في مثل هذا اليوم الثالث
عشر من يونيو / حزيران عام 2003 ، وبينما كنت في
بيروت التي أبعدتني إليها سلطات الاحتلال
الإسرائيلي من سجن غزة المركزي مطلع عام 1991 ،
نقلت وسائل الإعلام خبر قيام طائراتٍ إسرائيلية
بإطلاقِ صاروخٍ على سيارةٍ فلسطينية في حي الصبرة
بمدينة غزة ، يقودها أحد نشطاء كتائب القسام ،
الذراع العسكرية لحركة المقاومة الإسلامية " حماس
" ، وأعلنت مصادر إعلامية في غزة أن الصاروخ
الإسرائيلي الذي استهدف السيارة أدى إلى استشهاد
أحد مجاهدي كتائب القسام ، ولكني لم أتوقف طويلاً
أمام الخبر الذي أصبح خبراً يومياً متكرراً
وعادياً ، ففي كل يومٍ يسقط في غزة أكثر من شهيد ،
نتيجة عمليات القصف الجوية التي يمارسها الجيش
الإسرائيلي ضد نشطاء المقاومة ، إذ أن أرئيل شارون
كان قد أعلن بعد تسلمه رئاسة الحكومة الإسرائيلية
الحرب على نشطاء المقاومة الفلسطينية ، وبدأ سلسلة
طويلة من عمليات الاغتيال والتصفية والملاحقة
والاعتقال ، طالت مختلف القيادات السياسية
والعسكرية ونشطاء المقاومة ، معتقداً أنه سيتمكن
من وضع حدٍ لأعمال المقاومة الفلسطينية ، وسيرغم
الشعب الفلسطيني على الخنوع والخضوع ، وإلقاء
بندقيته المقاومة ، وسيجبره بقوة النار على التخلي
عن حقه المشروع .
ولكن الشهيد المستهدف كان
هذه المرة أحد أشقائي ، وعلمت بعد دقائق قليلة أنه
أخي فؤاد ، الذي لا أذكره إلا طفلاً أو صبياً ،
فقد غادرته مبعداً دون وداع وعمره ثلاث عشرة سنة ،
بلغني خبر استشهاده فترقرقت في عيني الدموع ولكنها
لم تنحدر رغم حزني عليه ، ولكن آخرين غيري سبق وأن
بلغهم خبر استشهاد عزيزهم ، فصبروا واحتسبوا ،
وجال في مخيلتي بعض الصور والخيالات القديمة له
التي أحفظها له ، ولكني شعرت بكثيرٍ من الزهو
والفخر ، فهذا أخي قد سبقني إلى الجنة مقدماً غير
مدبر ، مقاتلاً مقاوماً باحثاً عن الشهادة ، فخلد
بين الناس ذكرنا ، وادخر لنا عند الله شفاعة ،
وجففَ الدمعَ في مآقي ما علمته بعد ذلك أنه قام مع
مجاهدين آخرين في صبيحة ذات يوم استشهاده بإطلاق
عدة صواريخ على المستوطنات الإسرائيلية شمال قطاع
غزة ، الأمر الذي دفع الجيش الإسرائيلي إلى تعقبه
وقصف سيارته .
لحظاتٌ قليلة مرت على خبر
استشهاد أخي فؤاد ، حتى رن جرس هاتفي في بيروت ،
وحمل إلي الطرف الآخر على الهاتف أن السيد حسن نصر
الله الأمين العام لحزب الله يود الحديث إليك
فانتظر اتصالاً آخر ، فانتظرت ، وبعد دقائق قليلة
رن في بيتي جرس جهاز هاتفٍ آخر وكنت أترقبه ، فكان
السيد حسن نصر الله الذي هنأني بشهادة أخي ، وأن
الشهادة وسام نفخر به ، وأنها اصطفاء من الله لا
ينالها إلا من رضي الله عنه ، وطلب مني أن أنقل
تهانيه وحزب الله إلى والدتي وأشقائي في غزة ،
فالشهادة عرس وطوبى للشهداء الذين يقدمون أرواحهم
في سبيل الله دفاعاً عن حرماتهم وعن أوطانهم ،
وتلا السيد حسن نصر الله آخرون مهنئون ومباركون
متصلون وزائرون من كل مكان .
اليوم استذكر شهادة أخي
فؤاد ، وأحفظ اليوم الذي ارتقى فيه إلى العلا
شهيداً ، ولكني أذكر معه آلاف الشهداء الذين سبقوا
وآخرين لحقوا ، ممن ساروا على درب الجهاد
والمقاومة ، وحملوا البندقية وزنَّروا أجسادهم
دفاعاً عن حقهم ووطنهم ، ولكن والدتي وإخوتي في
غزة أخبروني أن فؤاد لم يكن يشغله شئ في حياته سوى
الشهادة ، بعد أن تخلى عن كل ما يربطه بهذه الدنيا
، فلم تكن خزانة ثيابه تحوي غير السلاح ، ولم تكن
الزوايا الصغيرة في غرفته تخزن غير المتفجرات
والقذائف الصاروخية ، فلا ثياب جديدة عنده ، ولا
ملابس يستبدل بها ثيابه التي عبقها غبار الرباط
والمقاومة ، ولم يكن لديه حديث آخر غير الشهادة ،
فقد ارتحل أصحابه شهداء وسبقوه إلى المجد ، فصار
حزيناً وحيداً لا يلوي على شئ ، ولا يفكر في غير
اللحاق بهم شهيداً ، ولم يعد يشغله شئ عن المقاومة
أو الإعداد لها ، وكان قد تعاهد مع غيره من إخوانه
على الثبات والصمود ، ولكن رفيق دربه ، ورفيق صباه
الشهيد رياض عدنان الهندي كان قد سبقه بالشهادة
قبل أيام ، فملأ الحزن قلب فؤاد ، واغتم أن جل
أصحابه قد سبقوه ، ولكنه رأى في المنام أنه بينما
كان يجول في شوارع غزة ، فإذا بصاروخٍ إسرائيلي
يستهدف سيارته فيصيبها ، فلحق بأصحابه ورفاق دربه
، وما هي إلا أيام قليلة حتى تحققت رؤياه ، وارتقى
ليلحق بأصحابه ورسول الله صلى الله عليه وسلم
شهيداً .
في ذكراك أخي استذكر كل
شهداء فلسطين منذ مطلع القرن الماضي وحتى هذا
اليوم ، فأقف أمام تضحياتهم وعطاءاتهم ، وأمام
دمائهم الزكية ، وأرواحهم الطاهرة ، ونفوسهم
العلية ، فأستذكر المبادئ والمثل التي استشهدوا من
أجلها ، والمواقف التي دافعوا عنها ، أستذكر كل
الشهداء الذين امتزجت دماؤهم الطاهرة معاً لتصنع
لنا غار الحرية ، وإكليل النصر ، فأرى حجم الجرم
الذي يرتكبه من يفرط في دماء الشهداء ، ويتنازل عن
الثوابت والحقوق ، ويفرط في الدماء والتضحيات ،
وينسى الجرائم التي ارتكبها الإسرائيليون في حق
شعبنا الفلسطيني ، الذين قتلوا وشردوا وأبعدوا
مئات الآلاف من أبناء شعبنا ، واستغرب ممن يقبل
بأن يلبس بزة العدو ، ويمارس دوره القذر ضد شعبه
وأبناء بلده ، فيخون أمته وشهداءها ، ويفرط في
حقوقها وثوابتها .
فلأمي التي حُرمْتُ رؤياها
في هذا اليوم الذي فقدت فيه ولدها شهيداً ، كما
لكل أمهات شهداء فلسطين ، أزجي التحية الصادقة ،
تحيةً ملؤها الفخر والاعتزاز بأمهاتنا وأخواتنا ،
اللواتي ضربن للعالمين أمثلةً عظيمة في الصبر
والاحتساب ، فكن أبلغ من الخنساء في صبرها ، ورسمن
بثباتهن وتضحياتهن أعظم صفحات البطولة ، ومنهن من
سرن بأنفسهن صدر الصف مقاتلاتٍ ومضحيات سرباً
باسلاً يتحدين جحافل المحتل ، بلا خوفٍ ولا تردد ،
فلك أمي اليوم ، ولكل أمهات الشهداء ألف تحية ،
كما لا خوف على حقوقنا ولا مستقبل بلادنا ما دامت
أمهاتنا عظيمات مثلكن ، صابرات مثلكن ، ولا يحلم
العدو يوماً بأنه سيهزم هذا الشعب العظيم ، وفيه
هذا القدر الكبير من الأمهات العظيمات ، اللاتي لا
يبخلن على الوطن بأولادهن وفلذات أكبادهن ، ويضحين
من أجله بكلِ غالٍ وثمين ، فلا يحلم العدو يوماً
أنه سيكسر إرادة هذا الشعب مهما قتل ودمر وشرد ،
فأمهاتنا مدارس الجهاد والمقاومة ، سينجبن المزيد
من الأبطال ، وسيتوالى الرجال ، وسيخلق المقاومون
من جديد ، ولن تسقط البندقية من يدٍ إلا إلى يدٍ
مقاومةٍ أخرى ، لتستكمل المشوار ، وتسير على ذات
الطريق ، حتى يرحل الاحتلال ، وتشرق شمس الحرية
على بلادنا وبيادرنا وحقولنا ، فهنيئاً لك أخي
فؤاد في يومك الأغر على ما قدمت وسبقت ، وطوبى لكم
أيها الشهداء على ما قدمتم وأعطيتم ، وهنيئاً لكل
الشهداء الذين رسموا لنا بدمائهم آياتٍ من العز
والفخار ، تضيئ لنا الطريق ، وتعبد لنا الدرب ،
وتهيئ لنا سبل النصر .
حق المعرفة فوق
كل الحقوق
جميع الحقوق محفوظة لموقع زيتونة
موقع
زيتونة نافذة مستقلة ليست مسؤولة عن مضمون المقالات التي
تنشر
ولا تعتبر المقالات المنشورة وجهة نظر رسمية للموقع
، بل فقط تعبرعن رأي الكاتب asfook@yahoo.com