يتبادر إلى ذهن القارئ العربي أن "أورشليم" هي
لفظة عبرية، وبالتالي قد يستاء عندما نقول:
"أورشليم" بدلاً من "القدس" للإشارة إلى مدينة
السلام، ولكن ما تجمع عليه المصادر التاريخية،
والتراثية أن تسمية "أورشليم" هي في الحقيقة تسمية
كنعانية آرامية أصيلة، وقد ذكر الدكتور "أحمد
سوسة" في كتابة "العرب واليهود في التاريخ" أن
"أورشليم" وردت بهذا الاسم في النصوص الكنعانية
التي وجدت في مصر قبل ظهور النبي موسى عليه السلام
بعدة قرون"وأرى أن ما يؤكد هذه
المعلومة ما ورد في أسفار العهد القديم التي تعترف
أن اسم المدينة "أورشليم" كان موجوداً قبل أن يصل
إليها اليهود، ففي سفر القضاة، الإصحاح الأول، جاء
ما يلي: "وحارب بنو يهوذا "أورشليم"، وأخذوها،
وضربوها بحد السيف، وأشعلوا المدينة بالنار" وهذا
كلام يعتبره اليهود كلاماً دينياً موثوقاً، ويؤكد
أن عادات اليهود التاريخية هي اغتصاب الأرض من
أصحابها بعد حرقهم، وتدميرهم، وانتحال أسماء
مدنهم، ونسبها إليهم مثل المدن الكنعانية:
"أورشليم، حبرون، عشقلون، جت، أشدود، يافو، عكو"
وهذه هي طبيعة اليهود، ومن مكونات نفسيتهم التي
يشكلها معتقدهم الذي يقوم على نفي الآخر، والتنكر
له، والحلول محلهم بعد ذبحه، وتصفيته كما تكرر ذلك
مع الفلسطينيين في الأمس القريب سنة 1948.
كان فرح اليهود عارماً بإكمال السيطرة على
"أورشاليم" القدس سنة 1967، ذلك المكان المقدس
الذي يرمز إلى التاريخ، والقوة، وتحقق الحلم، ولذا
لم يدخل القائد العسكري اليهودي "موشي ديان"
المدينة المقدسة من جهة الغرب، وإنما دخلها من باب
الشرق قائلاً: "من هنا دخل عظماء التاريخ" في
إشارة إلى أمير المؤمنين الخليفة عمر بن الخطاب،
لقد دخل "ديان" المدينة الباكية وسط أهازيج
اليهود، ومزاميرهم، ورقصهم، وأناشيدهم، وعلى وقع
كلمات الشاعرة اليهودية "رفكه أهارون"، في ديوانها
"باقة أقحوان" تقول:
على جيدك يا أورشليم أجراس من ذهب. أجراس من شمس.
وطَلُّ جبال من نحاس. على رأسك، يا أورشليم،
أجراسٌ من فضة. أجراسٌ من بلور. وإكليلٌ من بهاء.
النور يفيض على ضفافك بهدوء التلال. النور يلامس
قدميك كالصلاة. في جناحيك يا أورشليم حزم من نور.
وعلى جيدك الشامخ سلسلة من جبال. عامرة أنت
كالشذا، وباقية إلى الأبد...
أورشليم هي الذهب، والفضة، والنحاس، والبلور،
والشمس عند اليهود، وكل هذا الوصف المادي المحسوس
لم يذهب بحب "أورشليم" إلى الأعماق، إلى أن تقول
الشاعرة للمدينة: " في جناحيك حزم من نور، وأنت
كالشذا، وباقية إلى الأبد" لتنجلي حقيقة وجدان
اليهود من الصراع الأزلي على المكان المقدس،
والقبض عليه بمخلبٍ من نار، وهذا ما يدلل على أن
الطريق إلى "أورشليم" القدس لا تمر عبر الأوهام،
والمفاوضات، واللقاءات، والقبل، إنها طريق وعرة،
لا يمكن الوصول إليها إلا عبر بوابة الجهاد،
والمقاومة، ولا يخطو على صخرها إلا من استعد لتحمل
مشقة الصعود إلى مكانة المدينة الإسلامية،
والحضارية، والتاريخية التي ستظل رمزاً للسلام،
والمحبة، والتعايش بعيداً عن سيف اليهود الغادر
الظالم، وقريباً من أماني الشاعر محمود درويش وهو
يغني على جيدك يا "أورشليم" يا قدس:
على جيدك يا ذاتَ العيونِ السودِ، يا سيْفي
المُذهَّبْ
ها أنا أنهضُ من قاعِ الأساطيرِ، وألعبْ
مثل دوريّ على الأرضِ، وأشربْ
من سحابٍ عالقٍ في ذيلِ زيتونٍ ونَخلٍ
ها أنا أشْتمُّ أحبابي وأهلي
فيكِ يا ذاتَ العيونِ السودِ، يا ثوبي المُقَصَّبْ
لم تزلْ كَفّاكِ تَلّيْنِ من الخُضرةِ، والقمحِ
المذهّبْ.
حق المعرفة فوق
كل الحقوق
جميع الحقوق محفوظة لموقع زيتونة
موقع
زيتونة نافذة مستقلة ليست مسؤولة عن مضمون المقالات التي
تنشر
ولا تعتبر المقالات المنشورة وجهة نظر رسمية للموقع
، بل فقط تعبرعن رأي الكاتب asfook@yahoo.com