أسبوع عربي أمريكي
حافل بلقاءات الحكام من الجانبين. لكن الرئاسة
الأمريكية غير مسموح لها أن تلتقي بغير الأصدقاء
من زعامات النظام الإقليمي، الذي يقطع صلته
تدريجياً باسمه العربي. هنالك تطور في الأسماء
التي يطلقها الإعلام على هذه المساحة الشاسعة
الجغرافية، تنبئ عن التحولات القسرية التي يعانيها
تاريخها المعاصر. كان لها اسم البلاد العربية، ثم
الوطن العربي، ثم العالم العربي، وأخيراً هي
'المنطقة' هكذا بدون أية صفة، وأن أُضيفت لها لفظة
العربية أحياناً. غير أن المصطلح الجيوسياسي الذي
أمسى وحده هو التوصيف الملائم لهذه الجغرافية
التائهة المعالم المصيرية حسب منعطفات الدبلوماسية
الغربية خاصة، هو النظام الإقليمي الذي لا يوحي
بأية هوية، فهو ما تبقى لهذه المساحة من دلالة
حيادية بعد أن فقدت، أو تنازلت، أو أُجبرت على
التنازل، عن شخصيتها التاريخية، بل حتى عن كيانها
العضوي والإنساني معاً. النظام الإقليمي اصطلاح
إجرائي فارغ سلفاً من سكانه الأصليين. لا حاجة لمن
يتعامل معه لاستحضار مجتمعاته أو شعوبه في عمق
الصورة أو في هوامشها. كل خصائصه لا قيمة لها
بالنسبة لميزته الوحيدة، وهي كونه واقعاً بالفعل.
هذه الميزة، أو الامتياز بالأحرى، يجعله قادراً
على دحض كل ما يناوئه، سواء من المعارضات النقدية،
أو من طروحات المشاريع البديلة، ما دامت لا تمتلك
أنظمتها المتخيلة أو المحيطة القدرةَ على منافسة
ما هو قائم أو اختراق أسواره.
ذلك أن النظام
الإقليمي قد لا تصنعه رموز أصحابه المتملكين منه
وحدهم. فهو يشكل رقعة من شبكية أوسع منه تنتمي إلى
المصطلح الكوني الأشمل المسمَّى بخارطة التوازنات
الدولية. وهذه بدورها لها أسيادها وحكامها المطلقو
الصلاحية في أغلب الظروف المصيرية. ويمكن القول
أنه منذ انمحاء الامبراطورية العثمانية
(الإسلامية) أثر انهزامها الأخير في الحرب
العالمية الأولى، أصبح الغرب وحده سيد النظام
العالمي، وإن شغلته حروبه الذاتية فيما بين أطرافه
الأيديولوجية حول السيادة العليا في ناديه، فكانت
بمثابة مراحل من التصفيات المتبادلة التي قضت
بوسيلة الحربين الحامية ثم الباردة، أولاً على
توأمي النازية والفاشية، وبعدهما على الشيوعية
بالحرب الباردة وحدها. خلال هذه المسافة الزمنية
من أوائل القرن العشرين إلى بداية القرن الواحد
والعشرين، كان (الشرق) يخوض صراع اليقظة العقلانية
والسياسية معاً. كانت له معركتان متكاملتان دائماً
ضد مجتمعاته المتخلفة ومؤسساته التقليدية، من
ناحية، وفي مواجهة الاستعمار الأوروبي من جهة
ثانية، ومن بعده الأمريكي. في المقابل كان النظام
العالمي ينقسم جغرافياً ما بين شمالي الكرة
الأرضية وجنوبها. كانت هناك أمم تاريخية عظمى تنهض
حضارياً وتقنياً معاً، تغطي أواسط آسيا حتى أقصى
شرقها وجنوبها معاً. كان لها مكسبها الأعظم
ابتداءً من استقلالها الوطني الحقيقي الذي أتاح
لها أن تعيد بناء ذاتها عصرياً، دون التخلي عن
ينابيعها التراثية، بعيداً ما أمكن عن التدخلات
الأجنبية.
أما مصطلح الجنوب
بمعناه الجيوسياسي المباشر فظلّ مقتصراً على مناطق
نفوذ الغرب حول البحيرة المتوسطية وعمقها الإفريقي
من جهة والآسيوي من جهة أخرى. وقد برز العرب إلى
مقدمة المسرح الجنوبي خلال الحرب الباردة. شكلوا
إحدى الطلائع الرائدة لحركة القوميات الاستقلالية
الناشئة. فظهرت الدولة العالمثالثية ثمرة للنموذج
السياسي لتلك الحركات الموصوفة بالقومية وحتى
الشعبوية. لم تكن الصفة الدينية علامة مميزة لمولد
العالم الثالث، وإن أتت رديفاً تقليدياً لخصائصه
الذاتية. فالوطني التحريري هو الغالب على الانتماء
الأيديولوجي. وكان ذلك بمثابة المرجعية المشروعية
لقيام الدولة العصرية، التي من المفترض شروعُها
بقيادة مجتمعها وإعادة بناء كيانه الإنساني
والحضاري وفق مبادئ حقوق الإنسان. لا حاجة إلى
اجترار ذاكرة التراجيديا هذه حول سطوع وانهيار
العالم الثالث، وتجربته الرائدة والفريدة في
التاريخ المعاصر. لكن يبقى التذكير فقط أن فصول
هذه التراجيديا لم تكن من أفعال أقدار
ميتافيزيقية. على الأقل كانت ضحية النظام الدولي
وتقلباته الكارثية الكبرى خلال مرحلة الانتقال من
سيطرة الثنائية القطبية عليه، إلى حقبة أحادية
القطب الأمريكي أو عبر محاولاته للإمساك بها،
حيثما كانت رهاناتها الكبرى، في الإقدام
والاندحار، إنما تتحقق عبر مصائر هذه الشعوب
البائسة. وذلك بالعمل الدؤوب على الحيلولة دونها
واستكمال مشروع الدولة الاستقلالية الحداثية.
لقد جازفت الأمركة بما
تبقَّى لها من سمعة الصفحات البيضاء من تاريخها
كرائدة للحريات، حينما انتدبت قوتها العظمى لقيادة
الاستعمار الجديد، وقد أصبح يتحدد موضوعه المركزي
في استيعاب ثروات الجنوب، ومن خلالها إمكانية
السيطرة على مستقبل الحراك الذاتي والعالمي
المنتظر للدول الشرقية الصاعدة كالصين والهند،
ومعها أيضاً دول أمريكا الجنوبية. فانطلقت فورة
الأمركة وراء الوهم الكوني بالعولمة، وانتشارها مع
وباء النيوليبرالية؛ كان ذلك الانقلاب في المشهد
العالمي أفضل تسويغ أيديولوجي حدثي معاً للتخلص
مما كان يسمى بانقياد المجتمع الإنساني، ولو
ظاهرياً تحت سلطة أو قوة القيم ومعاييرها، إلى
التساقط الجماعي تحت منطق قيم القوة العارية كلياً
من أية زخارف ثقافوية، أمست هي نفسها مجرد
أركيولوجيا منسية.
في ظل طغيان هذا
الانقلاب الهمجي غير المسبوق منذ الحروب العالمية
السابقة، تتحول الأمركة إلى مجرد قوة ضاربة هائلة
بوسيلة الحروب المباشرة، أو بأفعال التهديد
والوعيد. لقد تغطت ثلاثة أرباع الخارطة العالمية،
بخارطة أخرى من مئات القواعد العسكرية التي
تتوزعها الجيوش الأمريكية؛ فحين حلت صدمة الحادي
عشر من أيلول (سبتمبر) (2001)، كان ذلك إيذاناً
بإعلان الأمركة للحرب الكونية، ونقلها من حال
الكمون، إلى حال الانفجار المتنقل والمطارد لأشباح
الأعداء في كل مكان بوصفهم إرهابيين خارجين على
القانون وبذلك تحققت نبوءة المحافظين الجدد إبان
العهد البوشي البائد، بجعل القرن الواحد والعشرين
أمريكياً، فجعلوا بدايته على الأقل، إرهابية
بوليسية. هذه هي الخارطة البائسة هي الإرث المشؤوم
التي على الأوبامايا التعامل مع إكراهاتها
اليومية، في الوقت الذي تعصف الأزمة المالية
بأركان القوة الاقتصادية وقواعدها في المتروبول
الأمريكي نفسه. تلك هي حالة تجفيف الموارد الحيوية
لخارطة جيوسياسية عسكرية مصابة بفقر الدم، وسوف
تقاوم كل خطة تغيير استراتيجية تحلم بها قيادة لا
تمتلك سوى بلاغة التبشير بنواياها (الطيبة؟) حتى
اليوم.
من هذه الزاوية ينبغي
فهم مشروع المصالحة الأوباماوية مع العرب
والإسلام. ذلك أن أية اختلافات جدية في السلوك
الأمريكي على طريق هذه المصالحة، يبدو أنها مشروطة
أولاً بما سيقدمه الطرف الآخر، أي الضحية دائماً،
من تنازلات جديدة. وهذه التنازلات المطلوبة لن
تأتي من رصيد مصالح نسبية لم تعد متوفرة لدى القطب
المستضعف أصلاً، بل من خانة ما تبقى له من حقوقه
الحيوية. تلك هي قاعدة تفاوض بالية مهترئة، وقد
أثبتت عقمها طيلة ما دعي بمفاوضات العملية السلمية
التي ابتدأت مع مؤتمر مدريد، وكانت عربية فلسطينية
من جانب وإسرائيلية أمريكية من جانب آخر، ثم
تراجعت إلى حدود طرف واحد فلسطيني مع عدوه الذي
أمسى يتساكن معه، ليس إقليمياً فحسب، بل
أيديولوجياً واستراتيجياً. فالمنطق التبشري الجديد
ينطلق من ضرورة التسليم العربي بواقع النظام
الإقليمي القائم. وقد كان هذا النظام مدخولاً عليه
بالاختراق الاسرائيلي، ثم أضحى قابعاً كلياً تحت
المظلة الأمريكية العسكرية وامتدادها المحلي
الاسرائيلي. لكن ثمة انكسارات عميقة تتوالى على
توازنات الإقليم المفروضة منها والمفترضة. هنا
تتدخل لحظة المصالحة من أجل الحد من تفاقم هذه
الانكسارات. إذ أنه ما دامت فلسفة كل نظام إقليمي
إنما تقوم أساساً في الحفاظ على عوامل استقراره
وديمومته، فهذه الفلسفة هي التي تهتز أركانها في
الحالة الأمريكية الإسرائيلية الراهنة، فيما صار
يتهدد سيطرتهما المشتركة على النظام الإقليمي
العربي وعمقه الإسلامي الموغل آسيوياً، حتى حدود
الهند، وفي صلب كيان الهند عينها. هذا اللاإستقرار
هو دلالة المصطلح الجيوسياسي الهادف إلى اختزال
زلازل هذه القارة العربية الآسيوية تحت اسم
الإسلام.
المصالحة، في حدودها
التبشيرية الرائجة حالياً، تتجنب الاعتراف بأصول
هذه الزلازل، التي إن استمرت في منطقها التصاعدي
فلن تُبقي على أية دعائم قائمة للأنظمة الإقليمية
في ساحة العالم القديم كله، أو وطن الحضارات
الإنسانية الكبرى المؤسسة لعالم اليوم والغد، بما
فيه مستقبل الغرب نفسه بجناحيه الأوروبي
والأمريكي. هل يعي المخططون لمشروع المصالحة بعض
هذه الحقائق وآفاقها المتلاحمة مع المصير الكوني
الشامل. هل هناك حقاً شعور بالضرورات القصوى ما
فوق مفاهيم بالية للأنظمة الجيوسياسية والعسكرية
السقيمة.أم أنها عملية خروج من مصطلحات والدخول في
غابة أخرى من المصطلحات. تلك هي اللعبة المفضلة
التي يتقنها صناع التفكير في محيط مراكز القرار
الأمريكي، كلما اضطروا إلى اصطناع بدائل الألفاظ
والأسماء عن وقائع المتغيرات.
يمكن لأي مواطن عربي
أو أجنبي حيادي أن يرد على الخطاب التصالحي
التبشيري للرئيس الأمريكي المختلف ربما في شخصيته
وبعض معتقداته، عن سلالة الأباطرة في البيت
الأبيض، بتذكيره قائلاً: أيها الرئيس (النبيل؟) لا
تستطيع أن تصالح الإسلام وجيوش إمبراطوريتك تعيث
قتلاً وتدميراً وفساداً في شعوب العرب والإسلام
وحضاراتهم الأصيلة والمتجددة.نسألك: إلى أي مدى
يمكن لضيف العالم الثالث، الرئيس الأسمر النزيل في
البيت الأبيض، أن يطور خطابات مثالية، متباعدة
قليلاً أو كثيراً عن مخططات البنتاغون. فهي لا
تزال مصممة على رؤية العالم كمناطق نفوذ محكومة
بقلاع الأنظمة الإقليمية العسكرية والبوليسية. في
حين أن هذه القارة العربية الإسلامية شرعت منذ وقت
طويل باستعادة خارطة حضاراتها وشعوبها بأسمائها
وعقائدها الأصلية، تحت أعلام مقاوماتها الإنسانية
الناهضة، وذلك ضداً على تلك الخارطة البالية
لأنظمة الاصطلاح الإقليمي ومشتقاته المحلية
البائرة. فالقارة التي هي متحف التاريخ، مصممة على
أن تكون كذلك طليعته القادمة. إنها في صدد تفعيل
استراتيجيتها النهضوية، في مواجهة مصيرية مع
جيوسياسية المفهوم الإقليمي واصطلاحه الخبيث
الماسح لهويات الأمم وحضورها المتجدد.
كلمة صريحة إلى أوباما
أنه ربما يجيء في الزمن الأخير، وأن مشروعه
التصالحي قد يفوت أوانه. إنها الإمبريالية عينها
التي اختارته لينطق بغير ألسنتها النارية
المعتادة، يعرف أنها أمست في طور النزع الأخير،
وقد يكون من أخطر أطوارها؛بل لعله يمهد لعصر رئاسة
أخرى لمرحلة ما بعد هذه الإمبريالية المشؤومة .
حق المعرفة فوق
كل الحقوق
جميع الحقوق محفوظة لموقع زيتونة
موقع
زيتونة نافذة مستقلة ليست مسؤولة عن مضمون المقالات التي
تنشر
ولا تعتبر المقالات المنشورة وجهة نظر رسمية للموقع
، بل فقط تعبرعن رأي الكاتب asfook@yahoo.com