سألني مراسل صحيفة «واشنطن بوست» الذي جاء إلى
القاهرة ليتابع صدى أحداث إيران الأخيرة فيها،
بماذا تفسر سكوت العواصم العربية إزاء تلك
الأحداث، رغم أن بعضها مشتبك مع طهران ومخاصم لها؟
قلت إن الصمت ليس تاما، وإن الإعلام العربي خصوصا
في مصر والسعودية قام باللازم، وبعض منابر الإعلام
ليست بعيدة تماما عن السياسة، ويستطيع أي قارئ أن
يرصد تعالي نبرة الهجاء والشماتة والتحريض فيما
تنشره بعض الصحف وتبثه بعض الفضائيات.
مع ذلك يظل السؤال صحيحا إذا انصب على التعبير
الرسمي والمباشر الذي أحجمت عنه العواصم المذكورة،
التي يعرف الجميع أنها كتمت ترحيبها بالاضطرابات
التي حدثت في طهران، وهذا الكتمان له ما يبرره،
ذلك أن الضجة أثيرت في إيران عقب الانتخابات
الرئاسية، التي شكك غير الفائزين في نتيجتها،
وطعنوا فيها بالتزوير. وذلك يحرج دولا عربية لم
تعرف الانتخابات أصلا ودولا أخرى لا تتم فيها
الانتخابات بغير تزوير، وفضلا عن هذا وذاك فإن
الاحتجاج على النتائج تم من خلال المظاهرات التي
خرجت إلى الشوارع واشتبكت مع الشرطة وعناصر
«الباسيج».
وهذه ملابسات تجعل الحكومات العربية التي سرها ما
حدث أن تتردد كثيرا في تأييد المحتجين، لأن من شأن
ذلك أن يفتح أعين مواطنيها على أمور يتم تجاهلها
وحظرها في بلدانهم. ومن حقهم إذا وجدوا أن
حكوماتهم أيدت في العلن المتظاهرين ضد النظام أن
يتساءلوا لماذا كل ذلك حلال على الإيرانيين وحرام
علينا. لذلك كان الصمت الرسمي حلا لهذه الاشكالات.
سألني صاحبنا بعد ذلك هل تتوقع أن يكون لما جرى في
إيران صدى في مصر، بحيث يتحرك الشارع محتجا إذا
حدث أي تلاعب في الانتخابات التي يتم الإعداد لها
الآن؟ قلت إن الشيء الوحيد الذي أتوقعه أن يتم
التلاعب في نتائج الانتخابات، التي يتداول
المهتمون بالشأن السياسي بعض نتائجها من الآن. على
الأقل، في الشق المتعلق بعدد المقاعد التي «ستفوز
فيها» الاحزاب المختلفة. أما موضوع تحرك الشارع
فهو مستبعد إلى حد كبير أولا لأن الاحزاب الشرعية
مدجنة ومتفاهمة مع السلطة، وثانيا لأن التجمعات
السياسية الأخرى إما أنها محدودة القدرة والفاعلية
في المجتمع أو أنها مقموعة بقسوة لا تمكنها من
التعبير عن أي احتجاج سلمي. أما المجتمع في إيران
فوضعه مختلف نسبيا، ذلك أنه لايزال محتفظا بحيويته
وعافيته وتعدديته السياسية والعرقية والثقافية.
صحيح أن الشرطة وعناصر الباسيج تدخلت لوقف
المظاهرات، لكن ذلك تم بعد خمسة أيام من اندلاعها،
وما أوقفها ليس الشرطة ولكنها بيانات ونداءات
القادة السياسيين الذين تحركوا لاحتواء الموقف.
وفي كل الأحوال فإن الإجراءات البوليسية التي
اتخدت هي عشر معشار ما تشهده في بلادنا التي لا
يسمح فيها أصلا بخروج المظاهرات وإذا خرجت فإن
النهار لا ينتصف إلا وقد تم فضها بمختلف الأساليب.
السؤال الثالث كان كالتالي: ربما لاحظت أن الرئيس
أوباما كان متحفظا في الحديث عن الوضع في إيران.
وفي وقت لاحق دافع عن احترام إرادة الشعب هناك، هل
تتوقع أن يتبنى هذا الموقف إذا ما حدث تطور مماثل
في مصر في الانتخابات المقبلة؟
في ردي قلت إن الرئيس أوباما بحاجة إلى التفاهم مع
إيران لخدمة المصالح الأميركية في العراق
وأفغانستان. ودفاعه الضمني عن المعارضة الإيرانية
مفهوم، لأنها متعاطفة مع الغرب والولايات المتحدة
ومهادنة لإسرائيل لكن موقف المعارضة الوطنية
المصرية مختلف، من حيث إنها ضد النفوذ الغربي
والهيمنة الأميركية ورافضة للخضوع للابتزاز
والعربدة الإسرائيلية، لذلك لا أستبعد أن يكون
للرئيس أوباما موقف مغاير لا يتعاطف فيه مع
المعارضة المصرية إذا ارتفع لها صوت وتعرضت للقمع
جراء ذلك.
كانت هذه «عينة» مما شُغل به المراسل الأميركي،
والعيِّنة بيِّنة كما نقول ..
حق المعرفة فوق
كل الحقوق
جميع الحقوق محفوظة لموقع زيتونة
موقع
زيتونة نافذة مستقلة ليست مسؤولة عن مضمون المقالات التي
تنشر
ولا تعتبر المقالات المنشورة وجهة نظر رسمية للموقع
، بل فقط تعبرعن رأي الكاتب asfook@yahoo.com