"كان أحد الأساتذة بصدد
تدريس مادة الفلسفة، فأراد أن يستفزّ أحد طلاّبه
الكسالى فقال له: تكلّم يا هذا حتّى أراك. أجاب
الطالب بلا تردّد: إذا كان الكلام من فضّة فإنّ
السكوت من ذهب. فما كان من الأستاذ إلاّ أن صرخ في
وجهه غاضبا : يالك من مزيّف نقود"
تذكّرت هذا الدرس الفلسفي
عندما كنت بصدد الحديث مع أحد الإخوة القوميّين..
سألته ما رأيك في ما يحدث
من صراع بين الإخوة القوميّين في القطر؟
أليس من الواجب أن تقول
كلمة فيما يحدث وأنت ترى الصراع يتحوّل إلى أسلوب
وحيد لإدارة الإختلافات بين أبناء النظريّة
الواحدة والمنطلق الواحد والأسلوب الواحد والغاية
الواحدة؟؟
هل يعقل أن توحّدنا كلّ هذه
المقدّمات النظريّة والمنهجيّة وينقطع بنا الطريق
ديمقراطيّا لفرز قوانا، والوصول إلى بناء مؤسساتنا
القوميّة أداة وحدتنا ونضالنا..
لم يجب !!
سألته هل يعقل أن يصبح
الجدل الاجتماعي عائقا أمام التطوّر وحلّ المشكلات
الفكريّة والتنظيميّة والسياسيّة وحتّى
النقابيّة.. ويصبح الصراع هو البديل الواقعي
الوحيد لكسر الرقاب وإذلال الإخوة المختلفين
والتشفّي فيهم ؟؟
لم يجب !!
سألته هل يعقل أن نصمت عن
كلّ ما يحدث للأمّة في فلسطين والعراق ولبنان
والسودان والصومال واليمن من تفكيك على مرآى ومسمع
الحكّام العرب المنشغلين بترميم عروشهم الخاوية،
ونكتفي نحن بالصمت وخوض الملاحم الكلاميّة والحروب
العبثيّة للوصول الى المواقع النقابيّة والتمترس
خلف خياراتنا السياسيّة ؟؟
لم يجب !!
توسّلت إليه واستحلفته
بشرف الأمّة وبحياة عياله أن يقول كلمة حقّ فيما
يحدث بنا وبأمّتنا، بأيدينا لا بأيدي أعدائنا
الكثر كهزائمنا؟؟
لم يجب !!
بكيت أمامه حتّى "شرقت
بالدمع" أوهو الدمع شرق بي.. ورجوته أن يوقف هذه
الحرب العبثيّة، ويجمع الإخوة على كلمة سواء تجمع
ولا تفرّق،توحّد ولا تجزؤ .. خاطبته أنت "أكبر
منّي عمرا وقدرا" فلا تبخل علينا بالنصيحة، هل
يجوز أن نحتكم للقبيلة والعشيرة والجهة والقطاع
المهني في حلّ خلافاتنا المفترض بها أن تحلّ على
أرضيّة موضوعيّة ؟؟
هل يجوز أن نتبادل التهم
السخيفة "أنت دستوري، أنت بوليس، أنت عميل
البيرقراطيّة "؟؟
هل يجوز أن نجبر بعضنا
البعض على كتابة بيانات البراءة ؟؟
هل يجوز أن نستعين بابن
عمّنّا على أخينا، وبالغريب على ابن عمّنا؟؟
هل يجوز أن نتحالف مع
الحاقدين والموتورين الشتّامين لهتك أعراضنا؟؟
هل يجوز أن ننشر غسيلنا على
كلّ الحبال؟؟
هل يجوز أن نكذب ونبالغ
ونعلن الانتصارات الوهميّة الزائفة ونبشّر اخوتنا
في الأقطار الشقيقة والصديقة بأنّنا الاستثناء،
وبأنّنا الوحيدون الوحدويّون الموحّدون، ونحن
الممزّقون المهزومون إلى الأذقان؟؟
لم يجب !!
ركعت أمام قدميه وتضرّعت
للمولى أن يحلّ عقدة لسانه وصرخت فيه: أليست
المواقع تكليفا لا تشريفا، فمتى صارت تشريفا
وترشيفا وتفريشا، فسدت طويّة المناضل وصار غير
شريف..
لم يجب !!
صمتّ صمت القادر لا صمت
الجبان، رفعت رأسي عاليا إلى السماء، نظرت إليه
مشفقا لحاله، فلم يكن سكوته ذهبا ولا فضّة ولا
نحاسا، كان سكوت الأموات الفانين..فحدّثت لساني
الذي أثقله التوسّل:"لقد أسمعت لو ناديت حيّا
..لكن لا حياة لمن تنادي".. ثمّ استغفرت اللّه لي
وله، ومضيت مردّدا "إنّ لله وإنّ إليه راجعون"..
كلّ من عليها فان إلاّ وجه ربّك ذو الجلال
والإكرام... ولا حول ولا قوّة إلاّ باللّه العليّ
العظيم ./.
حق المعرفة فوق
كل الحقوق
جميع الحقوق محفوظة لموقع زيتونة
موقع
زيتونة نافذة مستقلة ليست مسؤولة عن مضمون المقالات التي
تنشر
ولا تعتبر المقالات المنشورة وجهة نظر رسمية للموقع
، بل فقط تعبرعن رأي الكاتب asfook@yahoo.com