحمل الغرب المركزي
جزءاً كبيراً منأسباب وجوده بسبب
خيانته للكثير من مبادئ واسس وممارسات حداثته.
لسنا معنيٍّينبمشاكل المجتمعات
الغربية الداخلية، وهم سيواجهونها ويحلٌّونهــا.
لكن مأساتنا معالغرب هي أن خيانته
لحداثته طفحت آثارها إلى خارج حدوده لتشمل العالم
كلٍّه، وعلىالأخص لتشملنا نحن
العرب والمسلمين.
هل نشير إلى مبدأ الحرية في
الحداثة الذي لميمنع أوروبا من ممارسة
الاستعمار الاستغلالي البشع باسم التمدين؟
وبالنسبة لناإضافة تجزئة المشرق
العربي إلى أشلاء قبل خروجه من أرضنا؟. هل نشير
إلى النظامالاقتصادي الرأسمالي
المحكوم بتقسيم العمل الجائر وقوانين السوق
المنفلتة الذي ماإن أصبح عولمياً حتى
أدخل العالم كله في الأزمة المالية والإقتصادية
التي نعيشها؟هل نشير إلى مبدأ
السيطرة وتطويع الطبيعة الذي لوًّث البيئة الأرضية
بكاملها وقضىعلى ألوف الكائنات،
ويهدٍّد وجود الإنسان نفسه على هذا الكوكب؟
وبالنسبةللفلسطينيين هل نشير
إلى مبدأ المساواة في الكرامة الإنسانية والحقوق
إذ يضع الغربكامل ثقله وإمكانياته
العسكرية الهائلة تحت تصرٌّف الكيان الصهيوني وذلك
باسم تعويضاليهود عمًّا ألحقته
المجتمعات الغربية بهم من ظلم، وذلك كلُّه على
حساب وجودوكرامة وحقوق شعب آخر
لم يمارس أي ظلم بحقًّ اليهود والذين عاشوا في
أرضهبسلام؟
هل نتكلم عن العدالة عندما
يعطي نائب الرئيس الامريكي الكيان النازيالاستيطاني الضوء
الأخضر ليمنع إيران من امتلاك التكنولوجيا السلمية
النووية، بلوحتى التكنولوجيا
النووية الحربية، وهو الكيان المالك لترسانة نووية
هائلة يهدًّدبها كل دول المنطقة ؟
بل أين العدالة في أن يتحدث العالم عن منع إنتشار
السلاحالنووي ولا ينطق بكلمة
عن تدمير ذلك السلاح من قبل الدول التي تختزن
الألوف منرؤوسه؟
ثم هل نشير إلى انتهاك مبدأ
الذاتية والفردية والحريه الشخصية عندما يقفرئيس دولة فجرت أكبر
وأهم ثورة ديمقراطية في أرضها، ونعني فرنسا، ليمنع
هذه الفتاةالمسلمة أو تلك من
الخروج باللباس الذي ترتضيه لنفسها، وذلك في بلد
يعجٌّ كل يومبصرعات كل أنواع
الموضات؟ أين تعريف الحرية في القواميس الغربية
الذي يؤكٌّد أنالحريٌّة تؤكًّد الفصل
بين ماهو عام وما هو خاص، وأن الفردية تعني أن
حاجات وحقوقالفرد تتقدم على
محدًّدات المجتمع؟ أم أن هذه الحرية وتلك الفردية
مقصورة علىالمرأة العارية، أيُّاً
يكون ذلك العري، وممنوع على المرأة المحجًّبة،
أياً يكونذلك الحجاب؟ للمحامي
السياسي الكندي جون ديفنبيكر قول جميل: الحرية هي
الحق في أنتكون مخطئاً، وليس الحق
في أن ترتكب الخطأ.
نفترض أن الرئيس الفرنسي
يعتقد بخطألبس الحجاب، ولكن هل
هناك إرتكاب للخطأ من قبل المحجبات الفرنسيات حتى
تكوُّن لجانالتحقيق البرلمانية على
أعلى المستوى؟ فلسفات ما بعد الحداثة والتوجهات
الجديدةلأخذ وجهات نظر الدين
والأخلاق في السياسة ما كانت لتطلُّ برأسها لو أن
الحضارةالغربية لم تمارس تزوير
وخيانة أسس نهوضها وأنوارها.
هل ستنجح المجتمعات الغربية
فيإنهاء الجحيم الذي أوقدته عبر
أكثر من قرنين من الزمن؟ ذلك هؤ السؤال الذي تطرحهالإنسانية كلها، ونطرحه
نحن العرب والمسلمين على الأخص، إذ نكتوي بنار ذلك
الجحيميومياً.
حق المعرفة فوق
كل الحقوق
جميع الحقوق محفوظة لموقع زيتونة
موقع
زيتونة نافذة مستقلة ليست مسؤولة عن مضمون المقالات التي
تنشر
ولا تعتبر المقالات المنشورة وجهة نظر رسمية للموقع
، بل فقط تعبرعن رأي الكاتب asfook@yahoo.com