شهداؤنا في أي معركةٍ
استشهدوا ، وبأي سلاحٍ قتلوا ، وعلى أي أرضٍ سقطوا
، هم خير بني البشر بعد الأنبياء والصديقين ،
أكرمهم الله سبحانه وتعالى واختارهم للشهادة من
بيننا ، فجعل أرواحهم في قناديل معلقة تحت عرشه ،
وجعلهم يوم القيامة شفعاء لأهلهم وذويهم ، وغفر
لهم ذنوبهم مع أول قطرة دم تنبجس من أجسادهم
الطاهرة ، وجعل ألم شهادتهم كوخز الشوكة ، فهم
يقاتلون من أجل قضية حق ، ويضحون في سبيلها بأغلى
ما يملكون ، ولا يبالون بقوة عدوهم ، ولا يخشون
مواجهته ، ولعل صورة فارس عودة الصبي الفلسطيني
الذي واجه بجسده الصغير بكل كبرياء الدبابة
الإسرائيلية بجحره المقدس ، ولم يبالِ بجنازير
الدبابات التي قد تهرس جسده ، فبدا للعالم كله
عملاقاً أمام الدبابة الإسرائيلية التي تضاءلت
أمام عينيه لتبدو أقل من لعبة ، وقد نجح شعبنا
الفلسطيني في رسم أعظم صور البطولة والشهادة ،
وأثبت أن الأرض والحق أغلى من المال والنفس معاً ،
وقد تنافس الفلسطينيون وما زالوا في تقديم الشهداء
، وسجلت الكتائب العسكرية لقوى المقاومة
الفلسطينية تنافساً شديداً على العمليات
الاستشهادية ، والعمليات العسكرية الخطرة ضد
الأهداف الإسرائيلية ، والتي فيها مواجهة وتحدي
واختراق لعمق الخطوط الإسرائيلية .
وتبذل إسرائيل قصارى جهودها
الأمنية والعسكرية لمواجهة نشطاء المقاومة
الفلسطينية ، وتحاول أن تنال منهم بكل الطرق
والوسائل الممكنة ، فاستهدفتهم بصواريخها
ودباباتها وطائراتها ، ونفذت ضدهم عشرات عمليات
الاغتيال من خلال الفرق المستعربة ، ولكن أقذر
عمليات الاغتيال هي تلك التي تتم بمساعدة العملاء
والمتعاونين ، الذين يرصدون المقاومين ويراقبونهم
، ويقدمون للعدو الإسرائيلي أدق المعلومات ،
وأكثرها تفصيلاً ، الأمر الذي يسهل على قواتهم
وفرقهم العسكرية استهداف المقاومين والنيل منهم ،
لذا فإن العملاء الذين يتعاونون مع العدو الصهيوني
هم أخطر ما يواجهه الفلسطينيون ، وأشد ما يعانون
منه ، ذلك أنهم يعيشون معنا ، ويتنقلون وسط
مجتمعنا ، فيصعب التعرف عليهم ، أو اكتشاف أمرهم ،
ولهذا فإن انتقام المقاومة منهم غالباً ما يكون
قاسياً ، يتناسب وحجم الأدوار القذرة التي يقومون
بها .
ولكن الأمر الأخطر والأشد
قذارة ، والأكثر فداحة ، أن يقوم بعض الفلسطينيين
بأداء الدور الإسرائيلي بالإنابة ، بل إن بعضهم
يؤدون الدور أحياناً بالأصالة عن أنفسهم ، وهم
يظنون أنهم يحسنون صنعاً ، فيكونون أكثر قسوة من
العدو نفسه ، فضلاً عن عمليات التنسيق الأمنية
المشتركة مع الأجهزة الأمنية الإسرائيلية ، حيث
يفخر الإسرائيليون أحياناً أنهم يديرون مع السلطة
الفلسطينية غرف عملياتٍ أمنية مشتركة ، يتبادلون
فيها المعلومات الأمنية ، ويتخذون قرارات المداهمة
والاعتقال والقتل أحياناً ، ويتبادلون أدوار القتل
والاعتقال فيما بينهم ، ويسهلون للعدو الإسرائيلي
عمليات اعتقال بعض عناصر المقاومة ، كأن تسهل
استهدافهم على الحواجز والطرقات ، أو تقدم للعدو
الإسرائيلي معلوماتٍ تفصيلية عن أماكن وجودهم ،
وساعات تحركهم ، والشخصيات الأقرب إليهم ، ويحفظ
الفلسطينيون مئات عمليات الاغتيال والتصفية التي
تمت بالتعاون بين الأجهزة الأمنية الفلسطينية
ونظيرتها الإسرائيلية ، ولست هنا ساعٍ إلى نكأ
الجراح ، وبيان عدد الذين سلمتهم الأجهزة الأمنية
الفلسطينية على الحواجز ونقاط التفتيش ، ولا عن
السجون التي سلمت بكاملها للعدو الإسرائيلي ، ولكن
الجريمة الكبرى التي لن يغفرها شعبنا الفلسطيني
ولن ينساها ، هي تلك التي تقوم بها حكومة السيد
فياض في الضفة الغربية ضد المقاومين والمطلوبين
والمطاردين للعدو الصهيوني ، فهي تمارس القتل
الصهيوني المقيت في أبشع صوره ضد أبناء شعبنا
الفلسطيني ، وتطلق العنان لأجهزتها الأمنية في
الضفة الغربية تعذب وتقتل عشرات المعتقلين في
أقبية السجون ، وإنه لعارٌ كبير على حكومة السيد
فياض التي تعتقل مئات المقاومين الفلسطينيين ،
وتقتل في زنازينها كل فترة مقاوماً أو أكثر ،
بينما يوجد في السجون الإسرائيلية أكثر من أحد عشر
ألف معتقل ، ولكننا لا نسمع أن الأجهزة الأمنية
الإسرائيلية تقتلهم أو تصفيهم ، ونحن هنا لا ندافع
عن سياسة العدو الصهيوني بحق معتقلينا الأبطال ،
ولا نحاول أن نحسن صورته ، فهو يمارس القتل البطيء
، والتعذيب الشديد ضد معتقلينا ، وهذا أمرٌ طبيعي
وقد هيأنا أنفسنا له ، فنحن لا ننتظر من عدونا أن
يربت على ظهورنا ، أو أن يمسح الدمعة من على
جفوننا ، بقدر ما ننتظر منه المزيد من القسوة
والظلم ، ولكن مالا نقبله أو نستسيغه هو عمليات
القتل والتصفية المستمرة التي تمارسها الأجهزة
الأمنية في الضفة الغربية ضد أبناءنا ومقاتلينا ،
وهي ذات السياسة التي كانت متبعة في قطاع غزة ،
والتي أرسى دعائمها محمد دحلان وجهاز الأمن
الوقائي في غزة والضفة الغربية ، وهي السياسة
التي خلفت عشرات الشهداء في أقبية التحقيق ،
ومارست ضد رموز شعبنا الفلسطيني المقاوم أشد أنواع
التعذيب الجسدي والنفسي .
ولكن على السيد فياض وقادة
أجهزته الأمنية أن يدركوا جيداً أن ذاكرة شعبنا
الفلسطيني غير مثقوبة ، وهي ذاكرةٌ قويةٌ لا تنسى
، وهي في ذات الوقت لا تغفر ولا تسامح ، وهي إن
سكتت اليوم عن حقها ، فإنها غداً ستثأر وتنتقم ،
وستمارس حقها في الضرب على يد الظالم ، وأخذ الحق
منه ، فعلى قادة الأجهزة الأمنية أن يدركوا أن
الزمان لن يدوم لهم ، وأن دوام الحال لهم من
المحال ، وغداً ستدور الدوائر ، وستنقلب الأحوال ،
ومن مارس ظلماً في السجون أو المعتقلات ضد أبناء
شعبه ، أو من أطلق الأوامر لحصار المقاومين وإطلاق
النار عليهم وقتلهم أو إغراقهم ، أو قام بتسليمهم
، أو تقديم المعلومات للعدو عنهم ، فإن شعبنا
العظيم لن يسكت على الضيم ، ولن يقبل بالحيف ، ولن
ينام على الظلم ، وستكون له اليوم أو غداً وثبةً
جبارة ، هي وثبة الأسد المستثار ، وعندها لا يلومن
أحدٌ إلا نفسه ، ولا يلقين باللائمة على أحد غير
نفسه التي أساءت وظلمت وقتلت وأجرمت ، وهذه ليست
دعوةً للقتل أو الانتقام ، بقدر ما هي صرخةٌ
لليقظة والانتباه ، فعلى كل المغرر بهم من عناصر
وقادة الأجهزة الأمنية أن يدركوا يقيناً أن أحداً
لن ينسى ولده القتيل ، أو أخاه الشهيد ، أو شقيقه
السجين ، أو ابنه المعتقل ، فلن تنعم أيها الضابط
بالأمن في غدك ، ولن يستريح ضميرك في يومك ، واعلم
أن قوتك ستزول ، وأن القوة التي تستند إليها لن
تدوم مهما بلغت ، وهي قوةٌ ظالمة باطلة ، وستلاحقك
إرادة هذا الشعب العظيم ، فكن لغدك منتبهاً ، وعلى
مستقبلك حريصاً ، وارسم لأولادك صورةً ناصعة طاهرة
نقية ، ولا تتركهم يتيهون في الأرض بحثاً عن مأمنٍ
أو مسكن ، وتعلم الدروس من غيرك ، إذ أن انتقام
الشعوب لا يتأخر ، فهو إن لم يأت رصاصةً قاتلة
فسيأت محكمةً دولية أو وطنية ، ولكن حكم الشعب لن
يتغير فيمن حرم الأطفال من أبيهم ، والأم من
أبناءها ، وقبل أن تقول ولات حين مناص ، وقبل أن
تقع الفأس في الرأس ، قم وصحح المسار ، وارفض
تنفيذ أي أمرٍ ضد أبناء شعبك ، وانظر بعيونك إلى
المستقبل ، واجعله مستقبلاً وضاءاً مزهراً لك
ولأولادك من بعدك .
حق المعرفة فوق
كل الحقوق
جميع الحقوق محفوظة لموقع زيتونة
موقع
زيتونة نافذة مستقلة ليست مسؤولة عن مضمون المقالات التي
تنشر
ولا تعتبر المقالات المنشورة وجهة نظر رسمية للموقع
، بل فقط تعبرعن رأي الكاتب asfook@yahoo.com