من شاهد بعض المحطات
التلفزيونية العربية واستمع إلى مراسليها ومحلليها
الإعلاميينوقرأ تعليقات بعض الصحف
العربية، وهم جميعاً يتناولون الحالة الايرانية
على ضوءالأحداث التي تجري في
طهران عقب انتهاء الانتخابات الرئاسية في إيران،
يدرك كم كانتالآنيًّة تتغلًّب على
المدى الطويل وكم كانت الخلافات السياسية تتغلًّب
على النظراتالاستراتيجة الكبرى وكم
كانت الدعاية الإعلامية الغربية تسيطر على فكر
ومشاعرالكثيرين. وكم كان
محَزناً مقدار نسيان كارثة خطاب الصيهوني النازي
نتنياهو الذيفجر إنقلابا هائلاً في
الحياة السياسية العربية والإنشغال بهلوسات
وتمنيات وأحلامفي الساحة الإيرانية. في إعتقادي أنه بعيداً
عن الإختلافات السياسية مع إيران فيبعض الساحات العربية،
بل وبعيداً عن الإختلافات المذهبية الاسلامية مع
بعضأطروحاتها، نحتاج كعرب أن ندرك
الثوابت والوقائع التالية عند النظر إلى الحالةالإيرانية ونستعملها
كمعايير عند حكمنا على الأحداث اليومية هنا أو
هناك.
أولاً:
ليس صحيحاً أن إيران قد
انتقلت من مرحلة الثورة إلى مرحلة الدولة. فالثورةالإسلامية الإيرانية هي
من أهمٍّ وأكبر ثورات القرن العشرين، وهي ثورة
يراد لها أنتكون تجديداً وانقلاباً
عميقين في الفكر الإسلامي والممارسة الإسلامية.
ومثل هكذاأهداف كبرى لا تكفيها
بضعة عقود. من هنا فان الثورة الإيرانية لا تزال
في عنفوانهاولا تزال تطرح الأسئلة
ولا تزال تجرٍّب هذا الطريق أو ذاك. إنها لم تستقر
بعد. إنهاستخطئ مثلما أنها
ستصيب. كل ذلك سيكون له تأثيره البالغ على الحياة
السياسيةالإيرانية في الشارع
وفي المؤسسات.
ثانيا:منذ قيام الثورة في
عام 1979 وايرانتواجه تحدٍّيات وأخطار
خارجية كبرى. فما أن انتهت الحرب العراقية -
الإيرانيةالمفجعة، التي أنهكت
البلدين الجارين المسلمين، حتى دخلت إيران في صراع
وحصار معالغرب الاستعماري شمل
الإقتصاد والسياسة والأمن والعلوم والتكنولوجيا،
وأصبحت العدوالأول للحركة الصهيونية
في فلسطين والعالم كله. وما كان بامكان إيران، تحت
هذهالظروف، أن تتفرُّغ لإنضاج
وتعديل مسارات ثورتها الفكرية والسياسية.
ثالثا:
وعندما دخل الغرب
الاستعماري في صراعه المجنون ضدًّ الدين الإسلامي
والمسلمين، وذلكباسم محاربة الإرهاب،
وواجه شتًّى أنواع المقاومة الناجحة في كثير من
الأحيان،إقتنع ذلك الغرب بأنه
ما لم يكسر الشوكة الإيرانية فان أهدافه البعيدة
المدى فيالأرض الإسلامية، بما
فيها العربية، لن تتحقق بالكامل. وتعرف إيران أنها
أصبحتالجائزة الكبرى للمد العولمي
الاستعماري الأمريكي والأوروبي، وأن نيلها سيؤدي
إلىجوائز كثيرة أخرى.
رابعاَ: يجب أن لا نتوقّع
بأن حلًّ الخلافات بين مختلف قوىالثورة الإيرانية سيأخذ
طابعاً مختلفاً عن حلٍّ الخلافات بين الثورات
الإسلاميةالمختلفة عبر تاريخ
المسيرة السياسية الإسلامية. فاذا كانت الثورة -
الفتنة الكبرىالتي أعقبت موت النبي
(صلعم) ببضع سنوات فقط اعتمدت الصٍّراعات والعنف
منهجاً، ولمتستطع أن ترقى الى
المجادلة الحسنة فان الثورة الإيرانية، في أغلب
الظن، لن نستطيعمع الأسف الخروج على
هذه القاعدة التي ترسخت في الحياة السياسية
الإسلامية عبرالقرون.
خامساً: عندما نتعامل مع
المشهد الإيراني الحالي يجب أن لا ننسى قطالمشهد العراقي
المأساوي الذي سبق إجتياحه. إن حملة الأكاذيب
الإعلامية، بتنسيق تاممع دوائر الأمن
والتجسُّس والعسكر في الغرب الاستعماري، وتأليف
القصص الخيالية،وذرف دموع التماسيح على
حالة الشعب العراقي، وتخويف جيران العراق من
طموحاته،وتضخيم قدراته
العسكرية، إلخ... من المعزوفات الغربية
الاستعمارية البائسة.. إن كلذلك يعاد تأليفه وبثٍّه
وممارسته بالنسبة لإيران. ما أشبه اليوم بالبارحة.
ولقدأصبحت مع الأسف هذه الممارسات
جزءا لا يتجزأ من التعامل الغربي الاستعماري مع كلمخالفيه أو معارضيه.
نحن إذن أمام ثورة لم
تكتمل، وهي محاصرة من قبل الغربالاستعماري والصهيونية
العالمية، وهي ثورة يراد إنهاؤها. إن تصُّرفاتها
تنبع فيالأساس من تلك الحقائق
والثوابت. وسنخطئ، نحن العرب، إن نظرنا إلى الحالة
الإيرانيةبمنظار ضيًّق الأفق
ونظرات آنية مغموسة في وحل هذا الخلاف السياسي أو
ذاك. إنناسنرتكب جريمة ضدُّ
مصالحنا الاستراتيجية ونهوضنا الديني إن مددنا
يدنا للقوى التيتريد تدمير هذه
المحاولة الثورية الإسلامية بدلاً من مساعدتها على
النضوج والسير فيالطريق الذي يأتي
بالخير للعرب ولايران ولكل المسلمين.
حق المعرفة فوق
كل الحقوق
جميع الحقوق محفوظة لموقع زيتونة
موقع
زيتونة نافذة مستقلة ليست مسؤولة عن مضمون المقالات التي
تنشر
ولا تعتبر المقالات المنشورة وجهة نظر رسمية للموقع
، بل فقط تعبرعن رأي الكاتب asfook@yahoo.com