كما اختلط الحابل بالنابل
في التدافع السياسي الإيراني منذ الأيام الأخيرة
للحملةالانتخابية، كذلك
اختلطت الأمنيات بالحقائق في التعليقات والتقارير
الإعلامية حولالحدث الإيراني. بعض من
أساطير المشهد الإيراني يتعلق بمقولات انقسام
النخبةالسياسية الإيرانية بين
إصلاحي ومحافظ، وانقسام الأجيال الإيرانية بين
شباب مؤيدينللحركة الإصلاحية وكهول
وشيوخ مؤيدين للمعسكر المحافظ، وانقسام الشعب
الإيراني ككلبين أكثرية تقف خلف
المرشح الخاسر مير حسين موسوي وأقلية خلف المرشح
المنتصر محمودأحمدي نجاد.
وفي حمى التوقعات بانهيار
'دولة آيات الله'، اختفت المفارقة الساطعةبين التغطية الغربية
الإعلامية والسياسية الرسمية تجاه الانتخابات
الإيرانيةونظيرتها اللبنانية،
كما غابت القضية الأهم، المتمثلة بالطبيعة القلقة
للنظامالسياسي الإيراني
الإسلامي الجمهوري.
الذين خرجوا إلى الشارع في
الحركةالاحتجاجية كانوا
بالتأكيد خليطاً من القوى والمجموعات، بعضهم تحرك
بدوافع سياسيةمناهضة لنظام ولاية
الفقيه، بعضهم يعتقد مخلصاً بأن نتائج الانتخابات
قد زيفت،وبعضهم يعتقد أن موسوي
سيوفر نظاماً أكثر عدالة لأبناء الأقليات القومية
والطائفيةالمهمشة. ولكن الانقسام
على مستوى الطبقة السياسية كان اكثر تعقيداً.
معتقدات موسويالإصلاحية هي بالتأكيد
محل شك كبير، ولا يجب أن يفهم ظهور خاتمي المتكرر
في تجمعاتموسوي الانتخابية بأن
الاثنين يتفقان في النهج والرؤية السياسية. ولكن
القوةالرئيسية في معسكر موسوي كان
بالتأكيد الرئيس الأسبق هاشمي رفسنجاني، أحد أبرزالقادة المؤسسين
للجمهورية الإسلامية.
ويوحي تاريخ رفسنجاني
بالبراغماتية السياسيةأكثر مما يوحي
بالإصلاح. هذا هو رجل الدولة القوي، المخطط الرئيس
لإطاحة آية اللهمنتظري من موقع خلافة
آية الله الخميني، ومن لعب دوراً بارزاً في توكيد
سلطةخامنئي؛ وهو الشخصية التي وقع
ظلها على أغلب القرارات التي عززت من بنية الدولةوالحكم، والتي عززت من
مقدرات الجمهورية ونفوذها الإقليمي. مثل هذه
الشخصية لا يمكنأن تطلق عليها أوصاف
أيديولوجية سياسية ذات دلالات محدودة؛ تماماً كما
أن مثل هذاالانقسام لابد أن يفهم
في ضوء التدافع حول القوة والنفوذ، التدافع الذي
أججه ولاءالرئيس نجاد للمرشد
الأعلى آية الله خامنئي طوال السنوات الأربعالماضية.
الانقسام الثاني لا يقل
وهماً؛ ليس للقول بأن ما بات يعرف بالتيارالإصلاحي، أو مير حسين
موسوي، لا يتمتع بدعم قطاع هام من الشباب. الحقيقة
أن أغلبداعمي موسوي من الشباب،
تماماً كما أن القوة الرئيسية التي ترفع راية
الإصلاحوالتغيير في البلاد هي
بالفعل من الشباب. ولكن الصحيح أيضاً أن الأجيال
الشابة منالإيرانيين، الأجيال
التي نشأت في ظل الجمهورية ولم تعش الوضع السابق
على تأسيسها،منقسمة كذلك بين
الإصلاحيين والمحافظين، وبين معسكري موسوي ونجاد.
قوات الحرسوالباسيج كلها من
الشباب، وقطاع واسع من أولئك الذين خرجوا للاحتفال
بفوز نجاد كانمن الشباب؛ بل أن أحمدي
نجاد نفسه يحسب على جيل الجمهورية الشاب، وأن أغلب
خصومه منالنخبة السياسية
الإيرانية ينتمي إلى جيل المؤسسين من كبار السن.
الشباب الذينخرجوا للاحتجاج على
نتائج الانتخابات هم في الغالب ممن يطالبون بمزيد
من الحرياتالاجتماعية والثقافية،
بما في ذلك أنماط اللباس والاختلاط بين الجنسين
وحريةالإبداع الفني، كما بمزيد من
الحريات السياسية.
لكن نجاد ومن يساندونه
ليسوا أقلسعياً للتغيير؛
والتغيير الذي ينشدونه يمس كبار شخصيات النخبة
السياسية التي أصابهاالفساد واستخدام النفوذ
لتحقيق مآرب خاصة. وإن كان موسوي، في مناظرته
المتلفزة معنجاد، حاداً في
الانتقادات التي وجهها لأسلوب خصمه في إدارة شؤون
الدولة، فإن نجادلم يكن أقل حدة في
إدانته لبعض من كبار شخصيات الحكم وقادة الجمهورية.
أماالاستنتاج بأن الأزمة
التي تعرضت لها إيران منذ الإعلان عن فوز نجاد
الانتخابي مؤشرعلى انقسام رأسي في
المجتمع الإيراني فهو استنتاج مبالغ فيه إلى حد
كبير. ثمةانقسام اجتماعي - سياسي
في إيران، وهو انقسام غير جديد، وقد أخذ في
التبلور منذنهاية الحرب العراقية -
الإيرانية؛ ولكن هذا الانقسام هو انقسام بين أقلية
وأكثرية. تقف الأكثرية خلف نجاد، وهي
أكثرية بالمعنيين، المعنى العددي ومعنى القوة
والنفوذفي أجهزة الدولة ودوائر
الحكم، بينما يمثل تآلف القوى المصطفة في معسكر
موسويالأقلية الأعلى صوتاً، والأكثر
فعالية في الاتصال بوسائل الإعلام العالمية،
والأكثرقدرة على الانسجام مع
التوجهات والأمنيات الغربية نحو إيران. وقد بدا،
حتى خلالأسابيع الحملة
الانتخابية، أن وسائل الإعلام الأجنبية أكثر
استعداداً وقابلية لحملصورة ورسالة معسكر
موسوي، منها إلى إيصال الصورة الحقيقية لحجم ونفوذ
وانتشار مؤيدينجاد. ما شاهده العالم
خارج إيران كان صور حشود جماهيرية نشطة، تلتف حول
موسويوتنادي باسمه؛ بينما تضاءلت أو
حتى اختفت الصورة الأخرى، صورة الحشود الأكبر التيالتفت حول نجاد.
الاستدعاء الآخر الذي
تستحضره الأزمة يتعلق بالمفارقة التيتعامل بها العالم مع
واقعتي الانتخابات في لبنان وإيران. والمسألة هنا
ليست الحسمفي شرعية أو عدم شرعية
نتائج الانتخابات الإيرانية، فحتى الإيمان بأن
نجاح نجادصحيح وشرعي لا يعني نفي
وجود تلاعب ما في هذه الدائرة أو تلك في أصوات
الناخبين؛ مايعنيه أن ليس ثمة
تقاليد تزييف في النظام السياسي الإيراني، وأن
أدلة مادية حاسمةلم تتوفر حتى الآن على
تلاعب مخطط، واسع النطاق، وعلى مستوى مركزي، تلاعب
يوفرتفسيراً منطقياً لحجم الفارق
في الأصوات بين المرشحين الرئيسيين. المسألة أن كل
منلديه ولو معرفة بسيطة
بالانتخابات البرلمانية اللبنانية وتقاليدها يدرك
أنالانتخابات الأخيرة في لبنان
لا تمت ولو بصلة واهية للنظام الديمقراطي. كما
أغلبالانتخابات اللبنانية السابقة
لعب المال السياسي دوراً رئيسياً في تحديد
النتائج،إضافة إلى الدور الذي
لعبته الضغوط الخارجية؛ ولكن الدور الأكبر يعود
بلا شك إلىالاصطفاف الطائفي البشع
الذي عاشه لبنان في السنوات القليلة الماضية
وانعكس فيأنماط التصويت خلال
الانتخابات. ولكن القوى الغربية الرئيسية رحبت
بنتائجالانتخابات اللبنانية
باعتبارها مثالاً للوعود التي تحملها الديمقراطية
لشعوبالمشرق، وأشادت بالأجواء التي
أحاطت العملية الانتخابية؛ بينما تجنب أغلب وسائلالإعلام والدول العربية
والغربية ولو مجرد الإشارة إلى الوسائل غير
الديمقراطيةالتي وظفت لتأخذ
الديمقراطية اللبنانية مجراها.
في الحالة الإيرانية،
وبالرغم من أنموسوي أعلن فوزه في شكل
مثير للريبة قبل فرز ولو عشرة بالمائة من الأصوات،
فإنالتشكيك في مصداقية الانتخابات
وشرعيتها سرعان ما أصبح هو الأصل لا الاستثناء.
ثمة مسألة أساسية لم تحاول
وسائل الإعلام العربية أو الغربية بعد التطرق
إليهابجدية وعمق، وربما تكون
المسألة الأهم في كل الجدل الدائر حول الحدث
الإيراني، وهيالمسألة التي تتعلق
بالبنية الدستورية وأسس الشرعية لنظام الجمهورية
الإسلامية. فيالفكر الإسلامي السياسي
الشيعي لم يكن ممكناً إقامة نظام إسلامي شرعي بدون
الاجتهادالكبير الذي تقدم به
الإمام الخميني والمتعلق بولاية الفقيه. مستنداً
إلى مقولاتأولية سجلت للمرة
الأولى في مطلع القرن التاسع عشر، قال الخميني أن
دولة الإمامالمهدي، التي لا يمكن
توقع زمان ظهورها، ليست الدولة الشرعية الوحيدة
الممكنة؛ وأنبالإمكان أن يتصدى
الفقيه، العالم، الثقة، لمهمات إقامة دولة الشرع
والحق باعتبارهنائباً عن الإمام
المهدي. وليس ثمة شك أن الثورة الإسلامية في إيران
ما كان لها أنتكون ثورة جذرية،
تستهدف إطاحة نظام الشاه وإقامة الحكومة
الإسلامية، بدون مقولةولاية الفقيه. إن لم
يكن الفكر السياسي الشيعي قد توصل إلى مقولة ولاية
الفقيه،فربما كانت الثورة
الإسلامية ستنتهي إلى نتائجأقرب إلى الثورة
الدستورية في مطلعالقرن العشرين، أي
إصلاح النظام السلطاني الوراثي بجعله مشروطاً بنص
دستوري وإرادةبرلمانية واحترام مؤسسة
العلماء والمرجعية.
بيد أن إقامة شرعية
الجمهوريةالإسلامية على أساس من
ولاية الفقيه كانت تستبطن من البداية تناقضاً
بنيوياً بينسلطات الفقيه القائد
وإرادة الشعب التمثيلية، التي أرادها المؤسس آية
الله الخمينيقاعدة أخرى لشرعية
النظام. في المرحلة التالية لانتصار الثورة لم تكن
ثمة خطوة منخطى تأسيس الجمهورية
أخذت بدون تصويت شعبي، بما في ذلك الاستفتاء على
إقامة النظامالجمهوري الإسلامي،
انتخاب المجلس الدستوري الذي وضع مسودة الدستور،
الاستفتاء علىالمسودة نفسها، انتخاب
رئيس الجمهورية، وانتخاب المجلس البرلماني. وطوال
العقودالثلاثة التي مرت على
إقامة الجمهورية استمرت الإرادة التمثيلية للشعب
قاعدة أساسيةمن قواعد النظام، سواء
في انتخاب مجلس الخبراء، المسؤول عن اختيار الفقيهالمرشد/القائد،
وانتخابات رئيس الجمهورية، أو الانتخابات الدورية
للبرلمانالإيراني. المشكلة التي
لم يستطع النظام حلها حتى الآن تتعلق بالتناقض بين
سلطتيالفقيه/ القائد وسلطة الشعب.
في نظام الجمهورية الإسلامية، ستصبح الإسلامية محل
شكبدون وجود مؤسسة الفقيه/
القائد؛ وبدون الإرادة الشعبية ستصبح الجمهورية
محل شك. وما لم يجد العقل السياسي
الإسلامي الشيعي حلاً لهذا التناقض، فإن الأزمات
التي أخذالنظام في التعرض لها
منذ تسعينات القرن الماضي ستتكرر، لأن قطاعاً
ملموساً منالإيرانيين، مجتمعاً
ونخبة، كما يبدو، يريد إسقاط الإسلامية عن
الجمهورية، ومايترتب عليها من
السياسات.
حق المعرفة فوق
كل الحقوق
جميع الحقوق محفوظة لموقع زيتونة
موقع
زيتونة نافذة مستقلة ليست مسؤولة عن مضمون المقالات التي
تنشر
ولا تعتبر المقالات المنشورة وجهة نظر رسمية للموقع
، بل فقط تعبرعن رأي الكاتب asfook@yahoo.com