ينوس تاريخ أميركا بين متوالية ثنائيات .. تكون
أحياناً مثيرة للأسئلة.. وأحياناً مثيرة للسخرية
.. وغالباً مثيرة للعداء.. ثم تجدهم يسألون لماذ
يكرهوننا؟ أذكر أنني خاطبت رسميين ومفكرين أميركين
..عبر الفيديو كونفرنس .." نحن لا نكرهكم .. ولكن
ساعدونا على ان نحبكم؟!.
هذا ما حاوله الرئيس الأميركي في خطابه من على
منبر التنوير في جامعة القاهرة ..لعلها قطرات أول
الغيث .. أو لعلها سحابة صيف يتلوها احتباس..ذاك
أن أميركا بلد مؤسسات تقاد وتسير من حيتان
وأخطبوطات وطواويس تحرك سراً وعلانية خيوط
الثنائيات التي باتت كأنها قدر يتحكم في السياسة
الخارجية للولايات المتحدة .. وعليه فإنها تستطيع
أن تضع العقدة أمام منشار الرئيس.
تعالوا الآن نستعرض بعض هذه الثنائيات:
ثنائية الاحتواء ..
وهي تنقسم إلى :
1- الإحتواء عبر الصدمة والترويع.
2- الإحتواء عبر الضغط والوعظ والتطويع.
وأكاد أجزم أن طرفي هذه الثنائية وجهان لعملة
واحدة ..وللتأكيد انظر وراءك وحولك وأمامك..فستجد
أنه لم يمر عام على أميركا دون أن تكون متورطة في
غزو خارجي .. بل إن هذه الثنائية تحولت إلى أمر
مثير للسخرية مع صدام حسين فقد كان الحليف ذا
الأولوية بالدعم حتى وهو يقتل الشيعة والسنة
والاكراد وبلاد فارس .. ثم فجاة .. وبقدرة قادر ..
ورغم أنه كطاغية ! لم يتغير .. تحول إلى هتلر ..
وخطر على الأمن العالمي !!.
تصفعك سايكولوجيا الكوميديا السوداء في هذه
الثنائية .. عبر المثال التالي :-يسقط الشاه على
يد عدو أميركا .. فيصبح "
out casted"
" بلا مستقبلين وياسمين " !.
هل نتحفظ فنقول بأن ما نخشاه أن يكون القصد ليس
إحتواء الأنظمة بل إحتواء الاسلام عينه.. عبر شخص
يتوفر فيه كل ما يدغدغ عواطف العرب والمسلمين.
ثنائية : القوة ( أي العنف ) والحكمة والمثل ...
هنا سنجد كيف صار العالم والشعب الأميركي ضحايا
بين سندان الحكمة والمثل .. ومطرقة القوة ( العنف
).
وماذا لو كنا أمام السؤال التالي :-
إذا ما تعارضت المثل و الحكمة والمبادىء مع
المصالح الإقتصادية الأميريكة .. فلمن ستنتصر
وتنحاز الإدارة البيضاوية ؟ اعتقد أن الإجابة
المنطقية ستكون في صالح المصالح ! فما بالك لو
تعارضنا تحت مظلة الأزمة الإقتصادية الطاحنة ..
التي تذكر بالكساد الكبير في الثلث الأول من القرن
الماضي ! أعتقد أن الانحياز سيكون شرساً و بلا
رحمة للمصالح.
ليس من السابق لأوانه أن نحكم في هل سيتحرك الرئيس
أوباما بالمثل في خدمة القوة .. أو بالقوة في خدمة
المثل .. لأن جوابه على هذا جاء متضمناً في
استعارته التالية من الرئيس جيفرسون " آمل أن تنمو
حكمتنا مع قوتنا .. وكلما استعملنا القوة بشكل أقل
.. كلما كانت أميركا أعظم".
هل يذكر الرئيس أوباما أن الشعب الأميركي يحب
النجاحات الإقتصادية .. ولا يحب دعاة الحرب والقوة
( العنف ) .. وأن هذا الشعور نفسه ..كان السبب في
فوزه على مرشح جمهوري مخضرم .. مقاتل عنيد وأسير
سابق في فيتنام؟.
لقد لاحظت أن الشعب الأميركي لا يعيد انتخاب أحزاب
اقترفت الحروب وتورطت في القوة سواء أكانت منتصرة
كما حصل مع بوش الأب..أو فاشلة كما حصل مع بوش
الإبن !.
مفيد أن نذكر الرئيس أوباما أن اسبارطة خسرت
الحكمة والقوة معاً في نهاية المطاف.
دائماً .. ما تعلن أميركا أن استخدامها للقوة أي (
العنف الشديد ) لم يكن بإختيارها.. وللاسف فهذا ما
أكده أوباما في خطابه حين تطرق إلى أفغانستان ..
واستثني العراق حين قال :" كانت حرب الاختيار " ..
وهو هنا لم يخرج على ثوابت السياسة الخارجية
الأميركية..( راجع كتاب نعوم تشومسكي – ردع
الديمقراطية – لتتعرف على اسطوانة عدم الاختيار
المشروخة )!جيد .. ولكن ما هي نتائج تلك القوة
سواء كانت بالإختيار أم بالاضطرار ؟ المصيبة هنا
أنها حين صارت اختيارا.. بوعي بعقل.. غاب الوعي
وخسرنا العقل .. إلا إذا صدق الرئيس أوباما وآمن
بإمتلاك صدام لأسلحة غير تقليدية .. وبعلاقة نظامه
بالقاعدة!
ثنائية : ( دي فاكتو ) و ( دي جوري ).
معروف أن ال " دي جوري " أقوى وأعلى من ال " دي
فاكتو " في التاريخ وبالتاريخ .. وفي الجغرافيا ..
ما عدا ما صنعته وتصنعه اسرائيل في الجغرافيا
وبالتاريخ ..تحت غطاء وتواطؤ أميركا الرسمية ..
تواطؤ يشبه اختراع كذب .. لتصنيع قتل .. لتبرير
غزو العراق !.
قال كوفي عنان في أواخر ولايته لإذاعة
BBC
: ( أن غزو العراق لم يكن قانونيا و لا شرعيا
).وعليه نسأل الرئيس أوباما .. لو تحول الوجود
الأميركي في العراق إلى " دي فاكتو " فهل يجعل ذلك
منه " دي جوري " ؟! وبإستطاعتنا أن نسقط ذلك على
الغزو أيضاً كغزو! وبالتوازي .. نسأل .. هل كون
المستوطنات من وجهة النظر الإسرائيلية " دي فاكتو
" يجعل منها " دي جوري "؟ إذا كان الأمر كذلك
سيصبح التمدد والتوسع "دي جوري " .. فما انبثق
ونتج عن القانوني والشرعي .. يكون بالمحصلة
قانونياً وشرعياً .. وإذا كان الأمر بهذا المنطق
المعكوس فلا داعي لاعتبار الوجود الإسرائيلي في
الضفة الغربية وقطاع غزة احتلالاً!.
يبقى أننا لا نستهين بفسحة الأمل التي يمنحها لنا
خطاب أوباما .. بل يمكننا أن نتفاءل به إذا ما
أصبح الرئيس بنفسه كبير المفاوضين في هذه المعضلة
..ورمي بثقله لنزع أفخاخ الشيطان من التفاصيل
وللضغط على العناد الإسرائيلي الاعمى حيال أنظمة
عربية تغيرت أكثر مما تتصور اسرائيلي.. فهذا لا
يضر بأمن اسرائيل بل وبمصالح أميريكا قبل ذلك هكذا
قد يرتفع التفاؤل إلى درجة الرهان على جديته
ونواياه الحسنة .. لس فقط لأنه واسع الخبرة ..
عميق الثقافة والمعرفة .. بل لأنه وعكس أسلافه ..
دشن الإعلان ذلك في بداية حكمه .. وليس في زحمة
الوقت الضائع وعلى منزلق إضاعة الوقت!.
الرئيس بالرئيس يذكر .. والحذر بالحذر يذكر ..
ولذلك من المفيد هنا أن نتذكر الجهود الريادية
والغير مسبوقة والشجاعة فعلا .. للرئيس الأسبق
جيمي كارتر كونه أول رئيس يصرح بحق الفلسطينيين في
وطن .
ناهيكم عن أنه دفع غالياً ثمن تصويت أميركا في
عهده .. بشكل غير مسبوق ولم يتكرر في 1/3/1980
مؤيدة قرار لمجلس الأمن بشأن المستوطنات والقدس !.
نقول هذا .. حتى لا نبالغ كثيراً .. في الرهان على
حدوث اختراق في علاقة أميركية – اسرائيلية تراوحت
بين التماثل والتطابق .. صحيح أن موضوعة
المستوطنات كانت عنصر تعكير لتلك العلاقة ..
ولكنها لم تكن غير نوبة غضب .. سرعان ما تتضاءل
وتخبو .. ويكون المستفيد الوحيد هو الاستيطان ..
ولكم في قصة جيمس بيكر وشامير ورقم الهاتف خير
دليل على ذلك!.
بمعنى أن الموقف الأميركي لم يتطور إلى درجة
تجسيده في خطوات عملية تمنع ذلك الإستيطان ..
وبهذا .. بقى الموقف متأرجحاً بين الغضب فإعتبارها
نقيضاً لعملية السلام.. إلى تشخيصها كعقبة في طريق
السلام .. إلى التعامل معها كـ" دي فاكتو " مع
التحفظ الشديد على توسيعها ونموها.. إلى موقف
إدارة أوباما التي اعتبرت التوسع غير شرعي ..
مطالبة - فقط – بوقف البناء!.
ثنائية الخصم والحكم .. والحكم الخصم.
لعل هذه الثنائية هي سبب عدم التوصل إلى سلام
حقيقي في الصراع العربي الإسرائيلي لا بل هي السبب
الاهم والرئيس في ذلك و في الاحباط الذي يشعر به
العرب .. وهو ما لايمكن تفسيره إلا بالتقصير
الممنهج والمتعمد من الإدارات الأميريكية !.
ربما يكون الفلسطيني – عاطفياً – ضحية المثل : (
رضينا بالهم .. والهم ما رضينا فينا ) ! إلا أن
ذلك لم يفت في عضده ولم يكسر أمله في ملاحقة أي
متغير في السياسة الأميركية لتطويره وتعزيزه ليس
لأنه ( الغريق الذي يتعلق بقشه ) .. ولكن لأنه
يدرك أنه يعيش مرحلة القطب الواحد الأوحد .. وان
90% من الأوراق هي في يد ذلك الحكم .. لذلك فهو
يتحصن بالصبر والواقعية والعقلانية من أجل تخفيف
منسوب الخصومة في ذلك الحكم .. او بمعنى ألطف
تخفيف مستوى الانحياز إلى إسرائيل..
رضى الفلسطيني بثلث فلسطين التاريخية من باب "
ريحة البر ولا عدمو " ! إلا انه قوبل بإتهامه بأنه
يضيع الفرص .. نسأل هل اعطيتموه هذا ( الثلث ) حتى
يكون اتهامكم صحيحاً ؟.
نأمل من الإدارة في عهد الرئيس اوباما أن تغادر
قليلاً مواقع الادارات السابقة ..التي أصبح شعارها
" ديمومة التوسط " على الطريقة الكيسنجرية .. أي
ان تصبح الوساطة غاية لا وسيلة !.
ما أخشاه أن تنخرط أميركا في الملف السوري أي في
الستة بالمائة الخلافية الباقية منه على حساب
الملف الفلسطيني – الاسرائيلي المشتبك والمعقد
والملييء بالأفخاخ .. وبالتفاصيل التي يتناسل فيها
الشيطان .. ويتكاثر إن لم يجد من يطرده من هناك!.
ثنائية : العنف والارهاب
دأبت الإدارات السابقة على وصف المقاومة بالإرهاب
.. وهنا نسجل لأوباما أنه استخدم وصف " العنف " ..
ذاك أن الوصف الأول لم يحل المشكلة .. بل عمل على
تعاظمها وتفاقمها لما فيه من إهانة واستفزاز.
أقول ذلك .. واذكر المقاومين بأن أدبيات اليسار
كانت تتحدث عن " العنف الثوري "..بل إن قادة
فلسطينيين من أمثال هاني الحسن كانوا يستخدمون
لفظة العنف بشكل تلقائي حين يأتي الحديث على ذكر
المقاومة ..
مايهمنى هنا هو وقوع الرئيس أوباما في التناقض من
جهتين :-
1- لايمكن دعوة الفلسطيني في نزوعه نحو القوة (
العنف ) لمواجهة الاحتلال إلى استيطان واستدعاء
نماذج من مثل غاندي ومارتن لوثر كنج ..ونلسون
مانديلا لاسباب جد مغايرة وعميقة .. ولا تخفى على
احد.
2- أما التناقض العميق فكان عندما تغزل ومدح
الرئيس أوباما الثورة الأميركية ضد الاحتلال
البريطاني .. والتي أدت إلى الاستقلال .. ذاك أنه
نسي أو تناسى أن انهاراً من الدماء سفكت .. وان (
العنف ) التحرري بلغ أقاصيه .. في المواجهات ..
وأن هذا بالضبط هو ما عجل بالاستقلال .. ولولاه
لبقيت الأمور على حالها إلى يومنا هذا!.
السؤال البسيط الذي يتبادر إلى الذهن هنا هو
الكائن في الآية القرآنية : " أتامرون الناس بالبر
وتنسون أنفسكم "!
أيها السادة : ثمة ثوابت ومتغيرات في السياسة
الأميركية .. وقد استعرضنا بعضها في الثنائيات
السابقة .. وهي لا تصل ولن تبلغ درجة الانقلاب
الدراماتيكي .. ولكن يمكن أن تاتي بطرق وآليات
ومفاتيح جديدة لإدارة الصراع .. إن وجدت تصميماً
من الرئيس أوباما .. بعيداً عن كوابيس ثوابت
الثنائيات السابقة نأمل ذلك.
حق المعرفة فوق
كل الحقوق
جميع الحقوق محفوظة لموقع زيتونة
موقع
زيتونة نافذة مستقلة ليست مسؤولة عن مضمون المقالات التي
تنشر
ولا تعتبر المقالات المنشورة وجهة نظر رسمية للموقع
، بل فقط تعبرعن رأي الكاتب asfook@yahoo.com