أعان الله الشعب الفلسطيني على هذه الحالة من
التمزق بين غزة ورام الله، وللناس مصالحها
المتشابكة، وهم في حاجة للتعامل مع طرفي الانقسام،
ولكن عيون الحكومتين الفلسطينيتين لا تغفل، ولا
تنام، فإن ألقى موظف السلام على رجل من حركة حماس
في أول الشهر، يتم قطع راتبه في آخره، وإن تعامل
مواطن مع حكومة رام الله يكون اللوم أقل إجراء،
وإن أثارت العلاقة مع رام الله أو غزة شبهة ما،
فقد يتم استدعاء صاحبها، ومسائلته عن شكل العلاقة،
ومضمونها، وأهدافها، كل ذلك بفعل الانقسام الذي
انعكس شكاً، وريبة، وتوجساً على السلوك العام. وكي
أدلل على حديثي بالشواهد، أستعرض ما يلي:
قبل عام تقريباً رغبت حركة حماس في استبدال رؤساء
البلديات المكلفين في قطاع غزة، واختيار شخصيات
تنتمي للحركة، ولحركة حماس فلسفتها في ذلك،
ومبرراتها، فالبلديات في حاجة إلى دعم مالي شهري،
وحكومة رام الله تنكرت لهذه الحاجة، وتعمدت تفجير
الضائقة المالية في وجه حكومة غزة، وكي تضطلع حركة
حماس بمسئوليتها المالية فلا بد من اختيار رئيس
بلدية، وأعضاء مجلس بلدي من صلب الحركة، وهذا ما
تم بالفعل في أكثر من مجلس بلدي في غزة ومن ضمنها
بلدية خان يونس، التي تدعمها حركة حماس بمبلغ مئة
ألف دولار شهرياً، وهذا أمر طيب، ورائع، وضامن
نجاح عمل البلدية.
لم يكن إلقاء الهمّ البلدي في حِجْر حركة حماس
محزناً بالنسبة لي، ولاسيما أنني قد تقدمت
باستقالتي الخطية مرتين قبل ذلك، واضطررت إلى
العودة لأسباب يعرفها أعضاء المجلس البلدي،
وتجاوباً معهم، وقد تفهموا خطوة حماس، وأبدوا
ارتياحاً شديداً لتحمل حكومة غزة المسئولية عن
البلدية، ولكن بعض أعضاء المجلس البلدي اقترح عليّ
أن أكتب رسالة للرئيس عباس، وأن أبلغ حكومة رام
الله بما قد عقدت عليه العزم حكومة غزة، وهذا ما
تم فعلاً قبل أيام من الموعد المحدد لتسلم حركة
حماس بلدية خان يونس.
لم تكن مفاجأة بالنسبة لي أن تعاد رسالتي من مكتب
الرئيس إلى حكومة غزة، فمعظم المراسلات،
والاتصالات التي ترسل من غزة إلى رام الله يعاد
تصديرها ثانية بعد تصويرها إلى حركة حماس بطريقة
أو بأخرى!. ولكن المفاجأة كانت من غضب وكيل وزارة
الحكم المحلي السيد سفيان أبو سمرة الذي اعتبر
رسالتي إلى الرئيس عباس جريمة، وكردة فعل؛ أمر
بوقف الكتب الصادرة لبلدية خان يونس، رغم المصادقة
عليها من الوزارة.
قلت للسيد سفيان أبو سمرة لاحقاً: أنت تعرف أنني
لست عضواً في حركة حماس، ورسائلي إلى رام الله
جاءت من منطلق وطني أملاه عليّ موقعي كرئيس مجلس
بلدي غالبية أعضائه من حركة فتح، ورئيس البلدية
مكلف بخدمة جميع المواطنين بالتوازي على اختلاف
انتماءاتهم التنظيمية، لأن خط الماء الذي تقدمه
البلدية لا يضخ على بيوت فتح، ويحرم بيوت حماس،
ومكنسة العامل لا تكنس الزبالة عن أبواب حماس،
وتتركها على أبواب فتح، وموظف الجباية لا يتعامل
على ضوء الانتماء السياسي، إن موقع رئيس البلدية
يملي عليه أن يتجرد من الانتماء التنظيمي، وأن لا
يعلن عن رأيه السياسي من مجمل الأحداث الدائرة،
فما دام قد ارتضى أن يمثل الكل فمن الخطأ أن ينحاز
للجزء، وشخصياً لي رأيي السياسي الذي أتحفظ عليه
ما دمت على رأس عملي، ولكنني سأفصح عنه مجرد تحرري
من رئاسة البلدية.
منذ عامٍ وأنا حرٌ في التعبير عن رأيي
السياسي الذي ينشر بقوة في الصحف، وتنشره عشرات
المواقع دون خشية أحد، ودون مسعى لإرضاء أحد.
حق المعرفة فوق
كل الحقوق
جميع الحقوق محفوظة لموقع زيتونة
موقع
زيتونة نافذة مستقلة ليست مسؤولة عن مضمون المقالات التي
تنشر
ولا تعتبر المقالات المنشورة وجهة نظر رسمية للموقع
، بل فقط تعبرعن رأي الكاتب asfook@yahoo.com