الأزمة
السياسية التي تعصف بإيران، ليست حدثا عابرا في
الجمهورية الاسلامية. وهيايضا ليست مؤامرة
امبريالية، بالطريقة التبسيطية الساذجة، التي تلجأ
اليها الأنظمةالقمعية من اجل تبرير
ممارساتها. انها اولا ازمة سياسية - ثقافية كبرى،
ترتبطبفلسفة الدولة الاسلامية التي
بنتها الثورة الخمينية. وهي تختزن خلافات فقهية
عميقةبدأت مع عزل منتظري كنائب
للمرشد واحلال خامنئي في مكانه، قبل وفاة الخميني.
وكانهذا العزل ايذانا بانقسام حاد
حول مفهوم ولاية الفقيه، وهو مفهوم فقهي صاغهالخميني، جاعلا منه
اساس بناء السلطة الجديدة.
لم تأتِ الثورة الايرانية
من لامكان، فهي وريثة الحركة
الوطنية بزعامة مصدّق من جهة، وهي ابنة تيار فكري
طوره عليشريعتي من جهة ثانية،
الى ان وصلت الى صيغتها الراهنة.
صيغة الدولة ليست عقيدةدينية، مثلما برهن علي
عبدالرازق في مطالع القرن الماضي، في كتابه:
'الاسلام واصولالحكم'، بل هي عقد
اجتماعي اولا، وهي بهذا المعنى عرضة للتبدلات.
ما يجري فيايران اليوم، ودور
الطبقة الوسطى في الشارع تأييدا لمير حسين موسوي،
يستدعي التفكيروالتأمل. وهو تأمل
سياسي وفكري، يتعدى ايران نفسها، كي ينشر اسئلته
على مساحةالمنطقة.
غير ان ما يحيّر المراقب،
هو صمت النخب الاسلامية العربية عن مناقشةالتحولات الايرانية.
ربما يعود هذا الكسل، في جزء منه، الى سيادة ثقافة
'التوك شو' التلفزيونية على المشهد
السياسي- الثقافي. وهي ثقافة تتميز بالضحالة
والفقر الفكري،نتيجة ارتباطها بمشهدية
تبغي الوصول الى النتائج من دون المقدمات. غير ان
هذاالتفسير ليس كافيا وحده، بل
نستطيع القول ان هناك ما يشبه الكسل العام،
والتسليمبثوابت لا يمكن المس
بها. وهذا ما عبّر عنه الأمين العام لحزب الله
الذي اعتبرولاية الفقيه جزءا من
العقيدة الدينية.
لا يلام حزب الله، كحزب
سياسي على صمته،فالحزب معني بتحالفه
الوثيق مع ايران، اكثر من عنايته بأي شيء آخر، لأن
هذا التحالفحيوي لوجوده العسكري
والمالي، ومن دونه، لم يكن التقدم العسكري الهائل
الذي حققتهالمقاومة الاسلامية
ممكنا. بالطبع يبقى سؤال معلق، فحزب الله ليس
تشكيلا مقاومافقط، بل هو طرف في
الحياة السياسية اللبنانية، ولا بد وان ينعكس
النقاش الايرانيعليه بطريقة ما. لكن
'قناة المنار'، حسمت خيارها النجادي، وهو خيار
مرتبط بموقفالولي الفقيه الصارم،
الذي اعلن فوز نجاد في الانتخابات الرئاسية، نافيا
احتمالاتالتزوير!
السؤال مطروح على المثقفين
القوميين والاسلاميين الذين شكلوا مؤتمراتثقافية اقليمية،
واتخذوا مواقف بدعم المقاومتين اللبنانية
والفلسطينية. صمت هؤلاءالمثقفين يثير الحيرة،
كأن تحولات كبرى، تجري داخل المؤسسة الدينية-
السياسيةالايرانية لا تعنيهم!
من الواضح ان هناك خطين
سياسيين يتنازعان ارث الثورةالاسلامية الايرانية.
خط يمثله خاتمي وموسوي وكرّوبي، ومعهم مجموعة
كبــــيرة منعلماء الديـــن، وخط
نجاد- خامنئي الذي يستظل العباءة الدينية التي
توفّرها ولايةالفقيه.
وهما خطان ينطلقان من
انجازات ثورة 1979، ويختلفان حول مفهوم الدولةوالديمقراطية والحريات
العامة ودور المرأة وتحررها. وقد يصل الخلاف الى
حدودالافتراض الذي قدمه الشيخ محمد
مهدي شمس الدين حول ولاية الأمة بدل ولايةالفقيه.
النقاش- الصراعي ـ بين
الخطين احتل مرحلة رئاسة خاتمي بأسرها، وسيبقىمحور الصراع السياسي في
ايران لفترة طويلة. لذا اجد ان استنكاف العلمانيينوالقوميين في العالم
العربي عن مناقشة التطورات الايرانية، لا يقل
دلالة وضررا عناستنكاف الاسلاميين
العرب وصمتهم.
الانتخابات الرئاسية
الايرانية قد تكون منعطفاحاسما في مسار
الجمهورية الاسلامية، والخـــوف هو ان تستغل قوى
القمع الأحداث، مناجل ادخال ايران في
قبضة الديكتاتورية، وهذا ما يشير اليه الستار
الاعلامي الذيفرضته السلطة، وما
تقوله الدماء التي نزفت في الشوارع. لكنه يحمل في
المقابل احتمالإحداث شرخ ديمقراطــي
في بنية النظام، من الصعب العودة عنه.
ايران لا تُختصر،على طريقة الاعلام
الغربي الغبي، بأحمدي نجاد وحماقاته، ايران تمثل
ثقافة كبرى،وشعبا يقاتل دفاعا عن
حريته. والخطأ الذي قد يقع فيه الاصوليون هو
اعتبار التحولالديموقراطي خضوعا
لأمريكا واسرائيل.
وهو خطأ فادح، لأنه يقبل
افتراضاتالاستشراق التي بُني
عليها الخطاب الكولونيالي حول عجز الشرقيين
والمسلمين عناستيعاب الحداثة.
الحرية ونهاية الاستبداد هما شرط مقاومة اسرائيل
وحماتها، ومن دونتحقق هذا الشرط، سوف
تبقى المقاومة جزئية ودفاعية. غياب النقاش العربي
يشير الىالهاوية التي سقط فيها
الفكر العربي منذ ان صارت الهــــزيمــة نظاما
سياسيا وفكريامسيطرا.
هل يستطيع الدرس الايراني
ايقاظ العقول العربية التي تختنق سباتا؟!
حق المعرفة فوق
كل الحقوق
جميع الحقوق محفوظة لموقع زيتونة
موقع
زيتونة نافذة مستقلة ليست مسؤولة عن مضمون المقالات التي
تنشر
ولا تعتبر المقالات المنشورة وجهة نظر رسمية للموقع
، بل فقط تعبرعن رأي الكاتب asfook@yahoo.com