منذ أن دخلت السلطة
الفلسطينية الضفة الغربية وقطاع غزة منتصف عام
1994 وهي ترتكب الجريمة تلو الجريمة بحق الشعب
الفلسطيني ، الذي لم يكد يتنفس الصعداء من كابوس
الاحتلال الإسرائيلي الجاثم على صدره ، والذي لم
يغادر المدن والقرى الفلسطينية ، ومازال يحيط بها
من كل جانب ، ويقضم ويصادر في كل يومٍ المزيد من
الأرض ، ويقيم عليها المزيد من المستوطنات ، ويقتل
ويغتال ويعتقل ويهدم ويشرد ، وفي الوقت نفسه تحارب
السلطة الفلسطينية بلا هوادة من يحارب المحتل ،
ومن يقاوم سياساته ، ومن يقف في وجهه متحدياً
غطرسته ، ومن يحاول أن يصد اعتداءاته ، فتجمع سلاح
بعضهم ، وتعتقل آخرين ، وتقوم بقتل من لا تستطيع
أن تضع حداً لنشاطه ، وتقدم المعلومات للعدو
الإسرائيلي عمن لا تقوى على قتله أو ملاحقته ،
فيقوم الجيش الإسرائيلي بالمهمة عن السلطة ، كما
حدث مؤخراً مع الشهيد عبد المجيد دودين ، حيث سلمت
أجهزة فياض للعدو الإسرائيلي كامل المعلومات عنه ،
مما سهل استهدافه وقتله ، واللافت للنظر هو حجم
الحماس الذي تبديه العناصر الأمنية الفلسطينية
التي تقوم بمهام الملاحقة والقتل أحياناً ، أو تلك
التي تنفذ أعمال مداهمة واعتقال ، إذ تظهر الصور
المنقولة حجم الحقد والكره الدفين الذي لا تستطيع
ملامح الوجوه إخفاءه ، وكأن الأجهزة الأمنية تنفذ
مهام ضد جهاتٍ معادية ، وكأن المستهدفين ليسوا
فلسطينيين ، وليسوا شركاءهم في الأرض والنضال
والمصير .
هذا هو حال السلطة
الفلسطينية دون مبالغة ، فقد كانت في كثيرٍ من
الأوقات قوات لحدٍ فلسطينية تتآمر مع العدو
الإسرائيلي وتنسق معه أمنياً ضد شعبها ، وتتعامل
مع شعبها الفلسطيني وكأنه عدوٍ أو خصم ، فقتلت
المصلين بعد صلاة الجمعة في مسجد فلسطين بحي
اليرموك في غزة ، وشهد بعض المصلين أن ضباطاً
فلسطينيين كانوا يصدرون الأوامر لعناصر الأمن
ليطلقوا النار على جموع المصلين الخارجين من
المسجد ، بينما قامت عناصر أمنية متخفية بقتل
أشخاصٍ معينين ، وكان صاحب قرار المجزرة وزير
الداخلية الحالي في حكومة السيد فياض اللواء نصر
يوسف ، وقامت عناصر المخابرات العسكرية بقيادة
موسى عرفات بحصار ثلاثة مقاومين في حي الشيخ رضوان
غرب مدينة غزة ، واعتقلتهم وسلمتهم إلى جهاز الأمن
الإسرائيلي ، وقامت الأجهزة الأمنية باغتيال
الشهيد كمال كحيل ، وأعدمت خارج القانون الشهيد
نضال دبابش ، وتآمرت لقتل المجاهد محمد الضيف ،
وكان للمخابرات العسكرية الفلسطينية دور في تصفية
المهندس يحيى عياش ، وقتلت في وضح النهار الشهيد
حسين أبو عجوة ، وناهض النمر والشيخ الرفاتي ،
وارتكبت مجزرة مسجد الهداية وهو المسجد الذي يقع
ضمن الدائرة الأمنية المغلقة في حي تل الهوى ، حيث
قامت العناصر الأمنية الفلسطينية بإعدام الشيخ
زهير المنسي وعددٍ من المصلين بينما كانوا في باحة
المسجد ، وفي الضفة الغربية قتل جهاز الأمن
الوقائي الشهيد محيي الدين الشريف ، ولفق جبريل
الرجوب الأدلة والشواهد التي تبعده عن الجريمة ،
وقتلت المخابرات العامة في أقبية التحقيق عشرات
المعتقلين جراء التعذيب والتحقيق القاسي ، فقتلت
الشيخ مجد البرغوثي وغيره ، وقتلت الشهداء محمد
ياسين ومحمد السمان ، وسلمت إلى سلطات الاحتلال
الإسرائيلي سجن بيتونيا بكل من فيه من معتقلين
ينتمون لحركتي حماس والجهاد الإسلامي ، ولعبت
الدور الرئيس في قتل الأخوين عماد وعادل عوض الله
، وغيرها الكثير من عمليات القتل والإعدام ، ولم
تقتصر عمليات الإعدام والقتل على عناصر حركتي
المقاومة الإسلامية " حماس " والجهاد الإسلامي ،
ونشطاء المقاومة عموماً ، بل عمدت الأجهزة الأمنية
الفلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة إلى تصفية
العديد من العناصر الفتحاوية المعارضة لأسبابٍ
مختلفة ، وكشفت أوكار أجهزة أمن السلطة الفلسطينية
في غزة ، في المنتزه والسفينة ومقر الأمن الوقائي
وغيرها ، عن حجم كبير من المعلومات الأمنية ، التي
وضعت إجاباتٍ قطعية حول دور قادة الأجهزة الأمنية
في خلق بؤر التوتر ، وصناعة الأزمات ، وقتل
واستهداف النشطاء ، فضلاً عن عمليات التنسيق
الأمني الكبيرة بينها وبين مختلف الأجهزة الأمنية
العربية والأجنبية ، والتي عرضت موثقة بالصورة
والصوت والوثيقة .
وإثر كل جريمة كانت السلطة
الفلسطينية تسارع إلى تشكيل لجنة تحقيق ، للتعرف
على أسباب الخطأ ، ومن يتحمل المسؤولية ، وللعمل
على عدم تكرار الوقوع في ذات الأخطاء ، ولكنها لم
تكن تخلص إلى نتائج ، وكانت تقاريرها دوماً جاهزة
، وتهمها دوماً جاهزة ضد الآخرين ، في حين أن لجان
التحقيق المستقلة كانت دوماً تضع يدها على مختلف
جوانب الجريمة ، حيث تترك الأجهزة الأمنية وراءها
الكثير من الشواهد والأدلة ، وثبت بالأدلة أن
الأجهزة الأمنية الفلسطينية كانت تراقب وتتابع
وترصد كل من استهدفتهم إسرائيل ونالت منهم ، فهل
هذا من قبيل الصدفة المحضة ، أم أن هناك منهجٌ
استئصالي يستهدف مقاومة الشعب الفلسطيني ، حيث
كشفت التحقيقات عن وجود عشرات أجهزة التنصت
والمراقبة والتتبع مزروعة في أكثر من مكانٍ يخص
قادة المقاومة ، حيث كانت الأجهزة الأمنية
الفلسطينية تتعمد زرع هذه الأجهزة في المقرات
والسيارات والهواتف وفي الأماكن التي يرتادها قادة
ونشطاء المقاومة ، وأحياناً في أجساد المقاومين
كما حدث مع الشهيد عماد عوض الله ، وتكون النتيجة
الحتمية بعد ذلك ، استشهاد الأشخاص المستهدفين
بالمراقبة والمتابعة ، وتشهد عشرات مؤسسات حقوق
الإنسان الفلسطينية والدولية على الدور التآمري
الذي تلعبه الأجهزة الأمنية الفلسطينية ، والتي
تقود دوماً إلى جرائم قتلٍ واغتيال مجهولة الفاعل
، وغالباً ما تقوم هذه المؤسسات الحقوقية بدحض
رواية السلطة التي تحاول أن تنسب الجرم إلى الضحية
، بينما تبرر لنفسها ما ارتكبته من أخطاء ، وتحمل
المسؤولية بأكملها للضحايا الذين استهدفتهم بالقتل
والملاحقة .
نحن لا نعتقد أن السلطة
الفلسطينية بحاجة إلى لجان تحقيق ، أو لجان تقصي
حقائق ، بقدر ما هي في حاجةٍ ماسة إلى حملة تطهير
واسعة تشمل قطاعاتٍ واسعة في السلطة الفلسطينية ،
والأجهزة الأمنية ، لتخرج من صفوفها كل المنتفعين
والمتآمرين والمرتبطين والمتعاونين مع العدو
الإسرائيلي ، وكل التجار المحتكرين الذين يتاجرون
في لقمة عيش المواطن الفلسطيني ، والذين يبتزون
الفلسطيني في صحته وعمله ودراسته ، فلجان التحقيق
المسماة من قبل السلطة الفلسطينية عبثية ،
ونتائجها غير صحيحة ، فضلاً عن أنها لا تتم
أعمالها ، ولا تواصل تحقيقاتها ، فهي لا تريد أن
تفضح عناصرها ، ولا أن تكشف حقيقة عملها ، إذ أن
ما تقوم به الأجهزة الأمنية الفلسطينية إنما هو
عملٌ مستهدفٌ ومقصود ومدروس ، وقراراته تتخذ على
أعلى المستويات السياسية والأمنية ، ولذا فإن على
الشعب الفلسطيني أن يدرك أن منيته في قيادته ،
التي تسهل عمل المفسدين ، وتؤسس لعمل المتآمرين ،
الذين يربطون مصيرهم بالاحتلال ، والذين يعقدون
الصفقات مع الإسرائيليين ، والذين يرون أن رواج
واستمرار تجارتهم إنما تكمن في بقاء المحتل ،
وتعزيز الأزمة ، وتكريس الفرقة ، فيا أيتها اللجان
الوطنية إذا كانت الحقيقة هدفك ، والمصلحة الوطنية
غايتك ، والحق منهجك ، والصدق مسلكك ، فإنه لزاماً
عليكم أن توصوا برحيل صناع الأزمات ، ومثيري
الفتنة ، من المتآمرين على شعبنا وأهلنا ، ويخطئ
من يظن أن إسرائيل قادرة بكل ما تملك من تقانةٍ
عالية ، وتكنولوجيا رائدة على الوصول إلى كل
أهدافها بنجاح ، دون وجود مساعدةٍ حقيقية وفاعلة
من قبل المؤسسات الأمنية الفلسطينية ، التي كانت
تعرف كل المتعاونين مع إسرائيل وتتجاهل دورهم
ونشاطهم ، ولا تعتقل أو تحاسب أيٍ منهم ، بينما
سجونها ومعتقلاتها تغص بكل المقاومين والمعارضين
لسياستها ، فعلى كل المخلصين أن يدركوا أن الظلم
يقود إلى الثورة ، فهذه حتمية تفرضها طبائع
الأشياء ، فإن كان أهل غزة قد انتفضوا على الظلم ،
وثاروا على الجلاد ، ووقفوا في وجه سدنة الظلم
والاحتلال الجدد ، فإن الظلم في الضفة الغربية
سيقود عاجلاً أو آجلاً إلى ذات الثورة ، وسيقود
إلى المصير نفسه ، وسينقلب أهل الضفة الغربية ،
على كل معايير الظلم ورموز الاحتلال وأدوات دايتون
، مهما بدو في مظهرهم أقوياء .
حق المعرفة فوق
كل الحقوق
جميع الحقوق محفوظة لموقع زيتونة
موقع
زيتونة نافذة مستقلة ليست مسؤولة عن مضمون المقالات التي
تنشر
ولا تعتبر المقالات المنشورة وجهة نظر رسمية للموقع
، بل فقط تعبرعن رأي الكاتب asfook@yahoo.com