تعيش السلطة الفلسطينية في
رام الله هاجس تكرار الحسم العسكري في الضفة
الغربية ، خاصة أنها تعيش الذكرى الثانية لشهر
الحسم في غزة ، ولكن خوفها من تكرار ما حدث في
الضفة الغربية ليس فقط بسبب الذكرى ، أو آثار
الحسم التي مازالت باقية ، تاركةً بصماتها على كل
شئٍ في الحياة السياسية الفلسطينية ، بل هو خوفٌ
لديها دائم ومتجدد ، كان قبل الحسم في غزة ومازال
، فالسلطة الفلسطينية التي قوامها حركة فتح ، لم
تنظر يوماً إلى حركة حماس أنها شريكتها في النضال
والمقاومة ، وأنها تشاطرها الوطن والشتات ، وأنها
كانت تقاسمها الزنازين ومعابر المعتقلين ، وأن
عناصر حماس وفتح كانوا يوماً شركاء في البرش
والحمام والزنزانة والقيد وحافلات الترحيل وأقفاص
المحاكم ، وأن حركة حماس قدمت الكثير في معركة
التحرير والمقاومة ، فقدمت مئات الشهداء وآلاف
الجرحى والمعتقلين ، ومازالت سجون العدو
الإسرائيلي تزخر بأبطال المقاومة من حركتي حماس
والجهاد الإسلامي وفتح والجبهتين الشعبية
والديمقراطية ، ولكن السلطة الفلسطينية لا تريد أن
تعترف بأن الشعب الفلسطيني والوطن لهما جناحان
عظيمان ، هما حركة فتح وحماس ، وبغير أحدهما يكون
الوطن كالطير المهيض الجناح ، ولكننا نجد أن حركة
فتح التي هي قوام السلطة الفلسطينية ، وعماد
أجهزتها الأمنية المختلفة ، إذ أن جميع قادة
أجهزتها الأمنية ، وكافة المدراء العامين ،
والسفراء والمبعوثين والمفاوضين هم من حركة فتح ،
ويمثل أبناؤها السواد الأعظم من موظفي السلطة
الفلسطينية في مختلف قطاعات الحياة الفلسطينية ،
فهي تحتكر الحياة المدنية والسياسية والأمنية ،
وتحرم الآخرين من الحق في أن يكون لهم دور وشأن في
إدارة الوطن وبناء مؤسساته ، وقد شهد أبناء حركة
حماس حرماناً منقطع النظير من أي وظيفةٍ مدنية
فلسطينية ، فقد كان لزاماً على كل متقدمٍ لوظيفة
أن يحصل على إفادة السلامة الأمنية ، وهي إفادةٌ
أمنية فلسطينية تصدر عن أمن المؤسسات وتعني أن
الموظف المذكور لا ينتمي إلى حركة حماس ، وإذا
تبين لاحقاً أن موظفاً ما يخفي انتماءه إلى حركة
حماس فإنه يحرم من وظيفته ، ويطرد من موقعه ،
وهكذا بات كثيرٌ من أبناء حركة حماس خارج السلك
الوظيفي الفلسطيني ، وهذا الأمر لم يكن مقتصراً
على غزة وحدها ، بل كان حالةً عامة في شطري الوطن
.
وبالعودة إلى التاريخ
الفلسطيني القريب في السجون الإسرائيلية والجامعات
والمعاهد العلمية ، فقد كانت حركة فتح ترفض
الاعتراف بالتيار الإسلامي على أنه مكونٌ أساس من
مكونات الوطن ، وكانت ترفض تمثيل أبناء التيار
الإسلامي في السجون والمعتقلات ضمن اللجنة
الاعتقالية الوطنية العليا ، وكانت تفرض على
المعتقلين أن يتفرقوا بين التنظيمات الفلسطينية
الأخرى ، وكانت تحاسب وتعاقب كل من يثبت أنه يخفى
تدينه ، أو يمارس طقوساً دينية تشير إلى ولاءاتٍ
أخرى ، وكان يعاقب كل من يثبت أنه يترنم ويدندن
بأناشيد إسلامية ، أو يثبت أحياناً أنه يقوم الليل
أو يحفظ القرآن الكريم ، وسجون العدو الإسرائيلي
تشهد على تعليمات أبو علي شاهين القاسية بحق كل من
يمارس طقوساً إسلامية في السجون والمعتقلات ، وساق
عمر جعارة تشهد على سياسة الحرمان التي كانت
تمارسها حركة فتح في السجون والمعتقلات ، إذ أمر
أبو علي شاهين بكسر ساقه بينما كان يصلي ، لئلا
يعود هو وغيره إلى مثلها ، صلاةً واستقامة .
وأما عن معاناة أبناء
التيار الإسلامي في الجامعات والمعاهد الفلسطينية
فلم تكن مختلفة عن معاناتهم في السجون والمعتقلات
، فقد كانت فتح ترفض الاعتراف بوطنية ووجود التيار
الإسلامي ، وكانت تعتبر أن مكونات الكتل الطلابية
الوطنية في الجامعات هي أربع كتلٍ فقط ، وهي
بالإضافة إلى حركة فتح الجبهتان الشعبية
والديمقراطية والحزب الشيوعي الفلسطيني ، وكانت
تصر على حرمان طلاب التيار الإسلامي من أي حقوقٍ
طلابية ، وترفض مشاركتهم في انتخابات مجالس الطلبة
، رغم أن الكتل الإسلامية في الجامعات والمعاهد
الفلسطينية كانت كتلٌ ضخمة ، وكان لها دورها
وبصماتها في العمل الوطني الطلابي ، وقدمت العديد
من طلابها شهداء في مواجهاتٍ مختلفة مع العدو
الإسرائيلي ، ورغم دم الشهداء القاني والدامغ فقد
حاولت حركة فتح حرمان الكتل الإسلامية من حققها في
تبني شهداءها ، كصائب ذهب وجواد أبو سلمية وغيرهما
.
وأمام الظلم الذي عانى منه
أبناء التيار الإسلامي على يدي قيادات حركة فتح ،
كان لابد من الثورة على الظلم ، والانقلاب على
الحرمان ، ورفض الهوان ، وعدم الخضوع لمصادرة
الحقوق ، فرفضت الكتل الطلابية الإسلامية خاصةً في
جامعات الضفة الغربية أن تخضع للحصار والحرمان ،
فكانت أحداثٌ وملاحم دموية في باحات الجامعات ،
جُرت إليها الكتل الإسلامية ، أو أجبرت على خوضها
لنيل حقوقها ، ورفض قوانين الظلم المفروضة عليها ،
حتى أصبحت الكتل الإسلامية في الجامعات والمعاهد
الفلسطينية مكونٌ أساسي من مكونات الطلاب ومعترفٌ
به وبحجم وجوده وتمثيله ، حتى أن الكتل الإسلامية
في بعض الجامعات والمعاهد قد تمكنت وحدها من تشكيل
المجالس الطلابية ، وقد كانت محرومة سابقاً من حق
المشاركة ، وشكل فوز الكتلة الإسلامية في جامعة
بيرزيت منعطفاً كبيراً في الحياة الطلابية في
الجامعات والمعاهد ، ذلك أن جامعة بيرزيت كانت
دوماً حصن وقلعة التيارات الوطنية الأخرى ، فكان
فوز الكتلة الإسلامية فيها علامةً مميزة وفارقة ،
لإثبات الذات ، ونيل الحق ، وفي السجون والمعتقلات
رفض أبناء التيار الإسلامي أن يفرض عليهم القيد
مرتين ، وأن يخضعوا لجلادين ومراقبين وحاكمين في
آن ، فأصروا على نيل حقوقهم ، وأن يكونوا ضمن
القوى والفصائل المشكلة لمجموع المعتقلين ، وأن
يسمح لمن شاء من المعتقلين أن ينتمي إليهم ، وأن
يلتحق بهم ، وان يكون لهم الحق في عقد الندوات
والحلقات العلمية والدينية ، وجلسات التنظير
والتعبئة الخاصة بهم ، وأن يكونوا ضمن اللجنة
الاعتقالية العليا ، وان يكون لهم ممثلين في مختلف
اللجان العاملة في السجون والمعتقلات .
فحتى لا يتكرر الحسم في
مكانٍ آخر ، ولئلا تكون ثورةٌ جديدة ، لابد لسدنة
السلطة الفلسطينية ، وجلهم كما ذكرنا من حركة فتح
، أن يرسوا قواعد للعدل والإنصاف ، وألا يجبروا
أحداً على الثورة والانقلاب ، ذلك أن رد الظلم ليس
بظلم ، وأن رفض الخنوع والذل ليس تمرداً ، بل إن
من شيم الكبار وأخلاق النبلاء الثورة على الظلم
والاضطهاد ، وما يحدث اليوم في الضفة الغربية ، في
نابلس وقلقيلية ورام الله وجنين وغيرها ، من ظلمٍ
وقتلٍ واعتداءٍ وأعمال تصفية ، وحرمانٍ ومعاناةٍ
وتمييز ، ليس إلا وصفة حقيقية للثورة والانقلاب ،
وعلى السلطة الفلسطينية أن تدرك أن الثورة علاج كل
ظلم ، وأن الظلم مهما طال وساد فهو إلى زوال ، وأن
السلطات لا تحمى وتعيش بقوة البطش وعسف الجلاد ،
بل تعيش وتعمر بحب الأتباع لها ، وتأييد المحبين
لحكمها ، فعلى القائمين على الأمر في رام الله أن
يحصنوا أنفسهم بالعدل ، وأن يحموا حكمهم بالإنصاف
والعدل والمساواة ، وإلا فإن يوم غدٍ قادمٌ لا
محالة ، والتاريخ سجلٌ حافل يرصد ويحفظ ويسجل
ويتكرر ، وهو خير شاهدٍ على زوال من ظلموا ،
ونهاية من بطشوا .
حق المعرفة فوق
كل الحقوق
جميع الحقوق محفوظة لموقع زيتونة
موقع
زيتونة نافذة مستقلة ليست مسؤولة عن مضمون المقالات التي
تنشر
ولا تعتبر المقالات المنشورة وجهة نظر رسمية للموقع
، بل فقط تعبرعن رأي الكاتب asfook@yahoo.com